التعليق على الجواب الكافي 8

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 8، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حكم الدعاء إذا كان الأمر قد قدر

يتناول المقطع حكم الدعاء إذا كان الأمر قد قدر، ويرد على اعتقاد بعض أهل التصوف أن الدعاء لا فائدة منه إذا كان الأمر قد قدر. الدعاء سبب من الأسباب التي يجعل الله فيها المطلوب.

انتقاد آراء بعض الفرق حول التوكل والدعاء

يناقش المقطع آراء بعض الفرق حول التوكل والدعاء، ويبين جهلهم وعدم فهمهم لدين الله عز وجل. ينتقد آراءهم حول عدم الأخذ بالأسباب واعتبار الدعاء مجرد عبادة أو علامة مجردة.

أهمية الدعاء كسبب لقضاء الحاجات والعبادة

يُناقش المقطع أهمية الدعاء كسبب لقضاء الحاجات، ويُؤكد أن الله تعالى قدر الأشياء بأسبابها. الدعاء هو العبادة ويعتبر أمرًا عظيمًا، تركه يعني تفويت خير كثير.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الحافظ ابن قيم رحمه الله تعالى: فصل، وها هنا سؤال مشهور، وهو أن المدعو به إن كان قدَر لم يكن بد من وقوعه، دعا به العبد أو لم يدع، وإن لم يكن قد قدر لم يقع، سواء سأله العبد أو لم يسأله. هنا هذا الدعاء مثل الاعتراض، أو هذا السؤال مثل الاعتراض عند بعض أهل التصوف الذين غلوا في التصوف، وقالوا: إن المدعو به إن كان قدَر لم يكن بد من وقوعه، دعا به العبد أو لم يدع، فلا بد أن يقع، وإن لم يكن قد قدر لم يقع، سواء سأله العبد أو لم يسأله. وهذا جهل، كما سيبينه المؤلف رحمه الله. قال: فظن الطائفة صحة هذا السؤال، فتركت الدعاء، وقالت: لا فائدة فيه. وهذا قد وجد عند بعض أهل التصوف، واستدلوا بقصة باطلة، يقولون: إن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، نبي الله إبراهيم، لما دخل في النار، جاءه الملائكة، فأرادوا منه أن يدعو الله، فقال -معنى هكذا يقولون في هذه القصة المكذوبة-: «علمه بحالي أغنى عن سؤال». أي: أن الله عز وجل عالم بحالي، فلا أسأله. وهذا كلام باطل، وقصة باطل استدلوا بها على ترك الدعاء، وأن الله عز وجل يعلم ما في أحوالهم، فلهذا يتركون الدعاء بهذه الشبهة، وهذا جهل. فلو كان كذلك، لم تُتخذ هذه الأسباب، فالدعاء سبب، كما سيبينه المؤلف، سبب من الأسباب التي يجعل الله فيها هذه الأمور والوقائع. وإن كان قد قدر، فهو قدر مع الدعاء، قدر مع الدعاء، لما دعا العبد، قدر له وحصل له المطلوب. قال: «وقالت: لا فائدة فيه». وهؤلاء مع فرط جهلهم وضلالهم متناقضون، فإن طرد مذهبهم يوجب تعطيل جميع الأسباب. أنا لو كان أخذنا بهذا المذهب، فمعنى ذلك أنه يعطل جميع الأسباب. فإذا كان الدعاء لا فائدة فيه لوقوع الأمور، فيقال لأحدهم: إن كان الشبع والري قد قدر لك، فلابد من وقوعهما، فلماذا تأكل ولماذا تشرب؟ فهذا الشبع والري قد قدر لك، فلابد من وقوعهما، أكلت أو لم تأكل، وشربت أو لم تشرب. فهذا على قياس قولهم: «وإن لم يقدر لم يقع، أكلت أو لم تأكل». قال: «وإن كان الولد قد قدر لك، فلابد منه، وطئت الزوجة أو الأمة أو لم تطأ». وإن لم يقدر ذلك، لم يكن. معنى على مذهبهم: هذا الأمر معنى: إن كان قدر الله عز وجل لك الولد، فسيقدره حتمًا، سواء كان وطئت زوجة أو أمة أو غير ذلك، أو لم تطأ، ولم تفعل شيء. وهذا كلام لا يقوله عاقل، وهؤلاء تركوا الأسباب، وظنوا أن التوكل بدون أسباب، التوكل بدون أسباب. وهذا فرق لجهلهم، ولعدم أيضًا تعلمهم، لأن هؤلاء غالبًا ما يتعلمون، وإنما ينهمك أحدهم في العبادة دون علم، مثل ما كان يفعل النصارى. قال: «وإن لم يقدر ذلك لم يكن»، فلا حاجة إلى التزوج والتسري وهلم جراء. فهل يقول هذا عاقل أو آدم؟ بل الحيوان البهيم مفطور على مباشرة الأسباب التي بها قوامه وحياته. فالحيوانات أعقل وأفهم من أولئك الذين هم كالأنعام، بل هم أضلوا سبيلًا. قال: «وتكايس بعضهم»، أي: ادعى الفطنة، وادعى الحزم، وادعى أنه أعقل من هؤلاء، وهو منهم أيضًا. قال: «وتكايس بعضهم، وقال: الاشتغال بالدعاء من باب التعبد المحض، يثيب الله عليه الداعي من غير أن يكون له تأثير في المطلوب بوجه ما». أي: يقول الآن: إن الدعاء هو عبادة، عبادة يتعبد بها فقط، ليس أن هذا الشيء يحصل بسبب الدعاء، مثلًا الإنسان المريض يدعو الله عز وجل أن يشفيه، هذا سبب، لكن هم يقولون: لا، هذا ليس سببًا يؤثر، سواء دعوت أو لم تدع، لكن الدعاء عبادة تدعو بها الله عز وجل. وهذا أيضًا جهل مركب. قال: «فقال: من غير أن يكون له تأثير في المطلوب بوجه ما، ولا فرق عند هذا المتكيس بين الدعاء وبين الإمساك عنه بالقلب واللسان في التأثير في حصول المطلوب». معنى أنه لا دخل للدعاء في حصول المطلوب، وارتباط الدعاء عندهم به ك ارتباط السكوت. ولا فرق هؤلاء بسبب جهلهم قالوا مثل هذا، مع أن الله عز وجل يقرر في القرآن: أن أنبياءه ورسله كانوا يدعونه، ويرون أثر هذا الدعاء، ومن قرأ سورة الأنبياء يرى ذلك. فالله عز وجل ذكر الأنبياء، وذكر دعوتهم، واستجابته لهم بعد دعوتهم، وهم أفضل الناس وخير الناس عند الله جل وعلا. قالوا: «قال الطائفة أخرى: أكيس من هؤلاء، بل الدعاء علامة مجردة، نصبها الله سبحانه وتعالى أمارة على قضاء الحاجة». وهؤلاء أرادوا الأشاعرة، لأن الأشاعرة لا يؤمنون بالأسباب، ويقولون: إنها علامات فقط، وأمارة. وهذا أيضًا جهل بدين الله عز وجل. قال: «بل الدعاء علامة مجردة، نصبها الله سبحانه وتعالى أمارة على قضاء الحاجة، فمتى وفق الله العبد للدعاء، كان ذلك علامة له، وأمارة على أن حاجته قد انقضت». وهذا كما إذا رأيت غيمًا أسود باردًا في زمن الشتاء، فإن ذلك دليل وعلامة على أنه يمطر. قالوا: وهكذا حكم الطاعات مع الثواب، والمعاصي مع العقاب. أي: يقولون: هذه إمارات وعلامات فقط، وليس لها تأثير في العقل، ليس لها تأثير في العقل. وهم أرادوا أن يفروا من مسألة الأسباب، وأنه ليس هناك أسباب تقوم بمسبباتها، وقالوا: إن هذه من الله فقط، وليس لها سبب. قال: والصواب أو ها هنا قسمًا ثالثًا غير ما ذكره السائل، وهو أن هذا المقدور قدر بأسباب، هذا المقدور الذي حصل، وقضاء الحاجة التي حصلت، قدرت بأسباب، ومن أسباب الدعاء. فلم يقدر مجردًا عن سببه، ولكن قدر سببه. لكن الله عز وجل قادر أن يجعل المسبب بدون سبب، هذا شيء من عند الله عز وجل. لكن الإنسان يفعل هذا الأمر، فهو ليس بصحيح، ويتخذ طريقة صحيحة، أنه يريد الأشياء بدون أسباب، يريد أن يشفيه الله عز وجل بدون أن يدعو، يريد مثلًا أن يسافر بدون أن يتخذ زادًا معه، مثل ما كان يفعل بعض أهل اليمن، كما قال الله عز وجل: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. فقال ابن عباس: كان بعض أهل اليمن يذهبون بدون زاد إلى الحج، ويقولون: نحن متوكلون. فهذا غلط، فليس هذا التوكل، التوكل هو الأخذ بالأسباب. فكذلك هذا الدعاء لابد فيه، أو الدعاء هو من الأسباب التي يقضى بها الحاجات. ولهذا طلبه الله عز وجل من عباده، طلبه الله عز وجل وجوبًا من عباده. قال: «فلم يقدر مجردًا عن سببه، ولكن قدر سببه، فمتى أتى العبد بالسبب، وقع المقدور، ومتى لم يأت بالسبب، انتفى المقدور». وهذا كما قدر الشبع والري بالأكل والشرب، وقدر الولد بالوطء، وقدر حصول الزرع بالبذر، وقدر خروج نفس الحيوان بذبحه. أي: إذا ذبحوا خرجت روحه. أما يريد مثلًا أن يموت الحيوان وتزهق روحه بدون أن يذبح؟ فهل هذا كلام عاقل؟ قالوا: وكذلك قدر دخول الجنة بالأعمال، ودخول النار بالأعمال. وهذا القسم هو الحق، وهذا الذي حرمه السائل، ولم يوفق له. قالوا: حينئذ فالدعاء من أقوى الأسباب، فإذا قدر وقوع المدعو به بالدعاء، لم يصح أن يقال: لا فائدة في الدعاء، كما لا يقال: لا فائدة في الأكل والشرب، وجميع الحركات والأعمال. وليس شيء من الأسباب أنفع من الدعاء، ولا أبلغ في حصول المطلوب. فربنا جل وعلا جعل هذا الدعاء صلة بينه وبين العبد، وارتباط بين العبد وربه جل وعلا، لقضاء حوائجه، ولتيسير أموره، وأيضًا كذلك لمناجاة الله جل وعلا. فجعل هذا الدعاء أمرًا عظيمًا، فمن ترك هذا الدعاء، فقد ترك خيرًا كثيرًا، وترك السبب الذي وصله إلى الله، السبب الذي وصله إلى الله. لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الدعاء هو العبادة». وسيقرر المؤلف رحمه الله هذا المطلب فيما سيأتي إن شاء الله أكثر. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.