المحاضرة بعنوان كلمة في افتتاح الدورة الحادية والعشرون بدار الحديث بالشحر، كلمة في افتتاح الدورة الحادية والعشرون بدار الحديث بالشحر يوم الجمعة 15 شوال 1444هـ الموافق 5 مايو 2023م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يُشيد الشيخ بالدورات العلمية التي تنظمها دار الحديث بالشحر، ويُبين أهميتها في تثبيت ثوابت الدين ونشر السنة. يُوضح أن هذه الدورات لها منافع كثيرة، منها شحذ الهمم لتحصيل العلم النافع والعمل الصالح.
يؤكد على أهمية إصلاح القلب والجوارح لتحقيق الإيمان الحقيقي والشخصية المثالية للمسلم، ويبرز دور العلماء في حفظ المجتمع من الشرور والآفات. يُحذر من محاولات فصل المجتمع عن علمائه وإثارة الفتن بين الدعاة والعلماء.
يُشدد على أهمية علو الهمة في طلب العلم والعمل الصالح، ويُناقش دور الدورات العلمية في معالجة مشكلات المجتمع وبناء الإنسان الصالح. يُسلط الضوء على قضايا مثل المخدرات والتغريب والإلحاد.
يمثل ختامًا لدرس أو حديث معين حيث يظهر الدعاء والتأمين عليه، ثم الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، وأخيرًا شكر المستمعين. يُظهر الختام أهمية الدعاء والصلاة على النبي في اختتام المجالس.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الصادق الأمين. أما بعد، فنحمد الله سبحانه وتعالى حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى. أن أحمده سبحانه الذي أنعم علينا بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، ونخصه سبحانه وتعالى بالحمد والثناء عليه بما هو أهله، على ما خصنا وأنعم علينا من نعمة الإيمان والإسلام، والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام. وذلك عظيم ما أنعم الله عز وجل علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. كما نحمده سبحانه الذي يسر لنا مثل هذه الدورات المباركة النافعة، التي يحيي الله عز وجل بها العبادة والبلاد، ويكون فيها زاد من العلم النافع والعمل الصالح للحاضر والباد. وهذا من عظيم نعم الله سبحانه وتعالى علينا، ونخصه سبحانه وتعالى بالحمد والثناء عليه بما هو أهله، على ما من علينا في هذه الدار الطيبة المباركة، دار الحديث بالشحر، بهذه الدورة الحادية والعشرين، هذه الدورة السنوية التي تعدت العشرين سنة، بفضل من الله سبحانه وتعالى، دورات علمية نفع الله عز وجل بها نفعا عظيما. فجزى الله خيرا كل من ساهم فيها بقليل أو كثير، بعلمه أو ماله أو جهده. وهذا من عظيم توفيق الله عز وجل أن يستعمل الله عز وجل من يختص ممن يشاء من عباده لمثل هذه الأعمال المباركة الطيبة النافعة، التي ينفع الله عز وجل بها العباد والبلاد. هذه الدورات العلمية، أيها الأحبة، لها منافع كثيرة وفوائد عديدة. لو لم يكن إلا ما فيها من شحذ الهمم لتحصيل العلم النافع والعمل الصالح، والتعرف على العقيدة الصحيحة والمنهج السليم، وما كان عليه سلف الأمة من الصحابة والتابعين من السير بسير نبينا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم، لكان هذا كافيا. فضلا عن المنافع الكثيرة التي تحصل، وينبغي أن يتعاون إدارة كل دورة في تحقيقها، سواء أكان من مدرائها، ومن مشرفيها، ومن كذلك مدرسيها ومقرئيها، وكل من له نوع ولاية ومسؤولية صغيرة وكبيرة في تحقيق هذه الأهداف والمنافع العظيمة الجليلة الكثيرة. فمن أعظم هذه الأهداف تثبيت ثوابت هذا الدين، التي ينبغي أن تقرر وتكرر بين الحين والآخر، على مجتمعاتنا التي كثرت فيها الفتن، فتن الشهوات والشبهات. فهذا التقرير وهذا التكرير سبب في تثبيت المجتمع بأفراده وجماعاته على ثوابت هذا الدين العظيمة، من تحقيق العقيدة الصحيحة، ونبذي ما ينافيها ويضادها من الشركيات والوثنيات، وغيرها مما ينافي التوحيد. وهكذا كذلك الاعتناء بلزوم السنة، ومعرفة ما يضاد ذلك من البدع والمحدثات التي ابتليت بها كذلك المجتمعات. فإن تقرير وتكرير مثل هذه الأمور العظيمة من ثوابت الدين، سبب