الدرس في شرح نزهة النظر 5، ألقاها
يتناول هذا الفصل تعريف الحديث المقبول والمردود، حيث يُعرّف المقبول بأنه ما يترجح فيه صدق المخبر، والمردود بأنه ما لم يترجح فيه صدق المخبر. يُفصّل المؤلف كيفية التعامل مع أخبار الآحاد وتقسيمها إلى مقبول ومردود بناءً على أحوال رواتها.
يشرح هذا الفصل الخلاف حول إفادة خبر الآحاد للعلم، مع توضيح أقسام أخبار الآحاد وإفادتها للعلم. يُبيّن أن الخلاف بين أهل السنة قد يكون لفظيًا، بينما هو خلاف جوهري مع المعتزلة والأشاعرة.
يتناول هذا الفصل شروط إفادة الخبر العلم، حيث يذكر ثلاثة أنواع من الأخبار التي تفيد العلم. يشترط في هذه الأنواع أن يكون الراوي عالمًا بالحديث ومتبحرًا فيه لكي يستفيد العلم منها.
يُشير هذا الفصل إلى رأي الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بأن أخبار الآحاد قد ترتقي إلى درجة العلم القطعي إذا كانت مدعومة بقرائن قوية. يُبين أن هناك إجماعًا على أن بعض أخبار الآحاد يمكن أن تصل إلى مستوى اليقين إذا توفرت قرائن كافية.
بسم الله الرحمن الرحيم قال المؤلف رحمه الله تعالى: وفيها أي في الآحاد المقبول، وهو ما يجب العمل به عند الجمهور، وفيها المردود. قال تعريفه: هو الذي يترجح فيه صدق الخبر أو صدق المخبر، فالمقبول ما يترجح صدق المخبر به، والحديث المقبول ومن ثمرته أنه يوجب العمل بمقتضاه. قال: وفيها المردود، وهو الذي لم يترجح صدق المخبر به، هنا عرفه بماذا؟ بالماهية أو بالثمرة؟ بالماهية. قال: وهو الذي لا يجب العمل به عند الجمهور، تحرز إما لأنه أراد تعريف ما هي الشيء، وهذا هو الصواب، وإما لأنه قد جرى في كام كثير من أهل العلم العمل بالحديث الضعيف، ثم اختلفوا ما هو الحديث الضعيف الذي جوزوا العمل به. الحاصل أنه اجتنب هذا التعريف لأمري: الأول أنه أراد تعريف ما هي الشيء المعرف، فعرفه بما عرفه به ها هنا، الثاني: لأن الحديث الضعيف من أهل العلم من عمل به، فأعرض عن ذلك حتى لا يحتاج إلى أن يذكره، ثم يحتاج إلى ذكر التفاصيل فيمن يقبل ومن لا يقبل، ووجه من يقبل ووجه من لا يقبل، وما هو الراجح في القولين إلى غير ذلك، أعرض عن ذلك كله بذكر ما هو تعريف الحديث المردود. قالوا: فيها المردود، وهو الذي لم يترجح صدق المخبر به لتوقف الاستدلال بها على البحث عن أحوال رواتها دون الأول وهو المتواتر، فكله مقبول لإفادة القطع بصدق مخبره، بخلاف غيره من أخبار الآحاد. قول رحمه الله: لتوقف الاستدلال بها إلى آخر كلام، هذا الكلام لو رجعنا إلى المتن يتضح لنا المعنى، فقول في المتن: وفيها المقبول والمردود، أي في الأخبار، في أخبار الآحاد، في قوله: وكلها سوى الأول آحاد، وفيها أي في أخبار الآحاد المقبول والمردود. لماذا يقول: لتوقف الاستدلال بها أي في أخبار الآحاد على البحث عن أحوال رواتها، عن أحوال رواتها، بمعنى أن أخبار الآحاد ليس كأخبار المتواتر، المتواتر بمجرد أن نسمع الخبر نعلم بأنه ثابت ونعمل بمقتضاه، بخلاف أخبار الآحاد فإننا نحتاج إلى نظر في أسانيده، نظر في أحوال رواته، نظر في الاتصال، نظر في شروط ثبوت الصحة، فإذا ثبت عندنا ما يستوجب القبول قبلنا، وإلا رددنا. على تقسيم وتفصيل يذكره قريبًا، بخلاف المتواتر فإنه يفيد العلم بمجرد ما يعلم بأنه متواتر، فلا يحتاج إلى النظر في أسانيده ولا إلى شيء من ذلك. قال: لكن إنما أوجب العمل بالمقبول منها، أي من خبر الآحاد، لأنها إما أن يوجد فيها أصل صفة المقبول، صفة القبول، إما أن يوجد فيها أصل صفة القبول، وهو ثبوت الصدق الناقل، أو صفة الرد، وهو ثبوت كذب الناقل، أو لا. قال: فالأول يغلب على الظن ثبوت صدق المخبر لثبوت صدق ناقله، فيؤخذ به، فيكون الخبر من أخبار الآحاد صحيحًا، لماذا؟ صحيحًا لثبوت صدق الخبر بصدق المخبر، أي ناقل النقل، الرواة، مع بقية الشروط، شروط الحديث الصحيح التي سيأتي ذكرها بإذن الله عز وجل. قال: والثاني يغلب على الظن كذب الخبر لثبوت كذب ناقله، فيطرح. والثاني أي الذي ذكره بأنه ماذا؟ بأنه من قسم المردود، كيف يعرف المردود؟ قال: أن يغلب على الظن كذب الخبر، لماذا؟ لثبوت كذب ناقله، فيطرح، فيكون ما حال هذا الحديث؟ مردود، لماذا؟ مردود لكذب ناقله، أو أن ناقله محل تهمة، فيرد الحديث لأجل هذا المعنى. وقوله رحمه الله: والثاني يغلب على الظن كذب الخبر لثبوت كذب ناقله فيطرح، هذا التعبير في المردود، وهذا التقسيم في المردود، اعترض فيه على الحافظ ابن حجر رحمه الله، بأن هذا التعريف للمردود يخالف ما تقدم ذكره في تعريف الحديث المردود بقوله: وهو الذي يترجح، وهو الذي لم يترجح صدق المخبر به، قوله لم يترجح فيه معنى إيه؟ التردد، فلم يترجح جانب القبول، فكان من جانب المردود. بخلاف ما ذكره ها هنا الثاني بقوله: يغلب على الظن كذب، ليس ترجح، يغلب على الظن كذب الخبر، لماذا؟ لثبوت كذب ناقله، لا لترجح كذب ناقله، أو لترجح عدم قبول ناقله، ولكن لثبوت كذب ناقله، فيطرح. قالوا: هذا كلام فيه شيء من إطراب، بين العبارتين وبين الجملتين، ففيه معنى من معاني الإطراب والتناقض في العبارتين. ووجه وخرج واجيب عن هذا الاعتراض وعن هذا الإشكال: بأن الحافظ رحمه الله تعالى في المثال الأول في المردود، أنه قال: وهو الذي لم يترجح صدق المخبر به، هذا يحمل على أخف أنواع الحديث الضعيف، وقوله في الثاني: لثبوت كذب ناقله فيطرح، على أشدها وأوجبها. قال: والثالث: أم جدخ قرينة تلحقه بأحد القسمين، التحق، التحق، وإلا فيتوقف فيه، وإذا توقف عن العمل به صار كالمردود. قول رحمه الله: وفي أخبار الآحاد منقسمة إلى مشهور وعزيز وغريب، يقول: وقد يقع فيها ما يفيد العلم النظري بالقرائن، وقوله بالقرائن سيأتي ذكر أنواع القرائن، وقوله على المختار إشارة إلى الخلاف، إذا قال: خلافًا لمن أبى ذلك، وهذه المسألة ذكر العلماء رحمهم الله تعالى فيها أقوالًا ثلاثة. منهم من جعل خبر الآحاد المجرد ولو لم يكن محتفًا بقرائن بأنه يفيد العلم، ومنهم من جعله يفيد العلم اليقيني، ليس مجرد العلم، أن نضرب العلم يقين، وقول آخر: أن خبر الآحاد يفيد العلم النظري بالقرائن، وأما إذا لم يكن محتفًا بقرائن فربما يترجح فيه جانب القبول، فيكون ملحقًا به، أي ملحقًا بالعلم النظري، وهو ما يسميه بعض العلماء بالظن الراجح، وهو بمعنى العلم بهذا الاعتبار. فالحاصل: منهم من يفرق بين العلم، يعني بين الخبر آحاد المحتف بالقرائن، فيقول: يفيد العلم كما هو قول حافظ ها هنا، وبين خبر الآحاد الذي لا يحتف بالقرائن، فإنه لا يفيد العلم. ومن أهل العلم يعني ذكي ذكر قول ثالث، وهو أنه يفيد الظن مطلقًا، سواء احتف بقرائن أم لا، وهذا قول غير أهل السنة والجماعة في هذا الباب، هذا القول منسوب إلى غير أهل السنة والجماعة، فأما القولان الأولان فمنسوبان إليهما، أي منسوبان إلى أهل