الدرس في كتاب الوقف 2، ألقاها
يبدأ الشرح بحديث عمر بن الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم حول الوقف، حيث أمر النبي عمر بوقف الأصل والتصدق بريعها. يُبين أيضًا شروط الوقف وأحكامه كما ذكرها الإمام ابن قدامة المقدسي.
الوقف يكون بالقول الصريح أو بالكناية، ويحتاج إلى نية في حالة الكناية. لا يجوز بيع الوقف إلا إذا تعطلت منافعه بالكلية. يرجع في الوقف ومصرفه وشروطه إلى لفظ الواقف.
الواقف يمكنه تعيين الناظر عليه والنفقة، وإذا لم يعين ذلك، يرجع إلى ما تعارف عليه الناس في الوقف بالضوابط الشرعية. كما يوضح كيفية توزيع الوقف على المستحقين.
يتحدث عن جواز التفضيل والتخصيص في بعض الحالات، ويستشهد بعبارة للإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى، مما يبين التفاصيل الدقيقة في أحكام الوقف.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام موفق الدين أبو محمد بن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى وغفر له، في كتاب عمدة الفقه، في كتاب الوقف منه: قال بعد أن ذكر ما ذكر من أحكام الوقف وشروطه، وذكر حديث عمر رضي الله عنه وأرضاه، الذي يعد أصلًا في معرفة الوقف وأوصافه وشروطه، فقال رحمه الله: مثل ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله، إني أصبت مالًا بخيبر لم أصب مالًا قط هو أنفس عندي منه، فما تأمرني فيه؟ وفي الحديث، إلى جانب ما تقدم ذكره في الدرس الماضي، ما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم من الحرص على الخير، وفيه أيضًا ما تقدم كذلك الإشارة إليه من أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل جاء عن بعض السلف رضي الله عنه وأرضاه، عن بعض التابعين، بل إنه قال: ما من أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وأوقف، يعني هذا ذكر معنى هذا المعنى، أنهم كانوا إذا كان عند الشخص منهم مال، فإنه يوقف شيئًا من ذلك المال صدقةً مسبلةً لله تبارك وتعالى، يكون حابسًا للأصل ومسبلًا لريع ذلك الأصل. قال: يا رسول الله، إني أصبت مالًا بخيبر، خيبر المكان المعروف الذي فيه المدينة، لم أصب مالًا قط هو أنفس عندي منه، فما تأمرني فيه؟ وفيه أنهم يبذلون أن نفقات الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم لم تكن كنفقات غيرهم، يخرجون فضول أموالهم، بل كانوا يخرجون أفضل ما عندهم من المال، أخذًا بقول الله جل وعلا: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، فهم كانوا ينفقون من المال أضيافه عندهم وأحسنه أفضل، رجاء نيل البر من الله تبارك وتعالى. قال: فما تأمرني فيه؟ وفي قولي: فما تأمرني فيه؟ فيه ما كان عليه الصحابة من استئمار النبي صلى الله عليه وسلم، أي من طلب أمره ورأيه فيما يفعلون ويصدرون من أقوال أو أفعال أو أحوال. قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، حبست الأصل كما تقدم معنا أن يبقي الأصل، وإنما تكون صدقة فيما يخرج من ذلك الأصل، وتصدقت بها أي بما يكون من ذلك الأصل المحبس، فأنت تتصدق بالأصل وما يخرج من ذلك الأصل يكون به النافع والتسبيل. قال: غير أنه لا يباع أصلها ولا يورث ولا يوهب، وهذا هو حال الوقف، أنه لا يباع أصله، أما ما يخرج من ثمار ونحوه، إذا كانت أراضي وما شابه ذلك، فلا بأس، ولا يورث فهو ليس تريك للورثة، ولا كذلك يوهب، إذا أوقف الإنسان شيئًا من ماله، فإنه لا يحل له أن يفعل شيئًا من هذه التصرفات فيه، لأنه بوقفه يصير ينتقل ذلك المال من ملكه إلى ملك غيره، بمعنى أنه يصير ذلك الأمر لله تبارك وتعالى، ويصير ذلك النفع لمن أوقف عليهم ذلك الوقف. قال: فتصدق بها عمر في الفقراء وفي القربة وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها أو يطعم صديقًا غير متمول فيه. ويصح الوقف بالقول والفعل الدال عليه، مثل أن يبني مسجدًا أو يأذن للناس بصلاة فيه، أو سقاية ويشرعها للناس. وهذا هو صحيح من أقوال العلماء، من أن الوقف يصح بالقول، وكذلك يصح بماذا؟ بالفعل، والقول كما يقول علماء رحمهم الله تعالى، منه الصريح ومنه الكناية، الصريح كان يقول: أوقفت هذه الدار، هذه الأرض، أو يقول: سبلتها، أو يقول كذلك عبارة، يعني حبستها، تدل على الوقف بلفظها، ومنها الكنايات، ومنها الكناية أي أوصاف الكناية، كان يقول: هذه الأرض صدقت بها، هذه الأرض تركتها للفقراء والمساكين، جعلتها للفقراء والمساكين، أو ما شابه ذلك. فألفاظ الألفاظ الصريحة، كما يقول فوقها، لا تحتاج إلى نية، وألفاظ الكناية تحتاج إلى نية، أي أنه إن قال: تصدقت بها، ونوى الوقف، إن عقد الوقف، وإن قال: تصدقت بها، ونوى الصدقة فقط، لم ينو الوقف، فيكون العمل بحسب النية، وإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. ويكون الوقف كذلك بالفعل، كما ذكر الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى، كأن يبني مسجدًا ويصلي فيه ويجعل الناس يصلون فيه، أو يحفر بئرًا ويضع دلوه ويرى الناس يضعون دلاءهم في ذلك البئر ولا ينكر، فمثل هذا يدل على أنه أوقفه للناس، وما شابه ذلك من الأفعال، كذلك تكون بهذا المعنى. قال رحمه الله تعالى: ولا يجوز بيعه، أي لا يجوز بيع الوقف، لعموم قول الله عز وجل: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾، وهذا في الوصية، ويدخل فيها الوقف من باب أولى، فلا يجوز تغيير الوقف، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: غير أنها لا يباع أصلها، فلا يجوز بيع الوقف إلا في أحوال سيأتي ذكرها. لأن الأصل في الوقف، كما تقدم، هو إخراج أصل ذلك المال من ذمته، فلا يصير ملكًا له، بل يجعله لله، يجعله لله تبارك وتعالى، فإذا كان كذلك، فلا يحل لهم أن يبيعوا ذلك الوقف بعد أن جعله لله تبارك وتعالى. قال: ولا يجوز بيعه إلا أن تتعطل منافعه بالكلية، وقوله: أن تتعطل منافعه بالكلية، يفهم منه أن إن تعطل بعضها، فلا بأس، أنه الأصل، لأن الأصل بقاء الوقف على ما هو عليه، هذا هو الأصل. يعني مثال ذلك، لو أن إنسانًا بنى مسجدًا، هذا المسجد كان جامعًا لتلك القرية مثلًا، فضاق المسجد لكثرة السكان في تلك البلدة، فاحتاج الناس إلى بناء مسجد آخر في مكان آخر أكبر وأوسع، بنوا مسجدًا آخر، فانتقلت الجمعة إلى ذلك المسجد الجامع، والمسجد الأول صار مسجدًا يصلي فيه الجماعة، فهل ذهبت جميع منافعه؟ الجواب: لا، ذهب بعض منافعه، وبقي البعض الآخر. فإذا كان كذلك، فهل يحل أن يباع؟ الجواب: لا، ما دام أن فيه منافع، فيبقى على أصله، لأن الأصل بقاء الوقف على حاله، هذا هو الأصل، فلا يغير الوقف، ولا يباع الوقف إلا أن تتعطل جميع مصالحه. قال رحمه الله: وليجز بيعه إلا أن تتعطل منافعه بالكلية، فيباع إن تعطلت منافعه بالكلية، فماذا؟ قال: فيباع ويشترى به ما يقوم مقامه، ويشترى به ما يقوم مقامه، يعني مثاله، كما مثلنا، لو أن إنسانًا بنى مسجدًا في قرية، هذا المسجد انهدم، صار غير نافع، فماذا يصنعون؟ يباع ذلك المسجد، يباع أرضية المسجد، يباع أخشاب المسجد وأبواب المسجد إلى غير ذلك، يباع ذلك المسجد بما فيه، والمال الذي يحصل من ذلك البيع، يبنى به مسجد آخر بذلك المال، في مكان ينتفع به. قال: ويرجع في الوقف ومصرفه وشروطه وترتيبه وإدخال من شاء بصفة أو إخراجه بها إلى لفظ الواقف، قوله: ويرجع في الوقف، أي في تعيين الوقف والمنتفع بالوقف، يرجع في ذلك إلى من؟ إلى الواقف، فالواقف هو يقول مثلًا: أوقفت هذه الأرض على زيد وعمر من الناس، فالأصل أنه ماذا؟ أن الوقف يكون على زيد وعمر. أو يقول: أوقفت هذه الأرض مثلًا على الفقراء والمساكين وابن السبيل، يكون على هؤ، ماذا؟ الأصناف، لا يتعدى إلى غيرهم، يقول هو مثلًا: جعلت فلانًا ناظرًا على وقف، فما عينهم الواقف من شروط وأوصاف، فإنها هي المعتبرة. قال: وكذلك الناظر فيه والنفقة عليه، أي في تعيين الناظر على الوقف والنفقة عليه، أي أن يقول مثلًا: وللناظر عليه العشر مما تخرج تلك الأرض، أو له عشر دراهم، المهم ما عينه، فإنه يرجع في ذلك إلى ما عينه ذلك الواقف. فلو أطلق، لو قال مثلًا: أوقفت هذه الأرض لله تبارك وتعالى، وما عين وما حدد، فماذا يصنع؟ الجواب: كما يقول فقهاء رحمهم الله تعالى، يرجع في ذلك إلى ما تعارف عليه الناس في الوقف، أي بالضوابط الشرعية، فينظر في ضوابط الوقف الشرعية، وينظر كذلك فيما تعارف عليه الناس. قال: فلو وقف على ولد فلان، ثم على المساكين، كان الذكر والأنثى بسوية، لماذا؟ لأنه قال: هذا الوقف على ولد فلان، والولد يدخل فيه الذكر والأنثى، فهو صدقة، وليس من باب الميراث، فإذا كان كذلك، فيكون الولد ذكرًا أو أنثى، فيه سواء. قال: إلا أن يفضل بعضهم على بعض، كيف ذلك؟ كان يقول مثلًا: للذكر مثل حظ الأنثيين، أو أن يقول: لولد فلان ضعفي ما لولد فلان، أو ما شابه ذلك من أوصاف يقيدها. قال: فإذا لم يبق منهم أحد، رجع على المساكين، أي أوقف على أولاد فلان، أولاد فلان ماتوا، والوقف ما زال موجودًا قائمًا، فلمن يعود الوقف؟ يقول رحمه الله تعالى: يرجع إلى المساكين، لماذا؟ إلى المساكين، قال: لأنهم هم الأصل في الأوقاف، أن الأصل في الأوقاف أنه صدقة، وصدقة أول ما يتصدق به على المساكين. قال: ويدخل في المساكين أولي القرب لذلك الواقف، ومتى كان الوقف على من يمكن حصرهم، لزم استيعابهم به والتسوية بينهم، إذا لم يفضل بعضهم، لأن الأصل في اللفظ إذا أطلقه، يكون ماذا؟ على عمومه. لذا يقول: ومتى كان وقفًا على من يمكن حصرهم، لزم استيعابهم به، كان يقول: هذا الوقف لآل فلان، واضح جماعة، آل فلان هذا يستطاع حصرهم أم لا يستطاع حصرهم؟ ولا سيما ما إذا كان في قبائل مثل قبائل تكون قبيلة تحتها قبائل تحتها بيوت. فلو قال: أوقفت هذه الأرض على آل فلان الذين هم من الأقرباء إليه، الأقرباء إليه مثلًا قريش قبيلة، يدخل فيها من بنو هاشم، يدخل فيها كذلك بنو أمية، بنو مخزوم، بنو تميم إلى غير ذلك، بنو نوفل، فلو قال: أوقفت هذه الأرض على بني هاشم، فهو ماذا؟ محصور أم لا محصور؟ فيخرج غيرهم من القرشيين، ومن باب أولى غيرهم من القبائل الأخرى. فلذلك يقول: ومتى كان الوقف على من يمكن حصرهم، لازم استيعابهم به والتسوية بينهم، إذا لم يفضل بعضهم، إذا لم يقل: هؤلاء مثل ما مثلنا لهم ثلثي ما لهؤلاء، الأصل التسوية. قال: وإن لم يمكن حصرهم، جاز تفضيل بعضهم على بعض وتخصيص بعضهم به، كأن يقول: هذه الأرض وقف للمساكين، هل يستطاع أن يحصر المساكين؟ هل يستطيع إنسان إذا قال: هذه الأرض وقف للمساكين، هل تستطيع أنت أثناء التوزيع أن تحصر جميع المساكين وتستوعب؟ الجواب: لا. فإذا كان كذلك، جاز إعطاء البعض، مثال ذلك: رجل عنده مزرعة تخرج مثلًا مئة ألف ريال يمني شهريًا، قال: هذه الأرض وقف لله للمساكين، فجاء عشر المساكين، ثلاثة أربعة، أعطاهم المئة ألف، هل فعل مقتضى الوقف أم لا؟ الجواب: نعم. فلذلك قال إمام ابن قدامة رحمه الله: وإن لم يمكن حصرهم، جاز تفضيل بعضهم على بعض، تعطي هذا خمسين ألفًا، هذا ثلاثين ألفًا، هذا عشرة آلاف، وتخصيص واحد منهم به، أي إذا جاء مسكين عنده حاجة ماسه تستوعب جميع المال. فكما قال العلماء: ما لم يمكن استيعابهم، جاز التفضيل والتخصيص فيهم، أي أن يخص واحد بالمال دون واحد، أو البعض دون البعض، لماذا؟ لتعسر الاستيعاب، واضحة جماعة، إذ لو قلنا: يجب التسوية، نفترض لو قال إنسان: لماذا ما تقولون يجب الاستيعاب؟ نقول له: هل يستطيع إنسان أن يستوعب جميع المساكين والفقراء؟ الجواب: لا. ثم لو استطاع، هل يستطيع أن يقسم بينهم بالسوية؟ يعني مثلًا مئة ألف، جاء مثلًا في الأرض كم سيكون فقراء ومساكين؟ مليار، كم سيكون واحد؟ واضح جماعة، عملًا. قالوا: فكون الله يدل على عدم الاستيعاب، يدل على جواز التفضيل وجواز التخصيص، إذ أن التسوية في مثل ذلك غير ممكنة، واضح جماعة، عملًا التسوية في مثل ذلك غير ممكنة. فهذه كما ترى المسائل عابرة وواضحة مختصرة من الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى في مسائل وقف، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.