شرح لمعة الإعتقاد  16

شرح لمعة الإعتقاد 16

الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 16، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

إثبات صفة النزول لله تعالى وتأويلات المبتدعة

يشرح هذا الفصل حديث النزول ويبين إثبات صفة النزول لله تعالى، ويرد على تأويلات المبتدعة. كما يؤكد أن صفة النزول ثابتة بالسنة والإجماع.

صفة العجب لله تعالى والرد على الشبهات

يناقش هذا الفصل صفة العجب لله تعالى واستدلال العلماء بها، ويبين ضعف بعض الأحاديث ويثبت الصفة من خلال القراءات السبعية وأقوال العلماء.

مصدر العجب وإثبات صفات الله تعالى

يشرح هذا الفصل مصدر العجب ويؤكد أن العجب الحقيقي يضاف إلى الله تعالى، كما يبين كيفية إثبات صفات الله تعالى مثل الضحك والعجب.

الختام والدعاء للهداية والاستقامة

يتضمن هذا الفصل الدعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل ويجعل السامعين من أهل الهداية، ويختم بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ذكر بعض أحاديث الصفات. عندما أشار المؤلف رحمه الله تعالى إلى ذكر هذا الباب، مبتدئًا بذكر آي من القرآن، عقب ذلك الباب بهذا الباب بذكر أدل من السنة النبوية، فقال رحمه الله تعالى: ومن السنة. ومن السنة قد مر معنا ما يتعلق بتعريف السنة، وأن السنة تطلق ويقصد بها باعتبارات عدة، وذلك على حسب، فأحيانا تطلق السنة مقابل البدعة، وأحيانا تطلق السنة مقابل الواجب، وهنا أطلق السنة مقابل القرآن، فيدخل في ذلك السنة القولية والسنة الفعلية الثابتة عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وطبعا بغض النظر عن درجة الحديث، وأعني بهذه مسألة الأحاد والمتواتر. فقد قام مبتدعه بتقسيم السنة إلى أحاد متواتر، ومن ثم أتوا بأحكام تخص هذا وتخص بهذا، فعندهم أن مسائل الاعتقاد لا تأخذ من أحاديث الآحاد، وتلك قسمة ضيزة لم يأتي به القرآن ولا السنة، وما عرفها السلف، وإنما أتى بها الخلوف، أتى بها الخلوف عندما جاءوا فأتوا بهذه الدسيسة بأنهم غايروا بين السنة الأحاد وبين السنة المتواترة، فما كان في باب الاعتقاد فهذا يؤخذ من السنة المتواترة، وأما الآحاد فلا يعرج عليها، وهذا غلط، بل هذا ضلال، وهذه بدعة شنعاء. وإن كان أصل التقسيم، تقسيم الحديث إلى آحاد متواتر لا بأس به، إن أريد بذلك الترتيب، وإن أريد بذلك التنظير، وعلى هذا مشى العلماء في تصانيفهم في كتب الحديث وفي كتب الأصول، لكن أن يراد من هذا الباب استخراج أحكام تفصل هذا عن هذا، بحيث هذا يعمل به في باب وذاك لا يعمل به في باب، فلا صح هذا أبدا، الحديث الصحيح إن صح وجب العمل به، بغض النظر كان من الآحاد غريب مشهور عزيز أو كان متواتر، فالكل يجب أن يعمل به. وقد أنكر العلماء أيما إنكار في حق من تطاول على السنة فردها، كما نقل عن أبي إسحاق ورحمه الله تعالى أنه قال: من رد حديثا صحيحا وهو يعتقد صحته فقد كفر. قال رحمه الله تعالى: من السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا». وفي هذا الباب، وفي هذا الحديث نستفيد إخواني في الله إثبات صفة النزول لله سبحانه وتعالى، وهذا الحديث متفق على صحته، بل عدهم بعضهم من الأحاديث المتواترة، وقد ألف شيخ الإسلام رحمه الله تعالى رسالة مستقلة في شرح حديث النزول، فهو حديث ثابت. وهنا ينزل ربنا، هنا الفعل فعل مضارع ينزل، وقد ذكرنا أن الأفعال تأخذ منها الصفات، والصفات تأخذ منها الأفعال، ففعل ينزل تستفيد منه صفة النزول، لكن لا تستفيد منه الأسماء، فعندي هنا قوله عليه الصلاة والسلام: «ينزل ربنا» وهنا عندي مسند ومسند إليه، فأسند فعل النزول لمن؟ لله سبحانه وتعالى، إذن يثبت اللفظ على ما هو عليه. ينزل ربنا، وهذا بخلاف ما ذهب إليه المبتدعة على طبيعة معتقدهم، أراموا التنزيه لكن وقعوا في التحريف والتعطيل، فقالوا: لا نقول بأن النزول خاص بالله، وإنما الذي ينزل هو ملك من ملائكة الله، فيقول: معنى حديث «ينزل ربنا» أي ينزل ملك من ملائكة ربنا. قوله عليه الصلاة والسلام: «ينزل ربنا» في إثبات النزول، وعلى هذا كان أهل السنة والجماعة، فصفة النزول ثابتة بالسنة، نقول بالسنة أن الكتاب لم يرد شيء في صفة الله عز وجل في صفة النزول، ولهذا المؤلف أورد هذه المسألة في باب أحاديث الصفات، ليس في باب آيات الصفات، إذن صفة النزول ثابتة بالسنة والإجماع، أجمع السلف على نزول للرب سبحانه وتعالى، نزول يليق بجلاله جل في علا. ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة، وكل من صيغ العموم، كل ليلة ينزل ربنا سبحانه وتعالى إلى عباده، قال: «إلى سماء الدنيا» وسماء الدنيا هي أقرب السماوات السبع للأرض، سماء الدنيا هي أقرب السماوات للأرض، فهذا الحديث أخواني في الله فيه ما قال المؤلف رحمه الله تعالى بأن الله ينزل. وبعض العلماء من أهل السنة يقول بأن الله ينزل بذاته، فيأتي بلفظة بذاته، والذي ألجأه إلى هذه الكلمة حتى يرجع على المخالفين، لأن بعضهم إذا شرع هذا الحديث يقول: «ينزل ربنا» بمعنى ينزل ملك من ملائكة ربنا، بعضهم يقول: لا ينزل أمر من أمر ربنا، فلما رأى أهل السنة أن أهل الأهواء يتحكمون في المعنى، فيأتون بمثل الأمر ويأتون بمثل الملك، فأرد عليهم بهذا النص الصريح بأن الذي ينزل هو الله بذاته سبحانه وتعالى. فأدخل بعضهم لفظة بذاته عند شرح لهذه الكلمة النزول حتى يردع المخالفين، وتكون قاطعة لأي تأويل، وهذا ما اختلف فيه العلماء، هل تثبت هذه اللفظة؟ هل نقول بأن الله ينزل بذاته أم لا؟ أقوال ثلاثة لأهل العلم، منهم من قال بذكرها، ومنهم من قال بترك تلك اللفظة، ومنهم من قال بالتوقف. وكذلك من تأويلات المبتدعة يؤولون هذا الحديث «ينزل ربنا» بأنه ينزل تنزل رحمة ربنا، تنزل رحمة ربنا، وهذا مشهور كذلك عند الأشاعر، يؤولون من نزول بأن الذي ينزل ليس الله، وإنما رحمة الله ينزل على عباده، وهذا طبعا غلط. للقاعدة الأولى أن الأصل في الكلام على الحقيقة، وما يسمى عندهم بالمجاز هذا يحتاج إلى علاقة، يحتاج إلى قرينة، يحتاج إلى صرف اللفظ عن ظاهره بقرينة، وليس عندهم القرائن المسعفة لإخراج هذا النص إلى الرحمة، فهذا تحكم. والأمر الثاني ما يدل على امتناع الحديث على أن يحمل بأن المقصود الرحمة أو المقصود بالأمر، فإن الله عز وجل إذا نزل ينادي بعباده جل فعلا: «هل من داع، هل من سائل، فأعطيه، هل من داع فاستجيب له، هل من مستغفر فأغفر له»، فهل هذا من شأن الرحمة؟ هل الرحمة عندما تنزل على القول المبتدعة أن الرحمة يتنزل على العباد؟ هل هي تنادي الرحمة تنادي العباد تقول لهم: «هل من سائل أعطيه»؟ حاشا ما يمكن للرحمة أن تفعل ذلك. وزد على ذلك الرد الثالث أن هذا النزول جاء في بعض الأحاديث الصحيح أنها في الثلث الأخير من الليل، فعلى قولكم بأن النازل هي رحمة الله، فهل رحمة الله تنزل على العباد في الثلث الأخير فقط؟ أو في نصف الليل تنزل ينزل أمر الله، وفي سائر الأوقات لا ينزل أمر الله ولا تنزل رحمة الله؟ من يقول بهذا؟ فتجد أن هؤلاء أدخلوا أنفسهم بإشكالات بل بإلزامات، لم فكاك عنهم بأن سيتورطوا فيها. ولهذا العبد الله يبقي اللغة على ظاهره، بأن الله سبحانه وتعالى ينزل نزولا يليق بجلاله، ومع نزوله سبحانه وتعالى لا ينافي هذا علوه جل وعلا، لا ينافي هذا علوه سبحانه وتعالى، فمع نزوله لا هناك سماء تقله، وليس هناك سماوات تظله، فهو مع نزوله عال على خلقه جل في علاه، كيف ذاك؟ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقوله: «يعجب ربك من شاب ليست له صبوة»، هذا الحديث الثاني أورده المؤلف رحمه الله تعالى إلى ثبات صفة وهي صفة العجب لله سبحانه وتعالى، ويدل على ذلك الفعل «يعجب ربك» وهنا أسند العجب لله سبحانه وتعالى، فأسند الفعل لله سبحانه وتعالى، فقال: «يعجب ربك من الشاب ليست له صبوة»، معنى الصبوة: أليست له ميل إلى الشهوة أو ليست له ميل إلى الهوى؟ فهذا محل استعجاب واستغراب. لكن هذا الحديث لم يصح، رواه إمام أحمد في مسنده من حديث عقبة بن عامر، لكن في إسناده بهلال بن بلال، فقد ضعفه شيخ الألباني رحمه الله تعالى في الضعيفة. وعلى سقوط هذا الحديث، فهل معنى ذلك أن هذه الصفة لا تثبت لله عز وجل؟ لا تثبت لوجود كذلك ما يدل على هذه الصفة من طرق أخرى. فمن ذلك ما جاء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ﴾ في قراءة: «بل عجبتو» و«بل عجبتو» وهي قراءة سبعية سمعية ثابتة، في هذه القراءة: «بل عجبتو» فيها إسناد الفعل وهو العجب إلى الله سبحانه وتعالى، إسناد الفعل إلى الفاعل، من المتكلم هو الله سبحانه وتعالى: «بل عجبتو»، ففي هذه الآية إثبات لصفة العجب. فعلى من قال بهذه القراءة، إذن يجعل صفة العجب ثابتة بالقرآن، ومن لم يقل بهذه القراءة، إذن نبقى على السنة، ومع ضعف حديث عقبة بن عامر هذا، هناك حديث أخرى كما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في الواسطية، عندما ذكر صفة العجب ذكر حديث قوله عليه الصلاة والسلام: «عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غيره»، «عجب ربنا من قنوط عباده» فهذا الحديث استدل به شيخ الإسلام رحمه الله تعالى على صفة العجب لله سبحانه وتعالى. والشيخ الألباني يحسن هذا الحديث، لكنه كذلك حديث مختلف فيه، هناك ما هو أصرح وأورح وأصح، وما جاء في البخاري في قوله تعالى: ﴿بَلْ يُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ جاء فيه قوله عليه الصلاة والسلام: «إن الله قد عجب من فلان وفلانة»، «إن الله قد عجب من فلان وفلانة»، وجاء فيه لفظة: «إن الله ضحك من فلان وفلانة»، فعند لفظة: «إن الله عجب من فلان