السنة والجماعة. أي منهم من قال بأنه يفيد العلم مطلقًا، ثم ما كان محتفًا بالقرائن يكون أقوى، لأن العلم تفاوت، وما لم يكن محتفًا بالقرائن فإنه يفيد العلم النظري، ومنهم من فصل بالتفصيل السابق في التفريق بين ما احتف به القرائن فيفيد العلم، وما لم تحتف به القرائن فلا يفيد العلم. قول رحمه الله: خلافًا لمن أبى ذلك، مما تقدم الغالب أن الذين خالفوا في هذا الباب الأشاعرة والمتكلمون، وكذا المعتزلة، هذه طبعًا فكرة أصلها معتزلية في تقسيم الخبر إلى آحاد والآحاد عندهم إلى متواتر وآحاد، وعندهم كل الآحاد تفيد الظن، لأن كل ما ليس بمتواتر فهو آحاد، وكل ما ليس بمتواتر فإنه يفيد الظن، هذه قاعدة معتزلية ومشى عليها الأشاعرة في الأغلب الأكثر. لأن من جوز إطلاق العلم قيده بكونه نظريًا، وهو الحاصل عن الاستدلال، ومن أبى الإطلاق خص لفظ العلم بالمتواتر، وما عداه عنده كله ظني، لكنه لا ينفي أن ما احتف بالقرائن أرجح مما خلى عنها. قول الحافظ: هو الخلاف في التحقيق لفظي إذا كان بالاعتبار المذكور، واضحة جماعة، بالاعتبار المذكور، إذا كره الحافظ، لأن من جوز إطلاق العلم قيده بكونه نظريًا، أي أنه لا يكون العلم عنده إلا نظريًا، ومن قال: لا يفيد العلم، نفى العلم، لأن العلم عنده إنما يكون بما كان متواترًا، وما سوى فإنه يفيد الظن الراجح. هذا القول وإن كان من الحافظ أراد أن يخفف الخلاف جعله لفظيًا، إلا أن هذا القول من حيث التحقيق خطأ في التصور، وكذلك في قوله رحمه الله: خص لفظ العلم بالمتواتر، وما عدا عنده كله ظني، لكنه لا ينفي أن ما احتف بالقرائن أرجح مما خلى عنها. لكن يقال: هل هذا الخلاف بين أهل السنة والجماعة وغيرهم خلاف لفظي أو معنوي؟ هيا يا جماعة، خلاف معنوي، لماذا؟ لأن ما سوى أهل السنة والجماعة ولا سيما المعتزلة عندهم أن خبر الآحاد لا يفيد علمًا، وإذا كان ما يفيد علمًا فإنه لا يستدل به في باب العقائد، بخلاف أهل السنة والجماعة، فإن الخبر إذا ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه يعمل به مطلقًا في العقائد وفي العبادات وفي الأخلاق وفي كل شيء. فإذا يقال: في كلام الحافظ رحمه الله تعالى الخلاف بين أهل السنة والجماعة إذا كان في إطار أهل السنة والجماعة قد يقال بأنه خلاف لفظي، لماذا؟ لأنهم كلهم متفقون على أن الخبر إذا ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه حجة وأنه يجب العمل بمقتضاه، سواء كان في العقائد أو كان في العبادة أو في غيرها. بخلاف غيرهم، فإن الخلاف بينهم وبين أهل السنة والجماعة خلاف معنوي، باعتبار الأصل أنهم يقولون: لا يفيد إلا الظن، ولا يجب العمل في باب العقائد، ولكن في باب العبادة على تفصيل عندهم. الخبر المحتف بالقرائن أنواع، منها ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما مما لم يبلغ حد المتواتر، فإنه احتفت به قرائن، منها جلالتهما في هذا الشأن، وتقدمهما في تمييز الصحيح على غيرهما، وتلقي العلماء كتابيهما بالقبول، وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر. إلا أن هذا مختص بما لم ينقده أحد من الحفاظ مما في الكتابين، وبما لم يقع التجاذب بين مدلوليه مما وقع في الكتابين، حيث لا ترجيح لاستحالة أن يفيد المتناقضان العلم بصدقهما من غير ترجيح لأحدهما على الآخر. فالإجماع حاصل على تسليم صحته. قول رحمه الله: إلا أن هذا مختص بما