بفضل الله سبحانه وتعالى، لانتشار السنة وأهلها. وهذا ما نراه بفضل من الله سبحانه وتعالى، فقد أثمرت هذه الدورات المباركة طيبة نافعة، آثارا عظيمة أثرت في المدن والحواضر، وأثرت في البوادي والقرى، ما كان سببا لحصول هذا الخير الذي نراه. فما نراه من انتشار السنة وأهلها، بفضل من الله سبحانه وتعالى، وظهور الحق وأهله، هذا قليل من كثير من آثار هذه الجهود المباركة الكثيرة المتتابعة، والتي منها هذه الدورات الطيبة المباركة. وهكذا كذلك تقرير وتكرير الأمر بلزوم الطريق المستقيم، والصراط القويم، الصراط المستقيم والدين القويم، الذي كان عليه نبينا صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم، وذلك من خلال إيجاد الإيمان الحقيقي والشخصية المثالية للمسلم والمؤمن، بصلاح الظاهر والباطن، بصلاح القلب والجوارح. فإن صلاح القلب من أعظم ما يعتني به هذا الدين، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين، في حديث النعمان: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». فإن الاعتناء بإصلاح القلب، وهكذا الجوارح، وإصلاح الظاهر، وهكذا الباطن، وهو أولى من الأمور العظيمة التي يصلح الله عز وجل بها المجتمعات، ويصلح العباد والبلاد. ومن ذلك تأكيد وتقرير وتكرير فضل طريق الصالحين، طريق أهل الجنة، والتهذير من طريق الأشرار والفجار، طريق أهل الجحيم والنار. فيتبين الحسن من القبيح، وحال الأبرار من الفجار، وحال المتقين كذلك من الأشرار. وهذا كله بما يكون من المواعظ، وكذلك الدروس والفوائد التي يحصلها من يوفقه الله لحضور مثل هذه الدورات الطيبة المباركة. ومن ذلك تقرير وتكرير ثابت عظيم من ثوابت هذا الدين، وذلك هو فضل العلماء والعلم. فإن فضل العلم والعلماء له شأن عظيم في التفاف المجتمع حول العلم وأهله، والذي يكون به حياطة لهذا المجتمع، وحماية من سائر الشرور الآفات التي ترد عليه. ولهذا كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في صحيح مسلم وغيره: «أن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء، كلما مات نبي خلفه آخر، وأن هذه الأمة ليس فيها إلا نبينا صلى الله عليه وسلم، ختم الله عز وجل به الرسل والأنبياء، ولكن كما جاء عنه عليه الصلاة والسلام في السنن وغيره: «ألا إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذ بحظه منه أخذ بحظ وافر». فالعلماء ورثة الأنبياء. فعلماء هذه الأمة كأنبياء بني إسرائيل، يسوسون هذه الأمة ويحفظونهم، فينبهون هذه الأمة من الكثير من الشرور والآفات. فكم من المخططات الخبيثة والدعوات الهدامة يبين عوارها ويكشف ضررها العلماء، فبهذا يقطعون على أعداء هذا الدين كل ما يوصلهم إلى ما فيه الضرر بالإسلام والمسلمين. فربط المجتمع وطلبة العلم خصوصا بالعلماء، من أعظم أسباب النجاة من الفتن، وهو يعتبر حصنا حصينا يحصن المجتمعات مما يرد عليها من أنواع الشرور والآفات. ولهذا يحرص أعداء هذا الدين على فصل المجتمع عن علمائه، وإثارة الفتن بين الدعاة والعلماء، ليشككوا في فضل العلماء. والواجب على العقلاء أن يحفظوا للعلماء منزلتهم وكرامتهم وفضلهم، وأنه لو قدر حصل هناك شيء من الخلاف أو الشقاق، فينبغي أن ينزل منزلته الصحيحة بكلام العلماء الراسخين العارفين المنصفين، الذين ينزلون الخلاف بمنازله الصحيحة. فما بين أهل السنة من خلاف من راجح ومرجوح، يقتضي ويستلزم الأدب وحسن الأخوة، وبقاء المنزلة والكرامة، بما يكون به بقاء الخير في المجتمع. وما كان من خلاف مع أهل البدع والأهواء والضلالات، فينبغي كذلك أن ينزل منزلته الصحيحة، وكل ذلك يعرف عبر العلماء. أيها الأحبة، هذه الدورات تعتبر سلما يتدرج فيه المسلم عموما، وطالب العلم خصوصا، في طريق العلم والإيمان الذي به يقوى دينه، ويتدرج في الرقي بإيمانه وإسلامه حتى يصل إلى أعلى الدرجات. فالعلم النافع والعمل الصالح من أعظم ما ينبغي أن يحرص عليهما المسلم، ولا يتوصل إليهما بشيء مثل علو