التبيان في آداب حملة القرآن 69

الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 69، ألقاها

آداب ختم القرآن وتخصيص وقت للختمة

يتناول آراء النووي في آداب ختم القرآن مثل تخصيص وقت للختمة واستحباب صيام يوم الختمة. يُشكك في بعض هذه الآراء لعدم وجود دليل قاطع عليها.

استحباب الدعاء عند ختم القرآن وأهمية الإلحاح فيه

ذكر استحباب الدعاء عند ختم القرآن لما روي عن الصحابة والتابعين، مع الإشارة إلى ضعف بعض الأحاديث الواردة في هذا الشأن. وأكد على أهمية الإلحاح في الدعاء.

دعاء السلف للمسلمين وولاة الأمور وتأثيره

كان السلف يدعون لأنفسهم وللمسلمين وولاة الأمور، ويختارون الدعوات الجامعة التي تشمل إصلاح القلوب والتوفيق للطاعة. ومن أمثلة هذه الأدعية الدعاء بصلاح ولاة المسلمين.

استئناف ختمة جديدة بعد انتهاء الختمة السابقة

يستحب للمسلم أن يبدأ ختمة جديدة للقرآن بعد انتهائه من الختمة السابقة، استنادا إلى ما فعله السلف واستدلالا بحديث ضعيف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال النووي رحمه الله تعالى في كتابه التبيان في آداب حملة القرآن: قال فصل في آداب الختم وما يتعلق به. قال: وفيه مسائل. الأولى في وقته، قال: قد تقدم أن الختم للقارئ وحده يستحب أن يكون في الصلاة. وقيل: يستحب أن يكون في ركعتين سنة الفجر. وقيل: يستحب أن يكون في ركعتين سنة الفجر أو ركعتين سنة المغرب، وفي ركعتين الفجر أفضل. وأنه يستحب أن يختم ختمة في أول النهار في دور، ويختم ختمة أخرى في أول الليل في دور آخر، أي كلما ختم ختمة تكون إحداهما في أول النهار والأخرى في آخر الليل. وكما ذكر أنهم ذكروا أنه يفضل أن يختمها في الصلاة. وهذه الأفضليات والتخصيصات تحتاج إلى دليل، ولا أعلم لها دليلا. قال رحمه الله تعالى: وأما من يختم في غير صلاة، والجماعة الذين يختمون مجتمعين، فيستحب أن تكون ختمتهم في أول النهار أو في أول الليل كما تقدم، وأول النهار أفضل عند بعض العلماء. وكما ذكر أن الأفضلية تحتاج إلى دليل. قال: المسألة الثانية: يستحب صيام يوم الختمة، إلا أن يصادف يومًا نهى الشرع عن صيامه، أي أن يكون يوم أضحى أو يوم الفطر. قال: وقد روى ابن أبي داود بإسناده الصحيح أن طلحة بن مصرف، وحبيب بن أبي ثابت، والمسيب بن رافع -التابعيين الكوفيين رضي الله عنهم أجمعين- كانوا يصبحون في اليوم الذي يختمون فيه القرآن صيامًا. وهذا كذلك يحتاج إلى دليل، أي أنه يستحب أن يكون يوم أن يختم القرآن أن يكون صائمًا. هذا كذلك يحتاج إلى دليل، فلم يثبت لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم أن نفعل ذلك، ولو كان خيرًا لسبقون إليه. قال: المسألة الثالثة: يستحب حضور مجلس ختم القرآن استحبابًا متأكدًا. فقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الحيض بالخروج يوم العيد، فيشهدن الخير ودعاء المسلمين. يعني كأنه يقول: وكذلك في أمر ختم القرآن للاشتراك في العلة. ولكن الظاهر والله أعلم أن هذا أمر منه صلى الله عليه وسلم في أمر العيد خاصة، وإلا في غيره لم يحصل مثل هذا الأمر كصلاة الاستسقاء مثلًا ونحوها. قال رحمه الله تعالى: وروى الدارمي وابن أبي داود بإسنادهما عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يجعل رجلًا يراقب رجلًا يقرأ القرآن، فإذا أراد أن يختم أعلم ابن عباس فيشهد ذلك. قال: ورواه ابن أبي داود بإسنادين صحيحين عن قتادة التابعي الجليل، صاحب أنس رضي الله عنه، قال: كان أنس بن مالك رضي الله عنه إذا ختم القرآن جمع أهله ودعا. وهذا كما يقول العلماء رحمهم الله تعالى: أعلى ما صح في أمر ختم القرآن. أعلى ما صح ما ثبت عن أنس رضي الله عنه وأرضاه أنه كان يجمع أهله عند ختم القرآن وكان يدعو. فمن فعل مثل هذا الفعل تأسيًا واقتداء بهذا الصحابي الجليل فلا ينكر عليه. قال رحمه الله تعالى: ورواه بأسانيده صحيحة عن الحكم بن عتيبة التابعي الجليل، قال: أرسل إلي مجاهد وعبدة بن أبي لبابة، فقال: إنا أرسلنا إليك لأن أردنا أن نختم القرآن، والدعاء يستجاب عند ختم القرآن، أي أحب أن يشهد دعاءهم فيدعو معهم، لعل الله تبارك وتعالى أن يستجيب للدعاء، ولا سيما عند ختم القرآن. قال: وفي بعض الروايات الصحيحة أنه كان يقال: إن الرحمة تنزل عند خاتمة القرآن. قال: وروى بإسناده الصحيح عن المجاهد، قال: كانوا يجتمعون عند ختم القرآن، يقولون: تنزل الرحمة. وهذه الآثار تقوي ما ذكره النووي رحمه الله تعالى من أمره باستحباب الحضور عند ختم القرآن، ولا سيما أن