الدرس في مقتطفات من الرياض الناضرة 3، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن المقطع فضيلة الشكر لله على النعم وكونه سبباً للمزيد والثبات، ويصف حال الشاكرين بامتلاء القلوب سروراً ولذة. ثم يقسم الناس عند نزول المصائب إلى أربعة أقسام، مستعرضاً أول قسمين: الظالمين الساخطين الجازعين، والصابرين الذين كفوا قلوبهم وألسنتهم وجوارحهم عن التسخط والشكوى.
يوضح المقطع أربع مراتب للناس عند نزول المصائب: الظالمون الجازعون، والصابرون، والراضون بقضاء الله، والشاكرون الذين يشكرون الله على الضراء كما يشكرونه على السراء، وهم أعلى المراتب. ويذكر حديثاً نبوياً صحيحاً يبشر من يقول عند المصيبة: «إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها» بالأجر والخلف العاجل والآجل.
يوضح المقطع أن حمد الله بعد الأكل والشرب سبب لرضا الله عن العبد، وأن هذا الحكم يعم جميع النعم التي ينعم الله بها على العبد فيحمد الله عليها. كما بين أن تناول الحلال بنية التقوي على الطاعة وإعفاف النفس يجعل للمؤمن أجراً وثواباً، مستدلاً بحديث «وفي بضع أحدكم صدقة».
يوضح المقطع أن الشهوة فطرة في الإنسان، وإذا قُصد بها نية صالحة صارت عبادة يُثاب عليها، مما يبين أن العبادة لا تقتصر على أعمال محددة بل يمكن للعاقل تحويل الحلال إلى أجر وثواب. ويختتم المؤلف الفصل معلناً الانتقال إلى فصل جديد في الدرس القادم.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فما زلنا في كتاب "الرياض الناظرة" للعلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى، ولا زلنا في الفصل الذي عقده في الصبر على المكاره والشكر على المحاب. قال رحمه الله تعالى: "فيا من توالت عليه النعم وصرفت عنه النقم، أشكر الله على ذلك لتبقى وتكمل، فالشكر مقرون بالمزيد، وكفران النعم مقرون بالمحق والعذاب الشديد". وهذا مأخوذ من قول الله عز وجل: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾. قال: "وشكرانك للنعم نعم أخرى تحتاج إلى شكر آخر وتجديد"، فتوفيق الله عز وجل لك على الشكر نعمة أخرى. قال: "ولكن الله تعالى رضي منك بالاعتراف بالعجز عن شكره، وأن نفعل ما نستطيعه من الثناء والتمجيد"، فمهما بالغ العبد في شكر نعمة الله عز وجل عليه فلن يستطيع أن يوفي شكر الله عز وجل. قال رحمه الله: "أشاكرون أطيب الناس نفوساً وأشرحهم صدوراً وأقرهم عيوناً، فإن قلوبهم ملآنة من حمده والاعتراف بنعمه والاغتباط بكرمه والابتهاج بإحسانه، وألسنتهم رطبة في كل وقت بشكره وذكره، وذلك أساس الحياة الطيبة ونعيم الأرواح". فمن شكر الله عز وجل أن يلهج لسانك بذكره، وأن يمتلئ قلبك بالثناء عليه سبحانه وتعالى. وقوله: "وذلك أساس الحياة الطيبة ونعيم الأرواح"، لأن الله عز وجل يقول: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ﴾، فذكر الله عز وجل من أعظم أسباب الحياة الطيبة، من انشراح الصدور وفرح القلوب، وهكذا لذة الطاعة والأعمال. وقال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾، ولذلك قال: "وذلك أساس الحياة الطيبة ونعيم الأرواح، وحصول جميع اللذائذ والأفراح، وقلوبهم في كل وقت متطلع للمزيد، وطمعهم ورجاؤهم في كل وقت بفضل ربهم يقوى ويزيد". قال رحمه الله: "لو علم العباد ماذا أعد للشاكرين من الخيرات لاستبقوا إلى هذه الفضيلة العليا، ولو شاهدوا أحوالهم في السرور والابتهاج لعلموا أنهم في جنة الدنيا". أي أن جزاء الشاكر أن يمتلئ قلبه فرحاً وسروراً وابتهاجاً، وهذه هي جنة الدنيا، كما نقل ابن القيم عليه رحمة الله عن شيخه ابن تيمية رحمه الله تعالى أنه كان يقول: «إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة»، ويريد بجنة الدنيا ما يجد المسلم في قلبه من السعادة، ومن الراحة، ومن اللذة، ومن السرور، ومن الابتهاج. قال رحمه الله تعالى: "إذا قضت المصائب والمكاره على الخلق انقسموا فيها أربعة أقسام"، يعني أقسام الناس عند نزول