وفلانة»، إذن فعلى كل حال إخواني في الله، فصفة العجب صفة ثابتة لله سبحانه وتعالى. ومنهم من يذكر إجماع إجماع السلف على إثبات هذه الصفة لله سبحانه وتعالى، لكن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في مجموع الفتاوى أشار إلى أن شريحا رحمه الله تعالى لم يقل بهذه الصفة، فتكن على علم أن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ذكر أن هذه الصفة لم يثبتها شريح رحمه الله تعالى. وهنا مسألة استذكرتها متعلقة بالنزول، لا بس أن نرجع فائدة وهي عندما ما يتعلق بنزول الله عز وجل، وأنه نزول يليق بجلاله سبحانه وتعالى، بعض المبتدعة يشهر بأهل السنة في هذه المسألة، ويلبس أهل السنة لباس التجسيم والتشبيه، وأن أهل السنة إذا تكلموا عن مسألة النزول لله فإنهم يثبتون نزول الله بنزول شبيه بنزول المخلوقين. وما مصدرهم؟ يقولون: بما فعله شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وما الذي فعل شيخ الإسلام؟ قالوا: بأنه خطب فذكر حديث النزول، ثم نزل من على منبر، قال: هكذا ينزل، وهذه مسألة الإشكال الذي قوي فيها أنها حكاها بن بطوطة، الرحالة، وكان قد ارتحل في الدول والاقاليم والمدن، وكان رحالة بفعل ما ترك مدينة شهيرة إلا ودخلها، وصف عما وجدها من أهلها، وإن كان فيه نزعة. لكن المشكلة ذكر عن نفسه أنه دخل الشام، ودخل دمشق، فدخل الجامع، فرأى أن شيخ الإسلام خطب هذه الخطبة ونزل ونزل، ثم قال هذه العبارة: «أن الله ينزل مثل هذا النزول»، فسطرها في كتابه الذي سماه: «تحفة النظار في غرائب الأمصار»، وحكى هذا عن نفسه أنه شاهد ذلك بنفسه، وهنا تجرت هذه الفرية عن شيخ الإسلام، وقال: قد حكاها ورأها بعينه، وهذا هو عين التجسيم. فأصبحوا يشنعون على أهل السنة هذه المسألة، لكن هذه المسألة إخواني، فلا هي فرية، ولا ندل كيف دخل العلم بالطوطة، وكنه يحمل أنه أخطأ، وكيف نخطئه؟ نخطئه بالتاريخ، فقد ذكر العلماء أن ابن بطوطة رحمه الله تعالى هو الذي قال بأنه أخبر عن نفسه أنه دخل في دمشق في تاريخ تسعة رمضان في عام سبعمائة وستة وعشرين للهجري، دخل دمشق ورأى هذه القصة. بينما أثبت ابن عبد الهادي رحمه الله تعالى أن شيخ الإسلام سجن في شعبان، سجن في شعبان قبل أن يأتي ابن بطوطة، هو في السجن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، فإذن من الذي دخل عليه بطوطة ورأاه يفعل هذه الفعلة؟ إذن هو ليس شيخ الإسلام، قد أخطأ ابن بطوطة، أمكن سبق فهم أو أنه أخطأ في التشخيص، أو أحد من كان في المسجد قال: هذا شيخ الإسلام، غالطه مغالطة فوقعه في هذا الفخر. والتاريخ يثبت أن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في هذه الفترة الزمنية التي تسطرها ابن بطوطة لم يكن في دمشق، لم يكن حرا طليقا، بل كان سجينا محبوسا، سجينا محبوسا رحمه الله تعالى، فتكون هذه الفرية باطلة. قال مؤلف رحمه الله تعالى: وقوله: «يعجب ربك من شاب ليست له صبوة»، وقعنا هذا الحديث، وأن كان معلول، لكن هناك الآية على القراءة الأخرى، وكذلك ما جاء في بعض الأحاديث السنة فيه إثبات العجب لله سبحانه وتعالى، وهذه مسألة بعض الناس يستشكلها: كيف أن الله يعجب؟ يقول إخواني في الله: زوال هذه الصورة التي تقلح في الأذهان بمعرفة الأسباب. يعني هل الاستغراب والعجب الذي يكون من الناس أو بشكل عام العجب يصدر؟ إنما يصدر من أمرين اثنين، يقول العلماء: أن العجب الذي يصدر وينشأ إنما يكون مصدره من أمرين اثنين، إما أن يكون يظهر العجب من شخص ما إذا ظهرت له أسباب خافية عليه، ظهرت له أسباب خافية عليه، فيظهرت هذه الأسباب الخافية على المتعجب، حينها يندهش فيتيه العجب. فهذا العجب هل يضاف أو يصف به الرب؟ لا، هذا عجب لا يوصف لله، بل هذا مستحيل، لأن هذا النوع من أنواع العجب إنما يكون صادر عن جهل، تجهل الأسباب ثم تظهر لك، تتعجب من أجلها، هذا يكون في حق المخلوقين، أما في حق الله؟ لا يثبت، لا يقال: ليس هذا العجب الذي يثبت لله سبحانه وتعالى. وإنما السبب الثاني: السبب الثاني من مصدر العجب هو أن يخرج الشيء عن نظائره، مع علم المتعجب، خروج الشيء عن المألوف، خروج الشيء عن نظائره، الشيء يعني الأصل في أنه يكون على وتيرة وتيرة كنظائره المعروفة المعلومة، فتجد أن هذا شيء يخرج عن نظائره، خرج كما في الحديث: «عجب ربنا من شاب ليست له صبوة»، على صحة مثلا هذا خروج عن النظائر، لأن الأصل أن الشاب يأتيه الطيش، يأتيه الصبابة، يأتيه الميل للهوى، عنده نزع للشهوات، هذا الأصل في شباب. لكن تخيل أن شاب لا عنده نوع من الرهبانية والتعبد لله، تقول: سبحان الله عجيب يا أخي هذا الشاب، ما أرى إلا في المسجد فقط، من صغره وهو في الكتاتيب، وفي حلقات القرآن، وفي حلقات العلم، وقد شابت لحيته، وقد كبر جسمه، وهو على المساجد، عجيب يا أخي هذا الرجل، هذا العجب منك، هل كان من جهل؟ لا، ليس جهل، أنت تعلم بحاله، لكنه خرج عن نظائره، خرج عن نظائره. هذا النوع هذا المصدر الثاني من المصدر العجب، وهذا هو الذي يضاف إلى الله سبحانه وتعالى، وهذا الذي يضاف إلى الله سبحانه وتعالى، فليس في ذلك مغمز، بل قال: له، وهذا يستفاد منه عظمة ورفعة المتعجب منه، عظمة ورفعة المتعجب منه. قال مؤلف رحمه الله تعالى: وقوله: «يضحك الله إلى رجلين قتل أحدهما الآخر ثم يدخلان الجنة»، كذلك هذا الحديث في الصحيح، وفيه كذلك إثبات صفة الضحك لله سبحانه وتعالى، ضحك يليق بجلاله سبحانه وتعالى، وقد ذكر من ذكر الإجماع، إجماع العلماء على إثبات صفة الضحك، وأنا من الصفات الفعلية لله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: فهذا وما أشبهه مما صح سنده، إذن لابد أنك يا عبد الله في تحقيق السنة أنك تنظر في السند، وهذا لم يقل في باب الآيات القرآنية، وهذه فيه فائدة على أن الناظر في آيات القرآن يحتاج إلى أمر واحد، وأما الناظر إلى السنة فيحتاج إلى أمرين اثنين، الناظر إلى القرآن يحتاج إلى فهم الدلالة فقط، أما الناظر إلى السنة يحتاج إلى فهم الدلالة وإلى صحة السند، يحتاج إلى فهم الدلالة وإلى صحة السند، ولابد من ذلك. ولهذا أشار رحمه الله تعالى ضرورة معرفة صحة الإسناد، فقال رحمه الله تعالى: «وما أشبهه مما صح سنده»، وهل معنى صح أنه يشترط أن يكون صحيح؟ ويخرج بذلك الحسن؟ لا، ليس هذا قصده، وإنما أراد الصحيح هنا ما كان بمعنى المقبول، ما كان بمعنى المقبول، فادخل في ذلك مرتبة القبول: الصحيح لذاته، الصحيح لغيره، الحسن لذاته، الحسن لغيره. قال: وعد متروكته نؤمن به ولا نرده ولا نجحده ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره، وهذا فيه راجع للأشاعرة خاصة، والمرجئة ممن سلك مسلك التأويل، فمثل هذه الصفات التي أمامنا قد أولها المبتدعة، كما قلنا: «ينزل ربنا» بمعنى تنزل رحمة الله، ينزل ربنا بمعنى ينزل أمر ربنا، تجد في قوله تعالى: ﴿يَعْجَبُ رَبُّكَ﴾ بمعنى أن الله يجازي، «يعجب ربك» أن يجازي ربك، هكذا قالوا بمعنى الجزاء، «يضحك الله» قالوا بمعنى إثابة يثيب الله، تجد أنهم يؤولون كما جاءوا عند لفظة أرادوا ماذا؟ أخرجوها بأي معنى؟ ماذا يأتون به؟ وهذا هو التلاعب بشرع الله. قال: ولا نجحده ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره، ولا نشبهه بصفات المخلوقين، ولا بسمات المحدثين، سمات بمعنى هيئات، والمحدثين بمعنى المخلوقين، أي: لا نشبه الله كما لا نؤول، كذلك لا نشبه ولا نمثل، قال: ونعلم أن الله سبحانه وتعالى لا شبيه له ولا نظير له، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وقد مر معنا في أوائل الدروس ما يتعلق بالفوائد المستفادة من هذه الآية، وهي قواعد عظيمة ذكرها العلماء، وسطروها، وجعلوها قواعد ينبغي أن يرجع إليها في هذا الباب العظيم في باب الأسماء والصفات. قال: وكل ما تخيل في الذهن أو خطر بالبال، فإن الله تعالى بخلافه، صحيح كل ما يخطر على بالك يا عبد الله أو يتيك شيء في الذهن، اعلم أن الله على خلاف ما تظن، وعلى خلاف ما تتوقع. هناك مسألة يقول العلماء: أن الشيء لا يمكن أن تعرف حقيقته إلا بأمور ثلاثة، ما من شيء لا يمكنك أن تتعرف على صفاته وعلى كيفيته إلا عن طرق ثلاثة، بها يمكنك أن تتصور الشيء: إما برؤيته، لو قيل لك: يا عبد الله هناك سيارة نوع كذا موديل كذا فيها مواصفات كذا، فكيف ستتعرف على صفات السيارة؟ بالرؤية تراها إما بالطبيعة أو على طرق صورة تراها إذا رأيتها، إذا تتصور في ذهنك هذه السيارة، وقس على ذلك صفات الأشياء والهيئات والكيفيات. إما بالرؤية، وإما بمثيل، بمثيل شبيه بذلك، فلان من فلان، أو سيارة فلانية شبيهة مثل هذه السيارة، أنت هذه ليست هي التي دللت عليها، وإنما هذه نظير تلك السيارة، فتنظر إلى مواصفات النظير، فعن طريق النظر إلى المثيل تتعرف إلى حقيقة الشيء، إذن النظر المثيل، الصورة الثالثة: خبر صادق، أن يأتيك رجل ثقة يخبرك بصفة الشيء الذي غاب عنك، يعطيك صفة حقيقية قوية، ويعلوها ويكتنفها الثقة والأمانة، لا تغيير لا تبديل، بل هو خبر صادق. فهل هذا موجود في حق الله سبحانه وتعالى؟ وفي حق أسماء وصفاته؟ طبعا لا، لا هذا ولا ذاك ولا ذاك، فما أحد رأى الصفة، وليس لها مثيل، ليس كمثله شيء، وليس هناك خبر صادق جاء عن وحي الله عز وجل من الكتاب أو السنة، فيها إخبار بكيفية الصفة، فإنما هي كما قلنا آنفا أنها من أمور الغيب، من أمور الغيب التي ينبغي على المؤمن أن يذعن لها بالإيمان والاستسلام واليقين، ولا يقوض فيها بعقله ولا بذهنه ولا بحدسه. فإلى هنا أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إن ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.