شرح كتاب تقريب التدمرية للشيخ العثيمين 7

شرح كتاب تقريب التدمرية للشيخ العثيمين 7

الدرس في شرح كتاب تقريب التدمرية للشيخ العثيمين 7، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تفنيد مذهب التفويض ومنهج السلف في آيات الصفات

يتناول تفنيد مذهب التفويض الذي يرى أن معاني آيات الصفات لا يعلمها إلا الله، ويبين منهج السلف الصالح في إثبات المعاني وتفويض الكيفية. السلف كانوا يمررون نصوص الصفات كما جاءت مع إثبات المعنى ونفي التحريف.

التأويل ومعانيه في القرآن والسنة

يشرح معاني التأويل الثلاثة في القرآن والسنة، حيث يشمل التفسير والوقوع والحقيقة، ويبين أن صرف اللفظ عن ظاهره دون دليل صحيح يعد تحريفًا للكلم عن مواضعه.

الفرق بين المحكم والمتشابه وبيان أنواع المتشابه

يتناول شرح المحكم والمتشابه في القرآن، ويبين أن المتشابه يمكن أن يكون حقيقيًا أو نسبيًا، حيث يشير النوع الحقيقي إلى ما لا يعلمه إلا الله، والنسبي إلى ما يشتبه على بعض الناس دون غيرهم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في هذه الرسالة النافعة الماتعة لشيخنا محمد صالح تيمين، رحمه الله تعالى، في كتاب تقرير تقريب التدمرية. وأخذنا عددًا من القواعد التي ذكرها رحمه الله بالخاتمة، واليوم إن شاء الله نشرع في التتمة لهذه القواعد. نعم، قول الإمام الشيخ العلامة محمد بن صالح، رحمه الله تعالى، تتمة بهذا التقرير الذي تبين به أنه لا يمكن أن يكون في القرآن شيء لا يعلم معناه إلا الله، يتبين بطلان مذهب المفوضة الذين يفوضون علم معاني آيات الصفات، ويدعون أن هذا هو مذهب السلف. وقد ضلوا فيما ذهبوا إليه، وكذبوا فيما نسبوه إلى السلف، فإن السلف إنما يفوضون علم الكيفية دون علم المعنى. وقد تواترت النقول عنهم بإثبات معاني هذه النصوص إجمالًا أحيانًا وتفصيلًا أحيانًا. فمن الإجمال قولهم: "أمروها كما جاءت بلا كيف". ومن التفصيل ما سبق عن مالك في الاستواء. قول شيخ الإسلام ابن تيمية في كتبه "درء تعارض العقل والنقل"، الجزء الأول، صفحة 16، المتبوع على هامش "منهاج السنة"، الجزء الأول، صفحة 212، تحقيق رشاد سالم: "وأما التفويض، فمن المعلوم أن الله أمرنا بتدبر القرآن، وحضنا على تلاوته وفهمه. فكيف يجوز مع ذلك أن يرد من الإعراض عن فهمه ومعرفته وعقله إلى أن يقال: 'على قول هؤلاء يكون الأنبياء والمرسلون لا يعلمون معاني ما أنزل الله عليهم من هذه النصوص، ولا الملائكة والسابقون الأولون'. وحينئذٍ يكون ما وصف الله به نفسه في القرآن، أو كثير من ما وصف الله به نفسه، لا يعلم الأنبياء معناه، بل يقولون: 'كلا من لا يعقلون معنى'. قلنا: معلوم أن هذا قد كذب في القرآن، والأنبياء إذ كان الله أنزل القرآن وأخبر أنه جعله هدى وبينًا للناس، وعهد الرسول أن يبلغ البلاغ المبين، وأن يبين للناس ما نزل إليهم، وعهد بتدبر القرآن وعقله. ومع هذا فأشرف ما فيه، وهو ما أخبر به ربه عن صفاته، أو عن كونه خالقًا لكل شيء، وهو بكل شيء عليم، أو عن كونه أمرًا ونهيًا وتوعدًا، أو عما أخبر به عن اليوم الآخر، لا يعلم أحد معناه، فلا يعقل ولا يتدبر، ولا يكون الرسول بينًا للناس ما نزل إليهم، ولا بلغ البلاغ المبين. وعلى هذا التقدير، فيقول كل ملحد ومكذب: 'ما علمته برأي وعقلي، وليس في النصوص ما يناقض ذلك، لأن تلك النصوص مشكلة متشابهة، ولا يعلم أحد معناها'. وما لا يعلم أحد معناه، لا يجوز أن يستدل به. فيبقى هذا الكلام سدًا لباب الهدى والبيان من جهة الأنبياء، وفتحًا لباب من يعارضهم، ويقول: 