شرح المذكرة - مقرر السنة الثانية 4

الدرس في شرح المذكرة - مقرر السنة الثانية 4، ألقاها

مقدمة في تعريف الاستحسان وبيان حكمه

يتناول تعريف الاستحسان وضابطه وفقًا للإمام ابن قدامة، ويبين أن حكمه يختلف باختلاف المعاني التي يُعرف بها. يُعرّف بأنه العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل خاص.

انتقاد التعريفات الخاطئة للاستحسان

يناقش انتقاد تعريفات الاستحسان التي تعتمد على العقل أو الإلهامات، ويوضح أن الاستحسان يجب أن يكون مبنياً على الأدلة الشرعية. التعريفات الباطلة تُنقد بشدة.

شرح الاستحسان بمثال وتوضيح علاقته بالقياس

الاستحسان هو العدول عن حكم القياس لدليل خاص، ومثاله بيع وشراء السلعة بأثمان مختلفة قبل القبض. يعتمد على أدلة الوحيين ويختلف عن القياس.

التفريغ النصي الكامل

المراد، المراد، وسلم تسليما كثيرا، ثم أما بعد. قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى وغفر له: الاستحسان قال: الأصل الثالث المختلف فيه. قال: الأصل الثالث المختلف فيه ماذا؟ الاستحسان. والاستحسان في اللغة معناه طلب الأحسن؛ لأن السين والتاء دخلت على الكلمة، دلت على طلب، فبمعنى طلب الأحسن. وقوله رحمه الله تعالى: أنهم أصل مختلف فيه، وإدراجهم في الأصول المختلف فيها، وذلك يعود إلى اختلاف العلماء في معنى وضابط الاستحسان الذي نتج عنهم اختلافهم في حكمه. فالاختلاف في حكم الاستحسان عائد إلى ضابط الاستحسان ومعناه. وفي الحقيقة عند إمعان النظر، إن المسألة منزلتها اللائقة بها، يتضح أن الاستحسان على المعنى الصحيح الصائب الذي ذكره الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى أولاً، أن هذا محل اتفاق لا محل خلاف، باعتبار ما ذكره الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى من ضابط الاستحسان، هو محل اتفاق لا محل خلاف ونزاع؛ إذ أن معناه كما قال رحمه الله تعالى: العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل خاص من كتاب أو سنة. وأوضح من ذلك ما عرفوا به بعضهم بقوله: ترجيح دليل على دليل، أو العمل بالدليل الأقوى والأحسن. هذا هو الاستحسان. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ولفظ الاستحسان يؤيد هذا المعنى وهذا الضابط؛ قال: فإنه اختيار الأحسن، واضح. وعلى هذا المعنى هل فيه خلاف؟ واضح. جماعة: ترجيح دليل على دليل، أو العمل بالدليل الأقوى والأحسن، هل في هذا خلاف بين العلماء؟ العلماء إذا تعارض دليلان يأخذون بماذا؟ بالأقوى والأحسن. هل هذا محل نزاع ومحل وفاق؟ محل وفاق. لكن باعتباري ماذا؟ باعتباري هذا الضابط وهذا المعنى للاستحسان. وأما على المعنى الأخرى التي سأتي ذكرها، فإنه محل ماذا؟ محل نزاع وخلاف، كما سيأتي. قال رحمه الله: قال القاضي أبو يعقوب: القول بالاستحسان مذهب أحمد رحمه الله. وهذا التعريف للاستحسان هو الصحيح عند المؤلف، ولذا رد التعريفين الآخرين. الثاني: وقوله عند المؤلف يعني كأنه في شيء من عدم الموافقة الكلية. والأظهر كما سمعتم -يعني كتعريف- ما ذكر: أنه ترجيح دليل على دليل، أو العمل بالدليل الأقوى والأحسن، هذا أحسن وأوضح، مع أن كلام ابن قدامة كذلك واضح وصحيح. قال رحمه الله: الثاني: أن المراد به ما يستحسنه المجتهد بعقله، واضح. هذا المعنى الثاني. ما معنى الاستحسان؟ الاستحسان: أن يستحسن المجتهد مسألة بعقله، أي بغير دليل، بغير دليل. هل هذا ممكن؟ معقول؟ معتبر أو غير معتبر؟ غير معتبر؛ لأن الشرع ليس موكلا إلينا نستحسن ما رأيناه حسنا، قلنا: هذا جائز، وما رأيناه ليس بحسن، قلنا: ليس بجائز. لا الشرع ما أنزله الله تبارك وتعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم. قال: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾، وقال ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، وقال الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، وقال: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾، وقال: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ إلى غير ذلك من الأدلة الدالة على أن الشريعة والدين راجع إلى ماذا؟ إلى حكم الله، إلى شرع الله جل وعلا. فهو رد وباب الاستحسان من هذا الباب، فهو من العمل الذي ليس عليه أمر النبي صلى الله عليه وسلم، بل البدع كلها إنما هي من هذا الباب: استحسانات، استحسانات. قال رحمه الله: الثالث: أنه دليل ينقض في نفس المجتهد لا يقدر على التعبير عنه. وهذا أيضا ليس بمعتبر؛ لماذا؟ لأنه كذلك يرجع الدين والحكم الشرعي إلى الإلهامات وإلى المكاشفات وإلى ما شابه ذلك. وهل هذا مصدر من مصادر التشريع؟ الجواب: لا. مصادر التشريع ما هي؟ الكتاب والسنة هما الأصل، وما تفرع عنهما. قال رحمه الله: وبطلان هذين التعريفين ظاهر. وقوله: بطلان هذين التعريفين ظاهر، منه نعلم أن لفظ الاستحسان هو من الألفاظ المجملة، واضح. جماعة؛ إذ أنه يدل على معنى صحيح، ويدل على معنى ماذا؟ على معنى باطل. وهذا هو ضابط الألفاظ المجملة. وإذا كان كذلك، فإنه لا يثبت مطلقا، ولا ينفى ماذا؟ مطلقا. لا يقال: استحسان دليل، ولا يقال: الاستحسان ليس بدليل، بل ماذا؟ يستفصل. فما كان حقا وصوابا، قيل بأنه ماذا؟ بأنه دليل. وما لم يكن كذلك، قيل: ليس بدليل. وعلى هذا يعلم في حقيقة الأمر أن مسألة الاستحسان هو ما وقع فيها من النزاع، إنما هو نزاع اعتباري، واضح. جماعة. ما معنى اعتباري؟ بما أن من قال بأنه مشروع نظر إلى ماذا؟ إلى المعنى الصحيح. ومن قال بأنه ممنوع نظر إلى المعنى الباطل. وإلا فالكل متفقون على المعنى الصحيح، وهو أن الدليلين أن المجتهد يأخذ بأقوى الدليلين وأحسنهما وأقربهما إلى ماذا؟ إلى الحق. كل مجتهد يعمل بهذا. كل مجتهد يعمل بهذا. وعلى هذا لا خلاف. وفي المقابل من قال بأنه: بأن الاستحسان دليل وحجة، يقول: بأن الاستحسان بالمعاني الأخرى باطل. أو حق باطل، واضح. جماعة. إذن يتفقون في البطلان، ويتفقون في ماذا؟ في عدم البطلان، بل بالعبرة والاحتجاج، لكن على المعنى الصحيح. بالمعنى الصحيح محل اتفاق. على المعاني الباطلة كذلك محل اتفاق: بأنها ليست مقبولة ولا معتبرة. قال رحمه الله: وبطلان هذين التعريفين ظاهر؛ لأن المجتهد ليس له الاستناد إلى مجرد عقله في تحسين شيء. وما لم يخبر عنه لا يمكن الحكم له بالقبول حتى يظهر ويحرض على الشرع. يعني هذا الأول: على من قال بأن المراد بالاستحسان ما يستحسن المجتهد بعقله، هذا باطل. معنى هذا أن يجعل العقل هو الحكم في ماذا؟ في الشرع: ما يحل وما يحرم يعود إلى ماذا؟ إلى العقل. هذا باطل. والثاني: يرجع إلى الإلهامات، إلى المكاشفات، إلى شيء كما قيل: ينقض في النفس لا يستطيع أن يعبر عنه. هذا كذلك محل نظر. فليس الشرع عائدا إلى هذا ولا إلى ذاك، بل عائد إلى ماذا؟ إلى أدلة الوحيين: من الكتاب والسنة وما تفرع عنهما. قال رحمه الله: ومثال الاستحسان على معناه الذي ارتضاه المؤلف: ما لو باع رجل سلعة بثمن مؤجل، ثم اشتراها بائعها بعينها قبل قبض ثمنها بأكثر من الثمن الأول لأبعد من الأجل الأول. فالقياس يقتضي جواز البيعتين فيهما؛ لأن كل منهما بيع سلعة بثمن إلى أجل معلوم. لكن عدل بهذه المسألة عن نظائرها من أفراد بيع سلعة بثمن إلى أجل بدليل خاص، وهو هنا: أن السلعة الخارجة من اليد العائدة إليها ملغاة. فيكون الأمر إلى أخذه عند الأجل الأول نقدا ودفعه أكثر منه من حينه عند الأجل الثاني، وهذا عين الربا. أي: هذا يرجع في الحقيقة إلى ماذا؟ إلى الربا. يعني كما مثل في المسألة بأن قال: مثال: ما لو باع رجل سلعة -رجل يأتي إلى رجل مثلا على سبيل المثال- يقول له: تشتري مني هذه السيارة بثمن مؤجل إلى متى؟ إلى شهر. بكم؟ بمليون. قال: ثم اشتراها بائعها -ثم يأتي هذا البائع- فيقول له: بعنيها قبل قضاء ثمنها بأكثر من ماذا؟ من الثمن الأول. يعني بمليون ومئة مثلا. قال: من الثمن الأول، لأبعد من الأجل الأول -بعد ستة أشهر مثلا- إلى بعد ستة أشهر. يقول: فالقياس يقتضي الجواز -جواز البيعتين فيهما- لماذا؟ لأن كل منهما بيع سلعة بثمن إلى أجل معلوم. يعني مقتضى القياس أن هذا اشترى السلعة إلى أجل، وهذا جائز. الآخر اشترى السلعة إلى أجل، قالوا: هذا جائز من حيث العموم. قال: لكن المؤلف يقول: متى هي الصورة لا تجوز؟ لماذا؟ لأن البيعتين هو بيع في عين واحدة بأجلين مع زيادة، واضح. بأجلين مع زيادة. قالوا: والسلعة إذا كانت عين واحدة تكون ملغاة. فحقيقة البيعة ما هي؟ مليون بمليون ومئة إلى بعد أجل إلى أجل ماذا؟ أبعد. مليون بمليون ومائة، والسلعة ماذا؟ مجرد إيش؟ مجرد صورة. فيقول: مثل هذا، وإن كان الأصل الجواز في البيع، لكن خالفت هذه الصورة عن نظائرها بماذا؟ بدليل أن هذا من ماذا؟ من الربا. هذا استحسان، واضح. هذا معناه الاستحسان. قال رحمه الله: وأشار في المغني إلى مسألة الاستحسان بقوله: والأخذ بالذي له رجحان من الأدلة هو استحسان، أو هو تخصيص بعرف ما يعم. ورأي الاستصلاح بعضهم يسميه استحسانا. ورد كونه دليلا ينقدح ويقصر التعبير عنه. متضح. فالخلاص من هذا أن يقال: بأن الاستحسان كما تقدم من أنه ماذا؟ من ألفاظ المجملة. فما كان من المعنى ما كان معناه صحيحا فهو صحيح، وهو حجة عند الجميع. وما كان معناه باطلا فهو ماذا؟ باطل. وما كان معناه باطلا فهو باطل كذلك عند الجميع. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على