الدرس في شرح نخبة الفكر 30، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
العلو المطلق هو قلة عدد الرجال بين الراوي والنبي، وهو أفضل لأنه أقرب إلى النبي وأقل عللاً. العلماء يحرصون على العلو لما فيه من تقريب إلى النبي واطمئنان للقلب.
العلو المطلق هو الأقرب إلى النبي، والعلو النسبي هو القرب من إمام أو عالم كبير. العلماء يحرصون على العلو في سند الحديث لما له من أهمية في صحة الرواية.
المقطع يشرح مصطلحات مثل الموافقة والبدل والمساواة والمصافحة والنزول. هذه المصطلحات مهمة في علم الحديث لمعرفة المتابعات والمجهول والانقطاع في الأسانيد.
الأقران هم من يتساوون في السن أو اللقاء مع الشيء الذي يروونه. مشاركة الراوي في السن أو اللقي مع من روى عنه تعتبر من علامات كونهم أقرانا.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله، وصحبه، ومن والاه. ما بعد. قال المؤلف رحمه الله: فإن قل عدده، إما أن ينتهي إلى النبي عليه الصلاة والسلام، أو إلى إمام ذي صفة عليّة كالحفظ والفقه والضبط والتصنيف، كشعبة. أنا كشعبة إمام ذي صفة عليّة. صفة عليّة معنى إما في الحفظ والفقه، أو الضبط والإتقان. فالأول العلو المطلق، والثاني النسبي. العلو المطلق: فالحديث العالي هو ما قل رجاله إلى النبي عليه الصلاة والسلام. هذا علو مطلق. ما قلت رجاله بالنسبة لغيره، ما قلت رجاله بالنسبة لغيره لأحاديث الراوي يكون يسمى علوا مطلقا. فالعلو المطلق هو قلة الرجال بين الراوي والنبي عليه الصلاة والسلام. ولهذا كان السلف رحمه الله يحبون العلو؛ لأنه أقرب إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك أقل عللا أو أقل ضعفا. يعني كلما قلت الرجال، كلما قلت العلل في الحديث، وكلما كثر الرجال، كلما كثرت العلل في الحديث. فلهذا العلو أفضل؛ أفضل من هذه الناحية. لهذا كان السلف -كما قلنا- يحبون العلو، حتى قيل لأبي زكريا يحيى بن معين: ماذا تتمنى في هذه الحياة؟ أي شيء الذي تريده في هذه الحياة؟ قال: بيت خال، وإسناد عال. بيت خال؛ لأجل أن يتعبد الله عز وجل فيه، وإسناد عال؛ لأجل أن يقرب من النبي عليه الصلاة والسلام، ويكون حديثه عال. ولهذا اجتهد العلماء والرواة الحديث في تلقي العلو، بل أكثر الرحلات التي تنشأ غالبا من شأنها العلو؛ حتى يدرك أناسا من الكبار في تلك المنطقة. صحيح، لا نقول نحن أن نية العلماء هي العلو فقط، لا. نية العلماء العلو والحديث أيضا؛ لأنهم يرون أن فلانا -مثلا- من المشايخ عنده إسناد عال، وهذا الإسناد العالي يقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضا يقلل من الحديث. معنى يكون أقرب إلى القلب، واطمئنانا للقلب. فلهذا -مثلا- يرحلون من أماكن بعيدة إلى أماكن بعيدة؛ لأجل أن يتلقوا عن أناس من الكبار ممن أدركوا. ولهذا كان سفيان الثوري يتمنى أن يذهب إلى الزهري يأخذ حديثه، لكنه لم يجدهم. وقال: كفانا المؤنة أبو عروة. أنا يريد معمر بالمثنى. فلهذا فالعلماء اهتموا بالعلو، خاصة المتأخرون منهم. حتى أنه إذا علم أن إنسانا عنده حديث -معنى حديث بعلو- تجد أنهم يزدحمون عليه، ويأتيه الناس من كل الأقطار. ولهذا اشتهرت بعض الأجزاء بالعلوم، كجزء الغيلانيات لمحمد بن عبد الله الشافعي، وجزء طراد، وجزء بيبي، وجزء أيضا غيرهم. الأجزاء التي كانوا