الدرس في شرح المذكرة - مقرر السنة الرابعة 5، ألقاها
النوع الثالث في إثبات العلة هو الدوران، حيث يدل وجود الحكم مع وجود العلة وعدمه مع عدمها على العلية. يعتبر هذا النوع دليلاً على العلية إذا اقترن الحكم بالوصف وجودًا وعدمًا.
مسلك الدوران هو أحد الطرق لمعرفة العلة، وهناك خلاف بين العلماء حول دلالته على العلية، حيث يرى الجمهور أنه يفيد العلية ظنًا بينما يرى المعتزلة أنه يفيدها قطعًا. يُطبق الدوران في الأمور الشرعية والدنيوية.
الطرد في الاستدلال الفقهي يعني وجود الحكم مع وجود العلة، ويُشرح المقطع شروطه وأحكامه، ويفرق بينه وبين الوصف الطردي، ويعرض آراء المذاهب الفقهية المختلفة حول هذا الموضوع.
هناك خلاف لفظي بين العلماء حول المصلحة المعارضة بالمفسدة، حيث اتفقوا على عدم الأخذ بالمصلحة إذا استلزمت مفسدة مساوية أو راجحة، واختلفوا في ما إذا كانت المصلحة تبقى معارضة بغيرها أو تنعدم.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام الشرقيطي رحمه الله تعالى: قال المؤلف رحمه الله تعالى: النوع الثالث في إثبات العلة أن يوجد الحكم بوجودها ويعدم بعدمها، كوجود التحريم بوجود الشدة في الخمر وعدمه بعدمها إلى آخره. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، ذكر رحمه الله تعالى ها هنا الطريقة الثالثة أو النوع الثالث في إثبات العلة، وهو ماذا؟ أن يوجد الحكم بوجودها ويعدم بعدمها، وهو ما يسميه الأصوليون بالدوران الوجود والعدم، أو يسمونه بالدوران. قال رحمه الله: اعلم أولًا أن هذا المسلك من مسالك العلة يسمى بالدوران الوجود والعدم، وبالدوران فقط، وبالطرد والعكس. قال: وعلم أن الطرد في الاصطلاح الملازمة في الثبوت، والعكس في الاصطلاح الملازمة في الانتفاء. قوله رحمه الله: اعلم أولًا أن هذا المسلك من مسالك العلة، أي من مسالك معرفة العلة، يسمى بالدوران الوجود والعدم، أي من الأصوليين من يسمي بهذا الاسم، ومنهم من يسمي بالدوران فقط، ومنهم من يسمي بالطرد والعكس. قال: وعلم أن الطرد في الاصطلاح الملازمة في الثبوت، أي كلما وجدت العلة وجد الحكم، فهذا هو الطرد، والعكس ملازمة في الانتفاء، أي كلما انتفت العلة انتفى الحكم. قال: وخلاصة ما ذكره المؤلف في هذا المسلك أن اقتران الحكم بالوصف وجودًا وعدمًا دليل على أنه علته، ولا يقدح في ذلك أن اقترانه به في الوجود فقط لا يفيد العلية على الصحيح الذي هو الحق كما يأتي في مبحث الطرد قريبًا إن شاء الله. قال رحمه الله: وكذلك اقترانه به في العدم فقط لا يفيد العلية إجماعًا؛ لأن عدم تأثير كل واحد منهما منفردًا لا يمنع تأثيرهما مجتمعين. قال: ولا يقدح في هذا المسلك بأن رائحة الخمر مثلًا يدور معها المنع وجودًا وعدمًا وليست بعلة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: والنقض برائحة الخمر ليس بلازم؛ لأن صلاحية الشيء للتعليل لا يلزمها أن يعلل به. قال مقيده عفى الله عنه: أن نقض برائحة الخمر يدفعه القيد الذي ذكره جماهير من أهل الأصول، وهو إنهم جعلوا الوصف المذكور في مسلك الدوران يشترط فيه المناسبة أو احتمالها. قال: فإن كان طرديًا محضًا علم قطعًا أنه غير العلة ولو دار معه الحكم وجودًا وعدمًا، كرائحة الخمر المذكورة. قال: وإليه الإشارة بقول صاحب المراقي معرفًا للدوران: أن يوجد الحكم لدى وجود وصف وينتفي لدى الفقد، والوصف ذو تناسب أو احتمل له، وإلا فعن القصد اعتزل. قال: وهو عند الكثيرين سندوا في صورة أو صورتين يوجدوا، والحق أن في هذا المسلك ثلاثة أقوال: الأول أنه يفيد العلية ظنًا، وهو مذهب الجمهور، وعليه درجة مؤلف، وهو الراجح في هذا المبحث. الثاني: أنه يفيد العلية قطعًا، وبه قال المعتزلة. الثالث: أنه لا يفيد العلية التعليل أصلا باحتمال كون الوصف الدائر معه الحكم ملازمًا للعلة كرائحة الخمر أو جزء منها، وهذا