هذه الآثار كما ترون عن جماعة من التابعين، بل في أثر مجاهد يدل على أن هذا الفعل كان معتادًا عند السلف رضي الله عنهم ورحمهم الله. قال رحمه الله تعالى: المسألة الرابعة: ويستحب الدعاء عقيب الختم استحبابًا متأكدًا، لما ذكرناه في المسألة التي قبلها. وروى الدارمي بإسناده عن حميد الأعرج، قال: من قرأ القرآن ثم دعا أمن على دعائه أربعة آلاف ملك. وهذا يحتاج كذلك إلى دليل، إذ أنه من أمور غيبية. فهذا أحسن أحواله أن يقال: بأنه مرسل، وإلا فإنه يحتمل أن يكون من الإسرائيليات. قال رحمه الله تعالى: وينبغي أن يلح في الدعاء، وأن يدعو بالأمور المهمة. وينبغي أن يلح في الدعاء، أي أن يلح على ربه جل وعلا، أي أن يكرر الدعاء بما يريد أن يدعو، ويلح على ربه جل وعلا، ويظهر الفقر والمسكنة والحاجة والتضرع إلى ربه جل وعلا عند دعائه. فإن هذا الفعل يرجى معه بإذن الله تبارك وتعالى استجابة تلك الدعوة وذلك الدعاء. قال رحمه الله تعالى: وأن يدعو بالأمور المهمة، أي الأمور الأهم فالأهم. قال: وأن يكثر من ذلك في صلاح المسلمين وصلاح سلطانهم وسائر ولاة أمورهم. وهذا فعل السلف، أنهم يدعون لأنفسهم ويدعون لخواصهم ويدعون للمسلمين عامة، ويدعون كذلك لولاة الأمور بأن يصلحهم الله تبارك وتعالى، لأن في إصلاحهم إصلاحًا للمجتمعات، وفي فسادهم إفسادًا للمجتمعات. قال رحمه الله تعالى: وقد روى الحاكم وأبو عبد الله النيسابوري بإسناده أن عبد الله بن المبارك رضي الله عنه كان إذا ختم القرآن كان أكثر دعائه للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات. وقد قال نحو ذلك غيرهم، أي قال نحو قوله ودعا نحو دعائه جماعة من الأئمة رحمهم الله. قال رحمه الله تعالى: فيختار الداعي الدعوات الجامعة، كقوله: «اللهم أصلح قلوبنا، وأزل عيوبنا، وتولنا بالحسنة، وزينا بالتقوى، واجعل لنا خير الآخرة والأولى، وارزقنا طاعتك ما أبقيتنا. اللهم يسر لنا لليسرى، وجنبنا العسرى، وأعذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وأعذنا من عذاب النار وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال. اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى. اللهم إنا نستودعك أدياننا وأبداننا وخواتيم أعمالنا وأنفسنا وأهلينا وأحبابنا وسائر المسلمين وجميع ما أنعمت به علينا وعليهم من أمور الآخرة والدنيا. اللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. واجمع بيننا وبين أحبابنا في دار كرامتك بفضلك ورحمتك. اللهم أصلح ولاة المسلمين، ووفقهم للعدل في رعاياهم والإحسان إليهم والشفقة عليهم والرفق بهم والاعتناء بمصالحهم، وحببهم إلى الرعية، وحبب الرعية إليهم، ووفقهم لصراطك المستقيم والعمل بوظائف دينك القويم. اللهم ملطف بعبدك سلطاننا، ووفقه لمصالح الدنيا والآخرة، وحببه إلى رعيته، وحبب الرعية إليه». ويقول في باقي الدعوات المذكورة في جملة الولاة ويزيد: «اللهم احمي نفسه وبلاده، وصن أتباعه وأجناده، وانصره على أعدائه أعداء الدين وسائر المخالفين، ووفقه لإزالة المنكرات وإظهار المحاسن وأنواع الخيرات، وزد الإسلام بسببه ظهورًا ظاهرا، وأعزه ورعيته إعزازًا باهرًا. اللهم أصلح أحوال المسلمين، وأرخص أسعارهم، وآمنهم في أوطانهم، واقض ديونهم، وعافي مرضاهم، وانصر جيوشهم، وسلم غيابهم، وفق أسراهم، واشف صدورهم، وأذهب غيظ قلوبهم، وألف بين قلوبهم، واجعل في قلوبهم الإيمان والحكمة، وثبتهم على ملة رسولك صلى الله عليه وسلم، وأوزعهم أن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه، وانصرهم على عدوك وعدوهم إله الحق، واجعلنا منهم. اللهم اجعلهم آمرين بالمعروف فاعلين به، ناهين عن المنكر مجتنبين له، محافظين على حدودك، دائمين على طاعتك، متناصحين. اللهم صنهم في أقوالهم وأفعالهم، وبارك لهم في جميع أحوالهم». قال: ويفتتح دعاءه ويختتمه بقوله: «الحمد لله رب العالمين حمدًا كثيرًا كما يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وفي نعمه يكافئ مزيدًا. اللهم صل وسلم على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد». المسألة الخامسة: يستحب إذا فرغ من الختمة أن يشرع في أخرى عقيب الختم، فقد استحبه السلف، واحتج فيه بحديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خير الأعمال الحل والرحلة». قيل: وما هو؟ قال: افتتاح القرآن وختمه. وهو حديث رواه الترمذي من حديث زرارة بن أوفى عن ابن عباس، وهو حديث ضعيف والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على