يتنافسون عليها. بل من الطريف أن بعض أهل الحديث من محبتهم للعلو كان يفعل بعض القصص التي لا ينبغي أن تفعل، لكن شهوة الحديث أطغت عليهم. حتى أن رجل يقال له محمد بن سعيد بن عصيدة رأى رجلا كبيرا في السن، وفي بيت تركه في عوالي بغداد. ثم جاء إلى هذا الشايب وحفظه بعض الأحاديث: حدثنا أحمد، حدثنا كذا. معنى جاء لهم بأحاديث. معنى قد يكون غير موجود من يروي هذه الأحاديث. ثم جاء أصبح في المجلس يقول: حدثنا فلان. أن يريد هذا الشايب عن فلان عن فلان عن فلان. معنى يأتي بأعمدة كبار. استغرب الناس: من أين هذا؟ من أين جاء بهذا الرواية؟ يا هذا محمد بن سعيد. قال: هذا راوي نزل في عوالي المدينة. من أراد أن يذهب إليه يذهب. فذهب أهل الحديث وازدحموا عليه، فكان يحدث بهذا الحديث. لكن بعض الحديث الذين يعرفون هذا الحديث رأى أن الرجل متلك في الحديث، ليس من حفظة الحديث. فاستغرب، واستغرب أيضا روايته عن هؤلاء الكبار. معنى هؤلاء قد... معنى قد يكون أنه ما أدركهم. فجاء إليه وهو محمد بن علي الأبار، وقال له: يا عم، من أين سمعت هذه الأحاديث عن هؤلاء؟ فلما رأى أنه واجه بهذا، ما استطاع أن يكذب. فقال: والله ما سمعت هذه الأحاديث، ولا أعرف هذه الأحاديث. وإنما جاءني محمد بن سعيد وأعطاني هذه الأحاديث، وقال: أحدث بها. معنى الرجل لما رأى الناس اجتمعوا عليه، أعجبه هذا الأمر. فهذا كله من شهوة الحديث وإرادة العلوم، وحصلت قصص كثيرة بسبب هذه الأمور. معنى قد يكون هؤلاء لرقة الدين، أحيانا يفعل هذا. وإن كانوا حفاظا كبارا، لكن أحيانا البدعة تؤثر على صاحبها. فهذا محمد بن سعيد بن عقدة كان حافظا كبيرا، لكنه كان شيعيا، وأيضا عنده قد يكون شيء من عدم الوازع. فلهذا تحصل منه مثل هذه الأشياء. المهم أن هذا العلو كان الناس يبحثون عنه، ولم يسمعوا برجل كبير قد سمع من الكبار إلا وتسارعوا إليه. وهذا يدل على محبتهم لهذا العلو. طيب هذا علو المطلق إذا كان إلى النبي عليه الصلاة والسلام. ثم قال: والثاني النسبي. وهذا إذا كان إلى إمام من الأئمة ذي صفة عليّة. وعلى إما إمام في الفقه، إمام في الحفظ، إمام في الإتقان، إمام في التصنيف. كهؤلاء الأئمة كشعبة، ومالك، والشافعي، والثوري، وابن المبارك، وأحمد، وغيرهم من هؤلاء الأئمة كالبخاري ومسلم. هذا يعتبر نسبي بالنسبة إلى هذا الإمام. وممكن بعد ذلك يكون بينه وبين هذا الإمام وبين النبي صلى الله عليه وسلم ممكن خمسة، ستة. ما في شيء. لكن معنى قرب هذا الشخص أو هذا الراوي من هذا الإمام -مثلا- يروي عنه بواسطة واحد، هذا يسمى علوا. أو يروي عنه بدون واسطة، هذا يسمى علوا. ولهذا لما قيل للإمام أحمد -كما ذكرنا قبل-: قيل إمام أحمد: تترك رواية سفيان ابن عينة وتذهب إلى هذا الفتى. أنا عندك الآن سفيان. فرصة عظيمة. سفيان الثوري أو سفيان ابن عينة أقصد. عمر. ولحقه الناس. فيقول للشافعي: الآن تترك سفيان ابن عينة عالم أهل الحجاز وتذهب إلى الشافعي طالب من طلابه. فقال الإمام أحمد رحمه الله: إن فاتني حديث سفيان بعلو أدركه بنزول. إن فاتني بعلو كيف فاتني بعلو؟ معنى أني لم أخذه منه. إن فاتني قال حديث سفيان بعلو أدركه بنزول. معنى أصحابه موجودون في كل مكان. أصحاب سفيان أستطيع أن آخذ منهم الحديث. قال: لكن إن فاتني عقل هذا الفتى، لعل لا أدركه أو لا أدرك مثله. فلهذا فالعلو له أهمية، ولو كان علوا نسبيا إلى إمام. ثم قال رحمه الله: فيه الموافقة، وهي الوصول إلى شيخ أحد المصنفين من غير طريقه. معنى أن يصل إلى شيخ أحد المصنفين -مثلا- عبد الرزاق أو أقصد من مثلا قتيبة بن سعيد شيخ البخاري. فالآن يأتي أحد المصنفين -مثلا- كالبيهقي أو غيره، فيأتي بهذا الحديث من طريق قتيبة، لكن ليس من طريق البخاري. ليس من طريق البخاري، لكن من طريق أخرى. فيعتبر هذا موافقة. يعني كأنه وافق البخاري في الرواية عن شيخه. سمى هذه موافقة. قال: وفيه البدل، وهو الوصول إلى شيخ شيخه. كذلك البدل يصل إلى -مثلا- مالك. لا يصل إلى قتيبة، لكن يصل إلى مالك من طريق -مثلا- مسلم عن عبد الله بن القعنبي عن مالك. والبخاري يرويه هذا الحديث من طريق قتيبة عن مالك. وهو الآن يلتقي مع البخاري في مالك، لكن من طريق أخرى. وهذا الذي يفعله أهل المستخرجات. هؤلاء أهل المستخرجات الذين ألفوا في المستخرجات كالمستخرج على البخاري لابن نعيم، وكذلك المستخرج على البخاري للإسماعيلي. هو من أعظمها. وأيضا المستخرج على صحيح مسلم لجماعة من أهل الحديث، منهم المشهور أبو عوان الإسفرايني. فهذه المستخرجات كيف يفعل؟ يأتي بالحديث نفسه، لكن ليس من طريق المؤلف. يأتي من طريق أخرى. يستفاد منها المتابعات. يستفاد منها -أحيانا- معرفة المجهول. يستفاد منها معرفة الانقطاع. يستفاد أشياء كثيرة ذكرها الحافظ في النكت. معنى فوائد المستخرجات. وذكر فوائد كثيرة للمستخرجات. فلهذا فالمستخرج يأتي بالحديث إما يوافق المصنف، أو يكون بدلا عن أن يوافقه في شيخ شيخه. قالوا: فيه المساواة، وهي استواء عدد الإسناد من الراوي إلى آخره. معنى الاستواء. مثلا الإمام النسائي رحمه الله يروي حديثا بينه وبين النبي عليه الصلاة والسلام عشرة. فيأتي الحافظ بن حجر ويروي نفس الحديث عن نفس الصحابي، فيرويه أيضا بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عشرة. فهذا يسمونها مساواة. قال: وفيه المصافحة، وهي الاستواء مع تلميذ ذلك المصنف. معنى لا يستوي معه، يستوي مع تلميذه. مثلا ابن السني روى عن النسائي. فمثلا النسائي -كما قلنا- روى حديثا معنى عشرة رجال بينه وبين النبي عليه الصلاة والسلام. وروى الحافظ ابن حجر أيضا نفس الحديث بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عشرة. بالنسبة الآن لتلميذه تلميذ المصنف. معنى يعتبر بينه وبين الحافظ ابن حجر -مثلا- تلميذ النسائي ابن السني. ابن السني الذي روى سنن النسائي الصغرى. معنى بينه الآن وبين الحافظ ابن حجر كأنهم معا في وقت واحد، وكأنهما يتصافحان. فهذا يسمى المصافحة. قال: ويقابل العلو بأقسامه النزول. وهذا هو الصحيح الذي رجح الحافظ في بعض كتبه أن العلو لابد له النزول. أن العلماء بعضهم يقول: لا، لا يلزم أن لكل علو النزول. قد نقول: صحيح أنه لا يلزم لكل حديث عال نزول، هذا ممكن. لكن ليس لكل علو نزول، لا. لابد. هذا شيء نسبي. فنحن ما حكمنا على هذا علو إلا لأنه بالنسبة لغيره نزول. فلهذا فكل علو يقابله النزول. يعني يقابل العلو بأقسامه النزول. معنى هناك نزول أيضا مثل الأقسام هذه. قال: فأنت شارك الراوي ومن روى عنه في السن واللقي، فهو الأقران. طيب إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا. والله تعالى أعلم.