ضعيف، والذي قبله كذلك. قال رحمه الله: تنبيه، فنخرج من هذا ونخلص من هذا أن من مسالك معرفة العلة هو الدوران؛ لأن بالدوران تعرف العلة. قال: الدوران يكون في صورة واحدة كما مثلنا به في شدة الخمر، فإن المنع يدور معها وجودًا وعدمًا. قال: وقد يكون في صورتين، وهو أضعف من الأول، ولذا أبطله بعض من اعتبر الأول. قال: ومثاله ما لو قلت: الحلي المباح تجب فيه الزكاة لكونه نقدًا، والنقد أحد الحجرين، والنقدية تدور معها الوجوب وجودًا في المسكوك والمسبوك مثلًا، وعدمًا في العبيد والثياب والدواب. قال: وهذا المسلك الذي هو الدوران كما أن له دخلا في الأمور الشرعية، فنفعه كثير جدًا في الأمور الدنيوية، وهو الذي توصل به الأطباء إلى ما علموه من فوائد الأدوية والأغذية، حيث دارت معها آثارها وجودًا وعدمًا. قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل، فأما الدلالة على صحة العلة بالطرادها ففاسد إلى آخره. قال رحمه الله: اعلم أولًا أن هذا المسلك من مسالك العلة هو المعروف في الطرد، ويسمى بالدوران الوجودي، وهو مختلف في صحة دلالته على العلة، فجمهور العلماء على أنه مردود، وعليه درجة المؤلف. قال: وذهب طوائف من أصحاب أبي حنيفة إلى أنه حجة إن سلم من الانتقاض وجرع الاضطراد. قال: ومثاله المائع الذي تبنى عليه القناطر ويصاد فيه السمك تقع به الطهارة، فنقول: ليس بعلة؛ لأن الطهارة تقع بغير المذكور كالتراب ونحوه. قال: وذهب كثير من الشافعية إلى أنه حجة بشرط مقارنة الحكم والوصف في جميع الصور غير صورة النزاع، الحاقًا للنادر بالأغلب. قال: وقيل: تكفي المقارنة في صورة واحدة، ولا يخفى بعده، وهذا أبعد. قال: وذهب الكرخي من الحنفية إلى أنه مقبول جدلًا لافتيا وعملًا، وهو بعيد أيضًا. قال: فإذا عرفت ذلك فاعلم أن معنى الطرد هو ما قدمنا من أنه الملازمة في الثبوت، أي كلما ثبت الوصف ثبت معه الحكم. قال: والنقض هو وجود الحكم دون الوصف، كما سنوضح إن شاء الله تعالى في مبحث القوادح. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ثم للمعترض في إفساد المعارضة بوصف مضطرد يختص بالأصل. قال: ومعلوم أن كونه مائعًا لا يصاد من جنس السمك إلى آخره دائر معه الحكم الذي هو عدم الطهارة، مع أنها أوصاف طردية لا تناط بمثلها الأحكام. قال: فظهر أن الحكم يدور مع الوصف في الوجود وليس إلة له. قال: تنبيه، ذكر جماعة من الأصوليين أنه يشترط في عدم الاحتجاج بالطرد الوصف أن لا يكون مناسبًا بالذات أو بالتبع. قال: فإن كان مناسبًا بالذات فهو قياس عليه لا طرد، وهو الأظهر. قال: وإليه أشار صاحب المراقي بقوله معرفًا للطرد: حصول حكم حيثما الوصف حصل، والاقتران في انتفاء الوصف حضل، ولم يكن تناسب بالذاتي أو تبع فيه لدى الثقاتي. قال: ورده النقل عن الصحابة، ومن رأى بالأصل قد أجابه. قال: ومعنى قوله: ومن رأى بالأصل قد أجابه، أن من رأى كون الطرد يفيد العلية أجاب المانع لذلك؛ بأن الأصل في الملازمة في الوجود أن تكون لموجب يقتضي ذلك، وهو كون الوصف الدائر معه الحكم في الوجود علة له. قال: تنبيه، لا يلتبس عليك الطرد بالوصف الطردي؛ فإن الطرد هو ما عرفناه الآن في هذا المسلك، والوصف الطردي هو الذي ليس في إناطة الحكم به مصلحة، كالطول والقصر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: متى لزم من الوصف المتضمن للمصلحة مفسدة مساوية للمصلحة أو راجحة عليها، فقيل: إن المناسبة تنتفي إلى آخره. قال: يعلم أن التحقيق في هذه المسألة أن الخلاف فيها لفظي؛ لأن المصلحة إذا استلزمت مفسدة مساوية أو راجحة، فإن الحكم لا ينبني على تلك المصلحة قولًا واحدًا. قال: ولكن الخلاف في المصلحة المعارضة بالمفسدة هل هي منخرمة زائلة من أصلها؟ أو هي باقية معارضة بغيرها؟ وهو اختيار المؤلف، وهو الأظهر. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.