'إن الهدى والبيان في طريقنا، لا في طريق الأنبياء، لأننا نحن نعلم ما نقول، ونبينه بالأدلة العقلية، والأنبياء لم يعلموا ما يقولون، فضلًا عن أن يبينوا مرادهم'. فتبين أن قول أهل التفويض، الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف، من شر أقوال أهل البدع والإلحاد". انتهى كلامه، رحمه الله. هذا المبحث جعله رحمه الله تعالى تتمة للقاعدة التي قبلها، فيما يتعلق في التفويض، تفويض المعنى. ومر معنا أن أهل السنة والجماعة في المتشابه والمحكم، يقسمون المحكم إلى قسمين، والمتشابه إلى قسمين. ومن ذلك أن مما يفوض ويترك ما كان من الغيب، ومنه العلم بالكيفية، بما يتعلق بمبحث الصفات، على ما تقدم تفصيله وبيانه. ومن الخطأ أن يظن أن تفويض المعنى، المعنى مما أراده الله، ومما يكون به تعظيم أمر الله. وأعظم من هذا أن ينسب هذا إلى السلف الصالح. فهذه طريقة بدعية لم يكن عليها السلف الصالح، ولا العلماء، ولا الأمة. إنما جاء بها بعض المتأخرين. وأبان الشيخ رحمه الله تعالى هنا، نقلًا عما ذكره شيخ الإسلام، واختصارًا لما ذكر في الأصل، الجواب على هذه الشبهة لنسبة هذا القول إلى السلف الصالح. فللصواب أنها طريقة بدعية، ليست من طريق السلف، إذ طريقة السلف إمرار نصوص الصفات كما جاءت، وليس معناها إمرارها كما جاءت تفويض المعنى. فالمعنى أن يثبت اللفظ بمعنى لا يعترض عليه بتحريف ولا تعطيل ولا تكيف ولا تمثيل. هذا معنى قولهم: "أمروها كما جاءت". كما أن معنى قولهم: "بلا كيف" ليس معناه نفي المعنى وعدم إثباته، وإنما معناه تفويض الكيف، لأننا لا نستطيع الوصول إليه، لأنه من الغيب. وتقدم الكلام على هذا بما يغني عن الإعادة. وقد بين الشيخ رحمه الله هنا، في الأدلة الشرعية والعقلية، كيف أن هذا القول قول باطل، وأن الصواب أن يثبت اللفظ بمعنى. هذه طريقة القرآن والسنة، وما كان عليه الصحابة ومن تبعهم بإحسان من سلف الأمة والعلماء. ولا إمة. وما ينسب لبعض العلماء من أنهم يفوضون هذا، خطأ. وأعظم من هذا أن ينسب هذا للسلف. بعضهم نسب هذا للإمام أحمد، وهذا خطأ على الإمام أحمد، رحمه الله تعالى. لم يكن الإمام أحمد مفوضًا أبدًا، بل أمر بأن لا يتعد القرآن والحديث، وأن يثبت ما في القرآن والحديث. وأثبت لله عز وجل ما أثبت لنفسه من الأسماء والصفات. ومحنته في القرآن واضحة ظاهرة تدل على ذلك. وكتابه في الرد على الجهمية كذلك ظاهر في ذلك. وتوجد بعض العبارات عن بعض الأئمة فيها شيء من الالتباس، كما نقل في عقيدة المقدس في قوله: "بلا معنى". فبعضهم فهم منه إنه بلا معنى، أي نفي للمعنى أو تفويض للمعنى. وهذا غير صحيح، لأن العبارة غير صحيحة. والأصل أن العبارة إذا كانت غير صريحة، فإننا نحملها على أحسن المحامل، وخصوصًا إذا صدرت من إمام معروف بالسنة. ووجهت بتوجيهات توافق عقيدة مذهب أهل السنة والجماعة. ولا يجوز أن نحملها على المعنى الفاسد الذي عليه أهل الأهواء. فلا يصح أن نقول أن الإمام المقدس يرى بالتفويض، أو أنه أحال إلى السلف أنهم يقولون بالتفويض، إذ هذا ليس لفظه لا صريحًا ولا تلميحًا. وإنما جاءت عبارة موهمة، كغيرها من العبارات التي يحصل فيها الاشتباه. فيرد المتشابه إلى ماذا؟ إلى المحكم. يرد المتشابه إلى المحكم، فيكون بلا معنى فاسد، يعني من معاني أهل التعطيل. مثل "أمروها كما جاءت"، أي لا تعترض عليها بالمعاني الفاسدة، لا بتعطيل ولا تمثيل، لا بتحريف ولا تمثيل، ولا تكيف ولا تكييف كذلك. ثم قال رحمه الله: "فصل في التأويل". التأويل لغة: ترجيع الشيء إلى الغاية المرادة منه من الأول، وهو الرجوع. وفي الاصطلاح: رد الكلام إلى الغاية المرادة منه، بشرح معناه أو تحصيل مقتضاه. ويطلق على ثلاثة معانٍ. الأول: التفسير، وهو توضيح الكلام بذكر معناه المراد به. ومنه قوله تعالى: ﴿أَنَّ صَاحِبَكُمْ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ﴾، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل». وسبق قول ابن عباس رضي الله عنهما: "أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله". ومنه قول ابن جرير وغيره من المفسرين: "تأويل قوله تعالى"، أي تفسيره. والمعنى الثاني: ما آل الكلام إلى حقائقه. فإن كان خبرًا، فتأويله نفس حقائق المخبر عنه. وذلك في حق الله، كنه ذاته وصفاته التي لا يعلمها غيره. وإن كان طلبًا، فتأويله امتثال المطلوب. مثل الخبر، قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾، أي ما ينتظر هؤلاء المقدمون إلا وقوع حقائق ما أخبر به من البعث والجزاء. ومنه قوله تعالى: ﴿وَهَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾. ومثال الطلب، قوله عائشة رضي الله عنها: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَرَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي»، أي يمتثل ما أمره الله به في قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. والمعنى الثالث للتأويل: صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقتضيه. وإن شئت فقل: صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى يخالف الظاهر لدليل يقتضيه. وهذا استعمل كثير من المتأخرين الذين تكلموا في العقيدة ووسائلها. وهو الذي عنه أكثر من تكلم من المتأخرين في تأويل نصوص الصفات. فهل هو محمود أو مذموم؟ وهل هو حق أو باطل؟ والتحقيق: إنه إذا دل عليه دليل صحيح، فهو حق محمود يعمل به، ويكون من المعنى الأول للتأويل، وهو التفسير. لأن تفسير الكلام تأويله إلى ما أراده المتكلم به، سواء كان على ظاهره أو على خلاف ظاهره، ما دمنا نعلم أنه مراد المتكلم. مثل قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، فإن الله تعالى يخوف عباده بتعجيل أمره إلى المستقبل، وليس يخبرهم بأمر أتى وانقضى، بدليل قوله تعالى: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾. ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾، فإن ظاهره إذا فرغت من القراءة، والمراد إذا أردت أن تقرأ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ إذا أراد أن يقرأ، لا إذا فرغ من القراءة. وإن لم يدل عليه دليل صحيح، كان باطلًا مذمومًا، وجديرًا بأن يسمى تحريفًا لا تأويلًا. مثل قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، فإن ظاهره أن الله تعالى على العرش علوًا خاصًا يليق بالله عز وجل، وهذا هو المراد. فتأويله إلى أن معناه: "استولى وملك"، تأويل باطل مذموم، وتحريف للكلم عن مواضعه، لأنه ليس عليه دليل صحيح. هذا المبحث من المباحث المكملة والمتممة لما سبق، لما ذكر الكلام على المتشابه وما يلحق به من مباحث، ناسب أن يتكلم عن معنى التأويل، لأنه مرتبط بهذا المبحث. وكما أشار الشيخ رحمه الله، مما هو تقريب واقتصار للأصل، أن التأويل يأتي بثلاثة معانٍ، معنيان صحيحان دلت عليهما أدلة الكتاب والسنة. المعنى الأول: التفسير. والمعنى الثاني: الوقوع والحقيقة. وكل المعنيين ثابتين بأدلة الكتاب والسنة. وسمعنا أمثلتهما. والمعنى الثالث: وهو الذي في اصطلاح الكثير من المتأخرين، صرف المعنى أو صرف اللفظ من المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح. وهذا التعبير هو في اصطلاح المتأخرين. والصحيح أنه لا يوجد في الكتاب ولا في السنة ولا في اللغة العربية ما يدل أن التأويل يأتي بهذا المعنى. وكل مثال ضربه ووضعوه وزعموا أنه من معنى التأويل بهذا المعنى الثالث، الصحيح أنه من باب التفسير. يعني يرجع إلى المعنى الأول. وذلك أن الصحيح من أدلة الشرع في الكتاب والسنة، وكلام سلف الأمة، وما دلت عليه اللغة العربية وقواعدها وعلومها، أن الألفاظ العربية تأتي بمعاني كثيرة مع اللفظ الواحد، ويفهم المعنى بحسب السياق والسباق وما تحتفي به من قرائن. فقد يكون هناك معنى راجح يستعمل كثيرًا، يصرف إلى معنى مرجوح يستخدم قليلًا. لا يصح أن يسمى هذا تأويلًا، وإنما نقول: إنه تفسير. وهذا التفسير أخذ بنا ما احتف بهذا النص أو هذه اللفظة من قرائن أن نحمله على أحد معانيه. فقد ننصرف مما يستعمل كثيرًا إلى ما يستعمل قليلًا، بحسب ما يحتف به ويقترن معه، فيكون هناك قرينة وعلاقة. قرينة وعلاقة تصرف من المعنى المستخدم كثيرًا إلى المعنى المستخدم قليلًا. كالأسد بالحيوان المفترس، إذا أريد به الرجل الشجاع، لابد أن توجد قرينة وعلاقة تدل عليه. فإذا قيل: "رأيت أسدًا بيده رمح". في هذا السياق يعلم أن المراد به الرجل الشجاع، وليس المراد به الحيوان المفترس. فتفسيره بأنه الرجل الشجاع ليس بتأويل، بل هو تفسير. علم التفسير بالسياق والسباق والقرينة والعلاقة التي احتفت بهذه الجملة والكلمة على وجه خصوص. وهكذا قل في كل مثال زعم فيه هؤلاء المتأخرون أنه من التأويل. فباب التأويل طاغوت من الطواغيت التي أضلت الناس، كما ذكر ذلك الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه العظيم النافع الماتع "الصواعق المرسلة". فإن من الطواغيت العظام التي أضلت الكثير من فئات الناس: التأويل. فبتأصيل هذا التأصيل الباطل، فتحوا بابًا لتحريف الصفات، على زعم أنهم أرادوا بذلك التنزيه لله سبحانه وتعالى. وهذا باطل. وكل ما ادعي فيه التأويل، إن كان مثالًا صحيحًا، فيكون تفسيرًا. وإن كان مثالًا باطلًا، فيرد عليهم بما عندهم من الباطل. فمن الباطل ما مثل به الشيخ رحمه الله في مسألة الاستواء، فإنهم زعموا أن الاستواء يصرف عن لفظه الظاهر إلى ما زعموا أنه المعنى المرجوح الذي صار المصير إليه هو: "استولى". ويقال: هذا باطل، ليس في الكتاب ولا في السنة ولا عن سلف الأمة ولا في اللغة العربية أن نستوي بمعنى استولى. وكل ما ادعي فيه له جواب، كما هو مفصل في كتب العقائد، ومبسوط في موضعه. والصواب أن الاستواء يأتي بمعاني أربعة، أشار إليها الإمام ابن القيم رحمه الله وغيره من أهل العلم. وبعضهم يختصر الأربعة إلى اثنين. والواجب أن تمر معاني ألفاظ الصفات كما جاءت، لا تعترض بتحريف ولا تمثيل ولا تكيف ولا تعطيل. ثم قال رحمه الله: "فصل". إلا أن الله تعالى وصف القرآن بأنه محكم، وبيّن أنه متشابه، وبأن بعضه محكم وبعضه متشابه. فالأول كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾. والثاني كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾. والثالث كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾. فالإحكام الذي وصف به جميع القرآن: الإتقان والجودة في اللفظ والمعنى. فالفظ القرآن كلها في أكمل البيان والفصاحة والبلاغة. ومعانيه أكمل المعاني وأجلها وأنفعها للخلق، حيث تتضمن كمال الصدق في الأخبار، وكمال الرشد والعدل في الأحكام، كما قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾. والتشابه