لم ينقده أحد من الحفاظ مما في الكتابين، كما تقدم، لأنما انتقدوا بعض الأحاديث، كما سمعتم، هذا محل اجتهاد ونظر، الباحث ممن جاء بعد الناقد ينظر في حجة الناقد وفي حجة من البخاري أو مسلم في إخراجهما للحديثين أو في إخراجهما للحديث في الصحيحين، فيرجح ما يرجح بأدلته المأخوذة من هذا العلم. قول الحافظ: ومنها المشهور إذا كانت له طرق متباينة سالمة من ضعف الرواة والعلل، وممن صرح بإفادة الحديث المشهور من أحاديث الآحاد الذي احتفت به القرائن، وهذه القرائن رقته إلى أنه يفيد العلم، لكن علم نظري أو علم يقيني؟ نظري، لماذا؟ لأنه لا يكون إلا بعد نظر وبحث استدلال. لكن المشهور كما قيده الحافظ قال: إن كانت له طرق متباينة، متباينة، هذه ليس الطرق مخرجة واحدة، بل مختلفة، تارة من حيث أنس، وآخر من حيث أبي هريرة، وثالثة من حيث ابن عمر، وأسانيدهم مختلفة، فهذا يدل على ثبوت الخبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أم لا؟ يدل على ثبوت الخبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإذن أفادنا العلم أن هذا الخبر ثابت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أفادنا العلم، العلم نظري أو قطعي يقيني؟ نظري، لماذا؟ أنه كان بعد بحث واستدلال. لكن المشهور كما قال: أولًا أن تكون طرقه متباينة، أي مختلفة، وسالمة من ضعف الرواة، ثالثًا أن تكون سالمة من العلل، أن لا يكون معللًا، فإذا سلم من هذه الآفات الثلاث فإنه يكون مما أفاد العلم النظري. قال: ومنها المسلسل بالأئمة الحفاظ المتقنين، حيث لا يكون غريبًا، كالحديث الذي يرويه أحمد بن حنبل مثلًا، ويشاركه فيه غيره عن الشافعي، ويشاركه فيه غيره عن مالك بن أنس، فإنه يفيد العلم عند سماعه بالاستدلال من جهة جلالة رواته، وأن فيهم من الصفات اللائقة الموجبة للقبول ما يقوم مقام العدد الكثير من غيره. ولا يشكك ولا يتشكك من له أدنى ممارسة بالعلم وأخبار الناس أن مالكًا مثلًا لو كان سمعه بخبر لو شافهه بخبر أنه صادق فيه، فإذا انضاف إليه من هو فيه في تلك الدرجة ازداد قوة وبعد عما يخشى عليه من السهو. فهذه من الطرق التي تفيد العلم، والأخبار التي أفادت العلم بالقرائن. قال: وهذه الأنواع التي ذكرناها لا يحصل العلم بصدق الخبر منها إلا للعالم بالحديث، أي أن ما سوى إنسان فقيه نحو، فضل عن عامي، لا يفيد، لا يستفيد هذا العلم، لا يستفيد إلا من كان مختصًا خبيرًا بهذا العلم، لأنه يعرف قدر الرواة ومكانة الرواة. قال: لا يحصل العلم بصدق الخبر منها إلا للعالم بالحديث المتبحر فيه، العارف بأحوال الرواة، المطلع على هذا العلم، وكون غيره لا يحصل له العلم بصدق ذلك بقصوره عن الأوصاف المذكورة، لا ينفي حصول العلم للمتبحر المذكور. والله أعلم، ومحصل الأنواع الثلاثة التي ذكرناها: أن الأول يختص بالصحيحين، والثاني بما له طرق متعددة، والثالث بما رواه الأئمة، ويمكن اجتماع الثلاثة في حديث واحد، فلا يبعد حينئذ القطع بصدقه، والله أعلم. وهذا مصير من الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى من أن أخبار الآحاد المحتفة بالقرائن منها ما يفيد العلم القطعي، واضحة جماعة، من أخبار الآحاد الذي قويت قرائنها بأنها قد ترتقي وتكون مما يفيد العلم القطعي، والله تعالى أعلى وأعلم. ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾، أستغفر الله وأتوب إليه.