المصائب، لا يخلو أن يكون إحدى هذه الأقسام الأربعة. قال: "أحدهم الظالمون، وهم أهل الجزع والصخت"، أو والصخت، "وهؤلاء هم الساخطون الجازعون المعترضون على قضاء الله وقدره، فهؤلاء ظالمون". قال: "والثاني الصابرون، وهم الذين حبسوا قلوبهم عن التسخط على المقدور، وألسنتهم عن الشكوى، وجوارحهم عن أفعال الساخطين، فهؤلاء لهم أجرهم بغير حساب". هذا الصابر، وضابطه كما ذكر: من حبس قلبه عن التسخط، ما يتسخط بقلبه، وكذلك حبس لسانه عن الشكوى للمخلوق، فلا يشكو إلا إلى الله، وهكذا حبس جوارحه عن أفعال الساخطين، فلا يلطم خداً، ولا يشق ثوباً، ولا كذلك يرمي بسماعة الهاتف، ولا يكسر آنية أو زجاج، ولا يحدث بحجر، ولا شيء من هذه الأفعال التي ربما يفعلها بعض الساخطين. فمن حبس قلبه عن التسخط، ولسانه عن الشكوى، وجوارحه عن أفعال الساخطين، فهذا هو الصابر. قال: "والثالث الراضون عن الله، وهو الراضي، الراضون عن الله الذين كملوا مراتب الصبر"، يعني توفرت فيهم مراتب الصبر، لكن عندهم زيادة على أفعال الصابرين، ما هي هذه الزيادة؟ قال: "واطمأنت قلوبهم لأقدار الله المؤلمة، ما يحزن ولا يغتم ويهتم لنزول هذا المكروب، وإنما يطمئن قلبه لأقدار الله المؤلمة، قال: ورضوا بها، رضوا بما قدر الله عز وجل، ولم يودوا أنهم لم يصابوا بها"، ما يودون أنهم ما أصيبوا بهذا، بل رضوا بما قدر الله عز وجل عليهم، "بل رضوا بما رضي الله به لهم، فرضوا عن الله ورضي الله عنهم"، فهذا هو الراضي، فهو صابر وزيادة، فهو صابر وزيادة. قال: "ورابع الشاكرون، وهم من ارتفعت على هؤلاء كلهم درجاتهم، فصبروا لله"، يعني جمعوا بين الصبر وأفعال الصابرين، "ورضوا بقضاء الله"، أي جمعوا كذلك أفعال الراضين، "ولكنهم شكروا لله على الضراء كما شكروه على السراء، تنزل بهم المصيبة فيشكرون الله عز وجل عليها بعد صبرهم ورضاهم بما قدر الله عز وجل، إلا أنهم يشكرونه على الضراء كما يشكرونه على السراء، وحمدوه على المصائب والمضار كما حمدوه على المحاب والمسار، فهؤلاء الشاكرون الأصفياء الأبرار، وهم الأقلون عدداً الأعظمون عند الله قدراً، قال تعالى: ﴿ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾". فإذا مراتب الناس عند المصائب أربع، أعلاها الشاكرون، وبعدها الراضون، والثالثة الصابرون، وآخرها الظالمون الساقطون، وهؤلاء هم الآثمون، وهؤلاء هم الآثمون، أي الظالمون الجازعون، وأما أهل الدرجات الثلاث الأخرى فهم المأجورون، فهم المأجورون، ولكن مراتبهم اختلفت، فأعلاهم الشاكرون، ثم الراضون، ثم الصابرون. قال رحمه الله تعالى: "وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثان صحيحان فيهما بشارة وخير عظيم للصابرين والشاكرين، أحدهما قوله: «ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله به: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها، إلا أجره الله في مصيبته وأخلف له خيراً منها»". هذه البشارة الأولى، وهذا الحديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ذلك، قالت: فلما مات أبو سلمة زوجها رضي الله تعالى عنها، قلت ذلك، أي قالت ما أمرها النبي عليه الصلاة والسلام، فأخلف الله لي خيراً من أبي سلمة، ألا وهو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيا لها من بشارة عظيمة! أخذ مالك، ربما إذا قلت هذا الحديث عوضك الله أضعافه، أخذ أحد أبنائك، ربما عوضك الله عز وجل أضعاف هذه الذرية التي أخذت منك، وهكذا غيرها من المصائب والمحن. قال رحمه الله: "فهذا يشمل أي مصيبة كانت"، أي فيما ورد في هذا الحديث، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ما من مسلم تصيبه مصيبة»، فمصيبة نكرة جاءت في سياق النفي: «ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله به: إن لله وإن إليه راجعون» إلى آخر الحديث، «إلا أجره الله»، إلا أجره الله، فمصيبة هنا نكرة فهي تفيد العموم، فتشمل أي مصيبة. قال: "فهذا يشمل أي مصيبة كانت، وإن من