الذي وصف به جميع القرآن: هو تشابه القرآن في الكمال والإتقان والإتلاف. فلا يناقض بعضه بعضًا في الأحكام، ولا يكذب بعضه بعضًا في الأخبار، كما قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. والإحكام الذي وصف به بعض القرآن: هو الوضوح والظهور، بحيث يكون معناه واضحًا بينًا لا يشتبه على أحد. وهذا كثير في الأخبار والأحكام. ومثاله في الأخبار: قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾. فكل أحد يعرف شهر رمضان، وكل أحد يعرف القرآن. ومثاله في الأحكام: قوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. فكل أحد يعرف والديه، وكل أحد يعرف الإحسان. وأما التشابه الذي وصف به بعض القرآن: فهو الاشتباه، أي خفاء المعنى، بحيث يشتبه على بعض الناس دون غيرهم، فيعلمه الراسخون في العلم دون غيرهم. هذا المبحث كذلك تتمة لما سبق. وقد تقدم معنا معنى قريبًا: أن المحكم والمتشابه، منهما هو عام، ومنهما هو نسبي. وأن الآية قصرت بتفسيرين، حسب الوقف، القراءة السبعية في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾. فيكون هذا التأويل الذي اختص الله عز وجل به من الغيب، وما كان بمعناه من الكيفية والحقيقة والكنه والوقوع. وعلى القراءة السبعية الأخرى، كما تقدم الوقوف على قوله: "وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم". فيكون التأويل ها هنا المراد به المشتبه، تفسير المشتبه الذي يخفى على كثير من الناس، ولكن يعلمه أهل الرسوخ من العلم، بما علمهم الله سبحانه وتعالى. فيكون المتشابه هنا بمعنيين: المعنى النسبي الذي يعلمه البعض، وهم أهل الرسوخ، ولا يعلمه الكثير. والمعنى العام، وهو الذي لا يعلم أحد إلا الله سبحانه وتعالى، كما تقدم. فإذا علمنا ذلك، علمنا أن القرآن ليس فيه شيء يستطاع أن يقال: إنه متشابه لا يعلم تفسيره أحد أبدًا. بل كل ما في القرآن معلوم المعنى. إلا أن هذا المعلوم، منه ما هو ظاهر يعلم كل أحد، كالأمر بالصلاة والزكاة والصيام، وبر الوالدين، وغيره من الأوامر الشرعية. ومنها ما هو خفي، كالأحكام التي لا يعلمها إلا أهل الرسوخ، كدقائق أحكام المواريث، وكذلك الطلاق والنكاح، وغير ذلك مما يخفى. ومنه مباحث العقيدة. فبعض المباحث الدقيقة ما يعلمها إلا أهل الرسوخ، فهو من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم. أما الذي اختص الله عز وجل بعلمه: فهو ما كان من الغيب، أو معرفة الكيف والحقيقة والكنه. فبهذا يزول الإشكال، ويعلم أنه من الخطأ بمكان ادعاء أن في القرآن ما لا يعلم معناه. فهذا خطأ وكذب على كتاب الله، وعلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ثم قال رحمه الله تعالى: "موقفنا من اختلاف من اختلاف هذه الأوصاف، وكيفية الجمع بينها". موقفنا من اختلاف هذه الأوصاف، وكيف نجمع بينها؟ أن نقول: إن وصف القرآن جمعه بالإحكام، ووصفه جمعه بالتشابه، لا يتعارضان. والجمع بينهما: أن الكلام المحكم المتقن يشبه بعضه بعضًا في الكمال والصدق، فلا يتناقض في أحكامه، ولا يتكاذب في أخباره. وأما وصف القرآن بأن بعضه محكم وبعضه متشابه، فلا تعارض بينهما، لأن كل وصف وارد على محل لم يرد عليه الآخر. فبعض القرآن محكم ظاهر المعنى، وبعضه متشابه خفي المعنى. وقد انقسم الناس في ذلك إلى قسمين. والراسخون في العلم يقولون: "آمنا به كل من عند ربنا". وإذا كان من عنده، فلن يكون فيه اشتباه ضلال أو تناقض. ويردون المتشابه إلى المحكم. فصور ما أولو المتشابه إلى المحكم. وأما أهل الضلال والزيغ، فاتبعوا المتشابه، وجعلوه مثارًا للشك والتشكيك، فضلوا وأضلوا. وتوهموا بهذا المتشابه ما لا يليق بالله عز وجل، ولا بكتابه، ولا برسوله. مثل الأول: قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾، وقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، ونحوهما مما أضاف الله فيه الشيء إلى نفسه بصيغة الجمع. فاتبع النزرني وهاد التشابه، والداعي إلى تعدد الآلهة، وقال: "إن الله ثالث ثلاثة". وترك المحكم الدال على أن الله واحد. وأما الراسخون في العلم، فيحملون الجمع على التعظيم، لتعدد صفات الله وعظمها. ويردون هذا المتشابه إلى المحكم، في قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾. ويقولون للنزرني: "إن الدعوة التي ادعيت بها، وقع لك من الاشتباه، قد كفرك الله بها، وكذبك فيها". فاستمع إلى قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، أي كفروا بقولهم: "إن الله ثالث ثلاثة". ومثال الثاني: قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾، وقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. ففي الآيتين موهوم يتبعه من في قلبه زيغ، ويدعي بينهما تناقض، وهو النفي في الأولى، والإثبات في الثانية. فيقول: "في القرآن تناقض". وأما الراسخون في العلم، فيقولون: "لا تناقض في الآيتين". والمُراد بالهداية في الآية الأولى: هداية التوفيق، وهذه لا يملكها إلا الله وحده، فلا يملكها الرسول ولا غيره. والمراد بها في الآية الثانية: الهداية التامة، التي تكون من الله تعالى، ومن غيره، فتكون من الرسول، وورثته من العلماء الربانيين. ومثال ثالث: قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. ففي الآية ما يوهِم وقوع الشك من النبي صلى الله عليه وسلم مما أنزل إليه. فيتبعه من في قلبه زيغ، فيدعي أن النبي صلى الله عليه وسلم وقع منه ذلك. فيتعنت في رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما الراسخون في العلم، فيقولون: "إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقع منه شك، ولم يتراءَ في ما أنزل إليه". كيف وقد شهد الله له بالإيمان في قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾، وقوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. ويقولون: "إن مثل هذا التعبير: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾، لا يلزم منه وقوع الشك، بل ولا إمكان الشك". فإن الحكمة من كون بعض القرآن متشابهًا: أن يكون جوابًا لكل جاهل زائغ، يتبع ما تشابه منه، ليضرب كتاب الله تعالى بعضه ببعض، فيضل ويضل، ويكون إمامًا في الضلال والشقاء، فيفتن الناس في دينهم، ويوقعهم في الشك والحيرة، ويفتن بعضهم ببعض. فأما الذين في قلوبهم زيغ، فيتبعون ما تشابه منه، ابتغاء الفتنة، وابتغاء تأويله. وما يعلم تأويله إلا الله. والراسخون في العلم يقولون: "آمنا به كل من عند ربنا". وما يذكر إلا أولو الألباب: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾. هذا المبحث جعله رحمه الله تعالى في الكلام على مظاهر التناقض من الأدلة الشرعية، وهو تبع لما سبق من الكلام على المتشابه والمحكم. ويبينها هنا شيخنا رحمه الله تعالى. وقد تقدم معنا قريبًا لدرس أصول التفسير، ما يشبهه من مبحث يتعلق بآيات ظاهرها التناقض، والأمر ليس كذلك. فللصواب أننا نرد المتشابه إلى المحكم، كما أمرنا في شرع الله عز وجل. وضرب الشيخ رحمه الله تعالى ثلاثة أمثلة. وهذه الأمثلة كلها ظاهرة وواضحة في تقرير هذه القاعدة، وأنه لا تناقض في كتاب الله، ولا في أدلة السنة. بل التناقض هو بحسب ما يرد على ظن الناظر، لاختلاف الناس في فهمهم وعلمهم. وإلا فإن ما في القرآن كله محكم، ليس فيه شيء من التناقض. وقد سمعنا هذه الأجوبة في هذه الأمثلة الثلاثة، بما يغني عن الإعادة. وهكذا كل ما ادعي فيه التناقض، فإنه ليس كذلك، بل يرد المتشابه للمحكم، ويزول الإشكال. ثم ذكر الشيخ رحمه الله تعالى كذلك الحكمة من ورود المتشابه. وأشار الشيخ رحمه الله إلى بعض الحكم. ومر معنا قريبًا بدرس أصول التفسير، عددًا من الحكم، بما يغني عن الإعادة. فإن الحكمة كثيرة، منها ما ذكرها الشيخ، ومنها غيرها مما ذكره في كتبه الأخرى، مثل ما تقدم معنا في أصول التفسير، وما أضيف هناك كذلك، بما يغني عن الإعادة. فما قوله رحمه الله تعالى: "التشبه الواقع في القرآن نوعان: حقيقي ونسبي". فالحقيقي: ما لا يعلمه إلا الله عز وجل، مثل حقيقة ما أخبر الله به عن نفسه، وعن اليوم الآخر. فإن وإن كنا نعلم معاني تلك الأخبار، لا نعلم حقائقها وكنهها. كما قوله الله تعالى عن نفسه: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾، وقال: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾. وقال عما في اليوم الآخر: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وفي الحديث القدسي، الثابت في الصحيحين، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». فما أخبر الله به عن نفسه، وعن اليوم الآخر، فيه ألفاظ متشابهة تشبه معانيها ما نعلمه في الدنيا. كما أخبر عن نفسه أنه حي، علم، قدير، سميع، بصير، ونحو ذلك. ونحن نعلم أن ما دلت عليه هذه الأسماء من الصفات، ليس ممثلًا في الحقيقة لما للمخلوق منها. فحقيقتها لا يعلم معناها إلا الله. كما نعلم أن في الجنة لحمًا ولبنًا وعسلًا وماءً وخمرة، ونحو ذلك. ولكن ليس حقيقتها ذلك من جنس ما في الدنيا. وحينئذٍ لا يعلم حقيقتها إلا الله تعالى. والإخبار عن الغائب لا يفهم، إن لم يعبر عنه بالأسماء المعلومة معانيها في الشهد، ويؤلم بما في الغائب بواسطة العلم بما في الشهد، مع العلم بالفارق المميز. وأن ما أخبر الله به من الغيب أعظم مما يعلم في الشهد. وهدنه الذي لا يعلمه إلا الله، لا يسأل عنه لتعذر الوصول إليه. وأما النسبي: فهو ما يكون مشتبهًا على بعض الناس دون بعض، فيعلم منه الراسخون في العلم، ما يخفى على غيرهم. إما لنقص في علمهم، أو تقصير في طلبهم، أو قصور في فهمهم، أو سوء في قصدهم. وهذا النوع يسأل عن بيانه، لأنه يمكن الوصول إليه. إذ ليس في القرآن شيء لا يتبين معناه لأحد من الناس كيف؟ وقد قال الله عز وجل: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. وقال: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾. وقال: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾. وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾. وقال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾. ولهذا النوع أمثلة كثيرة في المسائل العلمية الخبرية، والمسائل العملية الحكمية. وغالب المسائل التي اختلف الناس فيها، أو كلها من هذا النوع. ومن أمثلة ذلك في المسائل العلمية الخبرية: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. حيث اشتبه على النفيين أهل التعطيل، ففهموا منه انتفاء صفة عن الله تعالى، ذنب منهم أن إثباتها يستلزم مماثلة الله تعالى للمخلوقين. فنفو عن الله تعالى ما وصف به نفسه، أو بعضه. وعرضوا عن الأدلة السمعية والعقلية الدالة على