الهمة، كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه «بدائع الفوائد»: «ما معناه العلم والعمل توأمان، وأمهما علو الهمة، والجهل والبطالة توأمان، وأمهما إيثار الكسل». وبه نعرف، معاشر طلبة العلم، أن من أعظم ما يعين على العلم والعمل علو الهمة، أن تكون عند طالب العلم نهمة وهمة عالية تعينه على تحصيل العلم النافع والعمل الصالح. وأن من أعظم أسباب الحرمان والدخول في دائرة الجهل والبطالة إيثار الكسل والخور الذي به يكون الضعف. ولهذا لا ترى فردا ولا مجتمعا موفقا للعلم النافع والعمل الصالح، إلا وتجد آثار علو الهمة ظاهرة، من البكور في تحصيل العلم، والسهر الليالي في تثبيته محفوظا ومفهوما، وغير ذلك من معاني ومباني هذا العلم، وكذلك أبواب العمل. فلذلك، أيها الأحبة، ينبغي أن تكون من الدروس دروسا في آداب الطلب، وفي شحذ الهمم، وشيء من سيرة السلف في تحصيل العلم وهممهم العالية. وهكذا من منافع وفوائد هذه الدورات المباركة معالجة مشكلات المجتمع الأسرية، وهكذا كذلك المشكلات التي تمر بالشباب، والمشكلات التي تمر بجوانب التعليم والتربية، وغير ذلك من المشكلات الكثيرة. ومن ذلك المشكلات التي عمت بها البلوة، وتحتاج إلى وقفة مجتمعية يكون فيها تعاون بين ولاة الأمر والمصلحين، حتى تعالج تلك المشكلات الكبيرة، كمشكلة المخدرات وملحقاتها، التي بدأ ظهور آثارها السيئة على شبابنا ومجتمعاتنا، مما يستدعي وقفة بل وقفات في علاج مثل هذه المشكلات. وهكذا كذلك مشكلة التغريب والتشكيك بهذا الدين، ولوثة الإلحاد الجديدة التي بدأت تظهر بصور متعددة وحالات متكررة، مما يستدعي وقفة لحماية المجتمع من مثل هذه الآفات. وهكذا كذلك، أيها الأحبة، من عظيم منافع وفوائد هذه الدورات أنها سبب في بناء هذا الإنسان، ليس من الناحية الدينية فحسب، بل كذلك من الناحية المجتمعية. فإن الإنسان إذا أقبل على العلم النافع والعمل الصالح، كان إنسانا صالحا مصلحا ينفع الله عز وجل به. وهذا من منافع وفوائد إنزال الكتب وإرسال الرسل، وتقرير هذه الديانات التي أرسل الله عز وجل بها الأنبياء والرسل، وختم بها بدين الإسلام الذي لا يقبل الله عز وجل دينا سواه، برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإن العقلاء والمصلحين والمنصفون كلهم متفقون أن بناء الرجال أعظم من بناء البلدان. فكم من بلاد فيها من الحضارة وفيها كذلك من الثروات، لكنها بغير الرجال. عندما نقول الرجال، ليست الأجساد كالأشباح، ولكن الرجال الذين هم بمعنى الكلمة، عندهم من معاني الكمال النسبي ما يكون به الحفاظ على المجتمع وإصلاحه والرقي به. وإلا فقد يوجد في بعض المجتمعات من الرجال من يكون سببا في هدم ذلك المجتمع، فهم معاول هدم لا بناء، وهم وصمات عار وشنار لا فخر، كالذين سقطوا في مستنقعات الرذيلة والفواحش والجريمة. فهؤلاء محلهم السجون والمصحات، لأنهم يحتاجون من العلاج والإصلاح ما يكف به شرهم عن المجتمع. فوجودهم ضرر وليس بنفع، ولكن المقصود من وجودهم نفع. فهذه الدورات المباركة في الحقيقة عون للعباد والبلاد والمجتمع وولاة الأمر في بناء الإنسان المثالي الذي ينفع الله عز وجل به حيثما وضع. فإن وضع في التعليم كان معلما صالحا، أو التربية كان مربيا موفقا، أو الإدارة كان مديرا ناصحا، أو الأمانة كان أمينا صادقا. وكل هذا يعين على الوصول إليه مثل هذه الدورات ونظائرها، مما يبنى به هذا الإنسان. فلذلك نحث أنفسنا والجميع على الاستمرار في هذا الخير والازدياد منه، وكذلك الجد والاجتهاد فيه. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجزي الجميع خير الجزاء، ونكرر الشكر لكل من كان سببا في هذا الخير. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم مفاتيح خير، وأن ينفع بهذه الدورة المباركة، الدورة الحادية والعشرين في دار الحديث بالشحر، وأن يجعلها سببا في الخير للعباد والبلاد. اللهم آمين. وإلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم، وجزاكم الله خيرا.