الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 72، ألقاها
يناقش التحذير من سوء استخدام الآيات القرآنية في المراء والجدال، ويستشهد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك. يوضح خطورة هذا الفعل على الأفراد والمجتمع.
يتناول آداب التعامل مع القرآن الكريم، مثل السؤال عن الحكمة من ترتيب الآيات، واستخدام التعبيرات الصحيحة عند نسيان آية. يشدد على أهمية التعامل باحترام مع النص القرآني.
يشرح حكم تسمية السور القرآنية وتعبير النسيان عند نسيان آية، ويستند إلى الأحاديث النبوية والصحابة لإثبات صحة هذه التعبيرات. يبين الفرق بين 'نسيت' و'أنسيتها'.
يختتم بذكر جملة من المسائل والآداب المتعلقة بالتعامل مع القرآن، ويتم الإكتفاء بهذا القدر مع الدعاء والشهادتين. يشير إلى أهمية تطبيق الآداب في التعامل اليومي مع القرآن.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال النووي رحمه الله تعالى وغفر له في كتاب التبيان في آداب حملة القرآن: قال فصل في حرمة المراء والجدال في القرآن. ومعنى المراء والجدال، أي معناه الخصومة وإظهار الحجة على الغير. قال رحمه الله تعالى: يحرم المراء في القرآن والجدال فيه بغير حق، ومن ذلك أن يظهر له دلالة الآية على شيء يخالف مذهبه، ويحتمل احتمالًا ضعيفًا موافقة مذهبه، فيحملها على مذهبه ويناظر على ذلك مع ظهورها له في خلاف ما يقول، وهذا أمر جلل وأمر خطير أن يبلغ المراء والجدال بالمرء في كتاب الله جل وعلا إلى هذه الحالة، إلى أن ينظر إلى الآية ويعلم أنها لا تدل على قوله بل تدل على قوله مخالفة، فيصحب ذلك الدليل ويستدل به وهو يعلم أنه عليه لا له، وهذا من الهوى، والغالب في الخصومات والمجادلات والمناظرات أنه يعتريها شيء من ذلك، إلا عند من رحم الله ووفق الله جل وعلا ممن يريدون نصرة الحق ويريدون إظهار الحق، وقليل ما هم. قال رحمه الله تعالى: وأما من لا يظهر له ذلك فهو معذور. وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «المراء في القرآن كفر»، والحديث رواه أبو داود وغيره، وصححه جماعة من أهل العلم، هو صحيح. المراء في القرآن كفر. قال الخطاب: قيل المراد بالمراء الشك، وقيل الجدال المشكك فيه، أي الجدال الذي يكون سببًا للتشكيك في كتاب الله جل وعلا. قال: وقيل هو الجدال الذي يفعله أهل الأهواء في آيات القدر ونحوها. والمعاني التي ذكرها الخطاب رحمه الله تعالى كلها لا مانع من حملها أو من حمل الحديث عليها باعتبارات وبأحوال. والإمام بن حبان رحمه الله تعالى بعد أن أخرج الحديث قال: قال إذا أو قال إذا مار المراء في القرآن أدى ذلك إن لم يعصمه الله إلى أن يرتاب في الآي المتشابه منه، يرتاب يقع له شيء من الشك. قال: وإذا ارتاب في بعضه أدى ذلك إلى الجحد، فأطلق صلى الله عليه وسلم الكفر الذي هو الجحد على بداية السبب الذي هو المراء. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل»، وقرأ قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾. فالحاصل أن هذا من هذا الباب، فلا يجوز الجدال والمراء في القرآن إلا لمن كان يفقه ما يقوله ويستدل به، فهذا أمر آخر، أي من جادل لإظهار الحق وإبرازه وإقامة الحجة على الغير، فهذا محمود بشروط وضوابط ذكرها العلماء. قال رحمه الله تعالى في فصل في أدب السؤال عن الأمور التوقيفية في القرآن: قال وينبغي لمن أراد السؤال عن تقديم آية على آية في المصحف، أي كان يقول: لماذا هذه الآية قبل هذه الآية؟ قال: أو مناسبة هذه الآية في هذا الموضع، أي لماذا ذكر الله جل وعلا هذه الآية في هذا الموضع؟ لماذا ما قدمها؟ لماذا ما أخرها؟ على سبيل الاستفادة ومعرفة الحكم والتعاليل. قال رحمه الله تعالى: ونحو ذلك أن يقول: ما الحكمة في كذا؟ يعني السؤال أن يقول: ماذا؟ ما الحكمة من تقديم هذه الآية على هذا؟ ما الحكمة من إيراد الله جل وعلا لهذه الآية في هذا الموضع؟ وما شابه ذلك، يكون سائلًا عن الحكمة، يكون سائلًا عن الحكمة. وهذه من الآداب التي ينبغي لطالب العلم أن يتأدب بها مع كتاب الله تبارك وتعالى. قال رحمه الله تعالى: فصل في كراهة قوله نسيت آية كذا. قال: يكره أن يقول نسيت آية كذا، بل يقول أنسيتها. وأسقطها. لماذا؟ ما الفرق بين هذا وهذا؟ ما الفرق بين أن يقول القائل نسيت آية كذا ونسيت، أو أنسيت آية كذا؟ الفرق بينهما على ما ذكره العلماء رحمهم الله تعالى أن قول القائل نسيت آية كذا، وكذا فيها معنى أنه تعمد في نسيانها، وأنه تسبب هو في نسيانها بإعراضه عنها والتغافل عنها وما شابه ذلك. وبعضهم ذكر معنى آخر، وهو أن لفظ نسيها مكروه لأنه مذموم، كما قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾، فنسيتها أي تركتها وأغفلتها، أي أعرضت عنها وما عملت بمعناها، فهذا المعنى مذموم. لكن إذا قال القائل كما في الحديث: «أنسيتها» أو «نسيتها»، فهذا لا بأس به، لماذا؟ لأنه كأنه يقول: أنا مع محاولة حفظها مع تكرار الحفظ والنظر في كتاب الله جل وعلا، إلا أني حصل مني ماذا؟ أني ما حفظت هذه الآية، بل أنسيتها. ففيه ماذا؟ ففيه إضافة الفعل إلى غير فعله، كأنه يقول: ما تعمدت نسيانها، ولكن شاء الله جل وعلا أن ألا أحفظها ألا أحفظها أو ألا أذكرها، فهذا هو الفرق على ما ذكره العلماء. قال رحمه الله تعالى: فقد ثبت في الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يقول أحدكم نسيت آية كذا وكذا، بل هو نسي»، أي ليس بفعله النسيان، ولكن الله جل وعلا شاء شيئًا فكان. لأنه كما تقدم قوله نسيتها، أي تعمد نسيانها. قوله نسيتها معناه أنه لم يتعمد نسيانًا، هذا هو الفرق. قال رحمه الله تعالى: وفي رواية في الصحيحين أيضًا: «بئس ما لأحدكم أن يقول نسيتم آية كيت وكيت، بل هو نسي». قال: وثبت في الصحيحين أيضًا عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلًا يقرأ فقال: «رحمه الله، لقد ذكرني آية كنت أسقطها». ففي دلالة على جواز أن يقول ماذا؟ أسقطها. وفي رواية في الصحيحين: «كنت أنسيتها». قال: أما ما رواه ابن أبي داود عن أبي عبد الرحمن السلمي التابعي الجليل أنه قال: «لا تقل أسقط آية كذا وكذا، بل قل أغفلتم». قال: فهو خلاف ما ثبت في هذا الحديث الصحيح، فالاعتماد على الحديث، وهو جواز أسقط وعدم الكراهة فيه، وهو كما قال. فلعل الإمام أبا عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى لم يبلغه هذا الحديث. قال رحمه الله تعالى: فصل في حكم تسمية السور. قال: يجوز أن يقال: سورة البقرة، وسورة آل عمران، وسورة النساء، وسورة المائدة، وسورة الأنعام، وكذا الباقي، ولا كراهة في ذلك. وكره بعض المتقدمين ذلك، وقال: يقال: السورة التي تذكر فيها البقرة، والسورة التي يذكر فيها آل عمران، والسورة التي يذكر فيها النساء، وكذا الباقي. والصواب الأول، أي لا مانع من أن يقول: سورة البقرة، سورة آل عمران، سورة النساء، وهكذا، لا مانع بأن يقول مثل هذا القول. قال رحمه الله تعالى: والصواب الأول، فقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: «سورة البقرة»، و«سورة الكهف»، وغيرهما مما لا يحصى، أي أن نبي صلى الله عليه وسلم يقول: أنزلت علي سورة، ويقول: من قرأ سورة البقرة، من قرأ سورة الكهف، وهكذا يقول: سورة كذا وكذا، فلا كراهة في إطلاق مثل هذه التعابير، لأنها تعابير قد عبر بها نبينا صلى الله عليه وسلم، وكذا الصحابة الكرام من بعده. قال رحمه الله تعالى: وكذلك عن الصحابة رضي الله عنهم، قال ابن مسعود: «هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة»، وهو في الصحيح. قال: وعنه في الصحيحين: «قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة النساء». قال: والأحاديث وأقوال السلف في هذا أكثر من أن تحصر. قالوا: في السورة لغتان: الهمز وتركه، أي يقال: السؤرة، ويقال: السورة. قال: والترك أفصح، وهو الذي جاء به القرآن. وممن ذكر اللغتين ابن قتيبة في غريب الحديث. فهذه جملة من المسائل ذكرها النووي رحمه الله تعالى والآداب ها هنا، نكتفي بهذا القدر إلى هنا. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله.