الدرس في التعليق على الجواب الكافي 62، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الذنوب والمعاصي تؤثر سلبًا على سير القلب إلى الله وتسبب الانتكاسة وتضعف قوته. كما تؤدي إلى الهم والحزن والعجز والكسل وغيرها من الآثار السلبية.
النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ من الهم والحزن والعجز والكسل، وهذه الاستعاذة مهمة لتحاشي الآثار السلبية للذنوب. جعل هم الآخرة نصب العين يحقق الغنى الحقيقي والرضا بقضاء الله.
الذنوب والمعاصي تسبب البلاء والشقاء، ومن أسباب ذلك الجبن والبخل وضلع الدين وقهر الرجال. النبي صلى الله عليه وآله وسلم استعاذ من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وسلم. أما بعد، قال مؤلف كتاب «الفوائد» رحمه الله تعالى -وهو الإمام ابن القيم- في فصل من كتابه: ومن عقوبات الذنوب والمعاصي أنها تضعف سير القلب إلى الله والدار الآخرة، أو تعوقه، أو توقفه وتقطعه عن السير، فلا تدعوه يخطو إلى الله خطوة. هذا إذا لم ترده إلى الوراء، يعني إذا ضعف سير القلب إلى الله والدار الآخرة تعوقه وتقطعه عن السير. وغالبًا أنه يرجع إلى الخلف، فتدخل عليه أشياء تعوقه عن ذلك. وهذه غالبًا ما تكون الانتكاسة التي ينتكسها العبد، يكون مستقيمًا على طاعة الله، ثم تغلبه المعاصي والشهوات فيرتد عن هذه الطاعة. ليس يرتد عن الإسلام، وإنما يرتد عن الطاعة، فتجد أغلب وقته في المعاصي، أو أنه يتباطأ في الطاعات. وهذا غالبًا يكون بداية هذا الانتكاس، تجد بطء في الطاعات جدًا، إن صلى صلى آخر الناس، وكذلك إن كانت هناك طاعة تجد أنه يفعلها آخر شيء يفكر فيه إذا خلا قلبه من المعاصي، غيرها فكر في الطاعة. هذا إذا كان فيه خير. وأما إذا انقطع قلبه تمامًا، فهذا غالبًا يذهب هذا القلب إلى ما يخالف مرضاة الله جل وعلا. قال: «فالذنب يحجب الواصل، ويقطع السائر، وينكس الطالب». والقلب إنما يسير إلى الله بقوته، فإذا مرض بالذنوب ضعفت تلك القوة التي تسير به، ولهذا تذهب أولًا لذات الطاعة، يفعل الطاعة ولا يجد لها لذة، وكأنه يمارس عادة. صلوات يصليها كأنه يمارس عادة اعتادها، فلا يجد لذة للطاعة ولا للعبادة، بخلاف اللذة التي يجدها بالمعاصي. فلذة تعوقه عن السير إلى الله، وتُمرض قلبه. قال: «فإن زال ذلك بالكلية قطعًا يبعد التدارك، والله المستعان». قال: «فالذنب إما أن يميت القلب، أو يمرضه مرضًا مخوفًا، أو يضعف قوته، ولا بد». وهذا كله بسبب الذنوب والمعاصي، إما أنها تميت القلب، فيظلم عليه القلب، ويعلوه الرين، فلا يجد إلا ما أشرب من هواه، أن يتبع شهوته. أو يكون ليس ميتًا، لكنه يمرض مرضًا مخوفًا، ممكن أنه يموت في أي لحظة؛ لأنه انهمك في هذه المعاصي وترك الطاعات. أو يضعف قوته، ولا بد أن تذهب تلك اللذة وتذهب تلك المسارعة في الطاعات، فتجده بطيئًا في طاعة الله، مسارعًا في معصيته. قال: «حتى ينتهي ضعفه إلى الأشياء الثمانية التي استعاذ منها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهي الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين، وغلبة الرجال». قالوا: كل اثنين منها قرينان. فالهم والحزن قرينان. وهذا قد جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه استعاذ من هذه الأشياء. بل جاء في الصحيحين في حديث أنس: «لما طلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أبي طلحة أن يعطيه أحدًا من غلمان يخدمه، فعاتبه أنس، فجاءت به أمه إليه». وقال أنس رضي الله عنه: «فسمعته -يعني النبي صلى الله عليه وسلم- كثيرًا ما يقول: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين، وغلبة الرجال». فهذه الأشياء تتسلط على العبد إذا عمل بالذنوب. فهَمُّه الذي يهمه ليس هم الآخرة، وإنما هم الدنيا. والهم والحزن غالبًا بالمعنى واحد، إلا أن المراد بالهم هم ما يستقبله، على ما يكون من الأمور المستقبلية. فتجده يهتم قلبه كيف يفعل كذا، كيف يأتيه الرزق، كيف أيضًا يلحق بأولئك أصحاب الدنيا، فيصير عنده اهتمام بهذا وهم يهمه في قلبه. مثل كثير من الناس الآن، إذا قل عنده التوكل على الله، وهذا أيضًا بسبب ضعف القلب بالذنوب. فتجده مثلًا يهتم بمعيشته، كيف سيُربي أولاده، كيف يأتيهم بالرزق، كيف كذا وكذا، فتجده مهمومًا بقلبه، أنا مهموم لهذه الأمور، فيصيبه الهم والنكد، ولا يشرح صدره لله عز وجل. وهو يعلم أن الله عز وجل هو الخالق، وهو الرازق سبحانه وتعالى. كما رزقه في انخفاض الأسعار، سيرزقه الله عز وجل أيضًا في ارتفاعها. أن بعضهم، لأن عنده همًا عظيمًا عندما ترتفع الأسعار، وكأنه لا يرزق. فلهذا تجد همه أكثره في الدنيا. قال: «من كان همه الآخرة، جعل غناه في قلبه، وجمع الله شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة». «ومن كانت الدنيا همه، فرق الله شمله، وجعل فقره بين عينيه، ومهما أوتي من الدنيا، فتجد أنه لا يزال فقيرًا، يلحث وراء هذه الدنيا». وجاء في حديث معقل قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «قال الله عز وجل: ابن آدم، تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى، ويدك رزقًا، ولا تباعد عني، أملأ قلبك فقرًا، ويدك شغلًا». لأنه ينشغل من حيث لا شغل لديه، لكن ينشغل عن أمور الآخرة، ويتفرغ لأمور الدنيا، ولا يأتيه إلا ما كتب له من هذه الدنيا. قال: «فالهم والحزن قرينان، فإن المكروه الوارد على القلب، إن كان من أمر مستقبل يتوقعه، أحدث الهم، وإن كان من أمر ماضي قد وقع، أحدث الحزن». يعني يحزن لأجل الدنيا، فاتته أشياء من الدنيا. لو كنت فعلت كذا لكان كذا، فيحزن على أشياء فاتته من هذه الدنيا. والعجز والكسل قرينان، فإن تخلف العبد عن أسباب الخير والفلاح، إن كان لعدم قدرته، فهو العجز. تخلف العبد عن الأسباب، أسباب الخير وأسباب النجاح، فإن كان لعدم قدرته، فهو العجز. أنا أعضائي لا تقدر على ذلك، فهذا العجز. فاستعاذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم من العجز الذي يمنعك عن الخير وعن أسبابه. قالوا: وإن كان لعدم إرادته، فهو الكسل. الكسل أن الكسل أعظم من العجز، لماذا؟ لأن الكسل يستطيع الإنسان أن يفعل هذا الفعل، وأن يتخذ هذه الأسباب، لكنه يكسل لأجل هذا المرض الذي في قلبه. وأما العجز، فيغلق الله عز وجل عليه الأبواب، فلا يستطيع أن يتخذ هذه الأسباب لأجل أمور هي التي منعته. والجبن والبخل قرينان، فإن عدم النفع منه، إن كان ببدنه، فهو الجبن، وإن كان بماله، فهو البخل. أن الجبن عدم النفع بالبدن، والبخل عدم النفع بالمال. فالجبن لا ينفع نفسه، ولا ينفع غيره لأجل جبنه. وهذا كما ذكر الله عز وجل: ﴿خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الأنبياء:37]، ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج:20-21]. فتجد أنه يجزع ويخاف في أمور الدنيا إذا أصابته، ويجبن عن الإقدام ببدنه، سواء كان في الجهاد في سبيل الله، أو في نفع الناس، أو في غيره. وغالبًا يكون أنانيًا، شحيحًا على نفسه أن يقدم في هذه المواقف. وكذلك أيضًا شحيح بماله، وهو البخل، شحيح بماله لا ينفع أحدًا بماله. وضلع الدين وقهر الرجال قرينان، فإن الدين الغالب عليه إن كان بحق، فهو من ضلع الدين. ضلع الدين أي ثقله، ثقله على الشخص حتى يغلب عليه ويقهره. فإن كان هذا ضلع الدين معناه بحق، أي أنه عليه دين لأناس قد حل أجلهم، فهم يطالبونه. فهذا هو ضلع الدين وثقله عند المطالبة به، ولا يجد الإنسان ما يسدد هذا الدين. فلهذا استعاذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم من هذا من ضلع الدين. وقهر الرجال هو استيلاؤهم بالباطل، أن يجعلهم يطالبونه وهم على باطل، يطالبونه بمال ليس لهم شيء منه، فهذا يعتبر من قهر الرجال. فيطالب بمال ليس عليه أصلا، لكن يقهر بذلك. قالوا: المقصود أن الذنوب من أقوى الأسباب الجالبة لهذه الثمانية، أن يسلط الله عز وجل عليك عدوًا، إما أن يأخذ مالك، أو يأخذ نفسك. وكذلك أيضًا ما يصيبك من هذه الأمور، إما الهم، أو الحزن، أو العجز والكسل، والجبن والبخل، وغيرها، تحصل بسبب هذه الذنوب والمعاصي، فيقوى على قلبه، أو يمرض بمثل هذه الأمراض. قالوا: المقصود أن الذنوب من أقوى الأسباب الجالبة لهذه الثمانية، كما أنها من أقوى الأسباب الجالبة لجهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء. كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أيضًا كما في البخاري يستعيذ من هذا. سفيان عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة: «كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يستعيذ من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء». إلا أن واحدة من هذه الأربع زادها الزهري، وزادها سفيان بن عيينة. والظاهر أنها سوء القضاء، وقيل أنها شماتة الأعداء. لكنها في هذا المضمار جهد البلاء الذي يصيبه، ودرك الشقاء معناه عندما يشقى، يشقى بسبب ما اقترفه من الذنوب والمعاصي. لكن يستعاذ من هذه الأمور: جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء. وسوء القضاء معروف، معناه يساء القضاء عليه، إما يفتقر، أو تصيبه آفة في ماله، أو في نفسه، أو كذلك أيضًا شماتة الأعداء، يشمت به كل عدو. كما قال بعض السلف: «إنكم تستعيذون من شماتة الأعداء، والإنسان يشمت بنفسه بسبب ذنوبه». شمت به أعداؤه بسبب أنه يأتي هذه الذنوب. قال: «فهذه الأشياء أيضًا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يستعيذ منها؛ لأجل أنها عقاب من الله تكون عقابًا من الله جل وعلا في هذا العبد غالبًا». فهذا إن شاء الله تعالى ما يذكر، والله تعالى أعلم.