قال هذا القول بصدق، لكن لابد أن يقول هذا القول بصدق واستحضار وإخلاص، وهكذا تمعن لألفاظ هذا الحديث وتفهم". قال: "وإن من قال هذا القول بصدق جمع الله له بين الخلف العاجل، عجل الله عز وجل بالخلف، أي يخلفه خيراً مما أخذ منه، والثواب العاجل والآجل، أي أثابه الله عز وجل عاجلاً وآجلاً على ما قال". قال: "والثاني"، أي الحديث الثاني الذي فيه البشارة، بشارة للصابرين والشاكرين، قال: «إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها». وهذا الحديث أيضاً أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه. قال الشيخ رحمه الله: "فهذا وعد بأن من حمد الله بعد الأكل والشرب حصل له من الله الرضا". انظر، تحمد الله عز وجل بعد الأكل أو الشرب، هذا الأكل أو الشرب الذي ربما تحتاجه في اليوم أكثر من ثلاث مرات، فلو أنك بعد كل أكلة أو كل شربة حمدت الله عز وجل، كان ذلك سبباً لرضى الله عز وجل لك بنص هذا الحديث، فلذلك قال: "فهذا وعد بأن من حمد الله بعد الأكل والشرب حصل له من الله الرضا، الذي هو أكبر من نعيم الجنة، فأهل الجنة لما يدخلون الجنة ويتنعمون بنعيمها يحل عليهم رضوان الله، فلا يفرحون بشيء أشد من فرحهم بذلك، فهو أعظم نعيم". قال: "وعموم العلة يقتضي أن جميع النعم إذا حصلت للعبد فحمد الله عليها حصل له هذا الثواب، ومعنى عموم العلة: يعني ما هي العلة في شكر العبد لله عز وجل بعد الأكل والشرب؟ لأنها نعمة، لأنها نعمة، فإذن هذا يعم أي نعمة، ليس الأكل والشرب فحسب، فإذا أحدث الله عز وجل لك نعمة فشكرت الله وحمدت الله عليها يرجى أن تدخل في عموم هذا الحديث أن يرضى الله عز وجل عنك". فهذا معنى قوله: "وعموم العلة يقتضي أن جميع النعم إذا حصلت للعبد فحمد الله عليها حصل له هذا الثواب، فاجتمع له نعمة الدنيا والدين، نعمة الدنيا بأن أعطي هذه النعمة من الماء البارد ومن الأكل والنعيم الذي يتلذذ به في هذه الدنيا، وأما نعيم الدين فهي عبادة، أن حمدت الله عز وجل على هذه النعمة فيرضى الله سبحانه وتعالى عنك". قال رحمه الله: "ومن لطفه أن العبد إذا استغنى بما أحله الله له عما حرمه، وتناول الحلال الملائم للنفوس بهذه النية كان له حسنات، كما قال صلى الله عليه وسلم حين ذكر أنواعاً من الصدقات، وقبل ذلك انظر إلى الفرق بين المؤمن الشاكر المحتسب وبين غيره، فالمؤمن الصابر المحتسب يجعل من المباح الحلال أجراً وحسنات إذا نوى النية الحسنة، إذا نوى النية الحسنة، هذا الأكل وذاك الطعام وذاك الجماع، إذا نويت به النية الحسنة من التقوي على طاعة الله، ومن إعفاف نفسك وأهلك، وإلى غير ذلك، فإنك تنال بهذه النية الأجر والثواب بنص هذا الحديث، فاستشعر مثل هذه المعاني". ولذلك قال: "كما قال صلى الله عليه وسلم حين ذكر أنواعاً من الصدقات، حتى قال: «وفي بضع أحدكم صدقة»"، والبضع يطلق على الجماع، ويطلق على الفرج نفسه، كما ذكر ذلك الإمام النووي رحمه الله تعالى، فقال: «وفي بضع أحدكم صدقة»، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر؟ قال: «أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر»"، فتبارك الكريم الوهاب. وهذا الحديث حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه في صحيح مسلم، في صحيح مسلم ذكر عدة من العبادات من التسبيح والتهليل والتحميد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى أن قال: «وفي بضع أحدكم صدقة». انظر، شهوة من طبيعة البشر وهو يميل إليها الإنسان بطبعه وخلقته، ومع هذا إذا احتسب النية الحسنة فإن له بذلك أجر، فإن له بذلك أجر، وهذا من معنى الشكر، ومن معنى كذلك تحقيق عبادة الله عز وجل، وأن العبادة ليست مقصورة في يعني أعمال معينة، وإنما حتى الحلال يستطيع العاقل اللبيب أن يحوله إلى أجر وثواب وحسنات، فنسأل الله عز وجل أن يوفقنا لما يحب ويرضى. وقد انتهى المؤلف من هذا الفصل، وفي الدرس القادم ننتقل إلى فصل آخر إن شاء الله تعالى، إلى هنا والله تعالى أعلم.