الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 408، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح هذا الفصل أقوال العلماء في رواة الحديث مثل عفان بن مسلم وحمد بن سلمة، ويبين مدى إتقانهم وضبطهم للحديث. كما يشير إلى بعض الانتقادات لبعض الرواة.
يفسر هذا الفصل حديث الضيافة وحدودها، حيث يبين أن الضيافة ثلاثة أيام وما بعدها يعتبر صدقة. ويستدل به بعض العلماء على وجوب الضيافة ثلاثة أيام.
يناقش هذا الفصل حكم الضيافة ومدتها، حيث يبين أن الضيافة يوم وليلة حق واجب، وثلاثة أيام مستحبة. ويشرح اختلاف العلماء في هذا الحكم بين سكان المدن والقرى والبدو.
يبرز هذا الفصل أهمية إكرام الضيف في الإسلام، حيث يعتبر من الكرم وخاصة لمن يؤمن بالله واليوم الآخر. ويعد إكرام الضيف من الأخلاق الحميدة التي حث عليها الدين.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه أجمعين. بعد ذلك، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: "الصحيح المسند ما ليس بصحيحين". قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "حدثنا عفان". وعفان هو ابن مسلم الصفار، أبو عثمان البصري، كان من المتقنين في الحديث، حتى قال الإمام أحمد: "إليه المنتهى في التثبت". وكان الإمام أحمد يسميهم "أصحاب الشكل" الذين يضبطون كتبهم، عفان وحبان بن هلال، وكذلك بهز بن أسد، كانوا يضبطون كتبهم. ولهذا كان عفان إذا شك في الحرف ترك الحديث، وهذا لإتقانه وأنه ما يحدث بحديث إلا وهو متقن لحفظه. قال: "حدثنا حمد". وغالبًا إذا جاء حمد بعد عفان فهو حمد بن سلمة، أبو سلمة البصري القرشي مولاه، فهو حمد بن سلمة بن دينار، أبو سلمة البصري، إمام من أئمة السنة في البصرة، وهو أيضًا كثير الحديث، حافظًا له، إلا أنه حصل له شيء من الوهم أو الوهام التي حصلت له، خاصة عندما نقل حديث أحاديثه التي سمعها إلى أجزاء أو إلى مصنفات صنفها في التوحيد وفي غيره، فكان نقله من حفظه، فلهذا وهم. لهذا يقول الإمام أبو الزكريا: "ومن سمع من حمد بن سلمة من أجزائه فسماعه صحيح، ومن سمع من حمد بن سلمة من مصنفاته ففيها أوهام". قال عن قتادة: "وراوية حمد عن قتادة فيها شيء". لكن ليس المراد فيها شيء أنها ضعيفة، وإنما فيها شيء من الأوهام التي حصلت للحمد، وخاصة إذا جمع في الشيوخ، تجد أنه لا يميز بين رواية المشايخ فيجمعهم، ولا يميز بين رواياتهم، فهذا يرويه مرسلًا، وهذا مسندًا، وهذا يذكر مثلًا رجلًا آخر، فلا يميز بينهم. ولهذا عيب عليه أيضًا هذا الأمر. وأيضًا مما عيب على حمد بن سلمة أيضًا أنه اختلط في آخر عمره اختلاطًا يسيرًا. قال عن قتادة وسعيد الجريري، سعيد بن عياس الجريري، قتادة بن دعامة السدوسي، كان آية في الحفظ، إنه يسمى "المصحف"، فمصحف أهل البصرة قتادة، ومصحف أهل الكوفة الأعمش، من شدة حفظهم. قال عن أبي نظرة، وهو المنذر بن مالك بن قطعة البصري، أبو نظرة البصري، قال عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: "أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: الضيافة ثلاثة أيام، فما كان بعد ذلك فهو صدقة". قال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم". قال: "والحديث خرجه عبد بن حميد، فقال رحمه الله: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن سعيد الجريري عن أبي نظرة به". وعبد بن حميد هو الكشي أبو محمد، له كتاب المسند، وله أيضًا التفسير، وله المنتخب من المسند، وكذلك المنتخب من التفسير. والظاهر هنا أراد المسند، مسند عبد بن حميد أو المنتخب. قال: "وخرجه البزار كما في كشف الأستار، من طريق حمد بن سلمة به". ثم قال: "أي الهيثم في كشف الأستار". أو قد يكون البزار، الظاهر البزار صاحب كتاب البحر الزخار. وأما كشف الأستار فهذا للهيثم، أخرج زوائد البزار التي على الأمهات الست. فقال: "أي البزار: تفرد به حمد". وهو معروف به، أي تفرد بهذا الحديث حمد بن سلمة، لكن هذا التفرد ليس صحيحًا، أي القول بأنه تفرد، لأنه كما ذكر هنا الشيخ: "أن عبد بن حميد رواه عن عبد الرزاق عن معمر عن سعيد الجريري". ومعنى ذلك أنه لم يتفرد به، لكن تفرد به عن قتادة. قال: "كذا قال". وأنت ترى أن معمر قد تابع حمدًا كما عند عبد بن حميد، إنه تابعه في روايته عن سعيد الجريري. وسعيد بن إياس الجريري واحد، ولكن قتادة ممن روى عنه قديمًا كذلك معمر. هذا الحديث: "الضيافة ثلاثة أيام، فما كان بعد ذلك فهو صدقة". هذا الحديث قد أخرجه البخاري، وكذلك مسلم، من حديث أبي هريرة، وكذلك من حديث بشير الكعبي. ولا حديث بشير الكعبي في الحديث الطويل: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه". الضيافة ثلاثة أيام، وجائزته يوم وليلة. قال: "وما جائزته يا رسول الله؟ قال: يوم وليلة". فالضيافة ثلاثة أيام، والجائزة يوم وليلة. مراد الجائزة الإكرام، أن ما كان عندك من إكرام فأكرمه في أول يوم يأتي الضيف، أكرمه فيه ما عندك من إكرام. أنت إذا أردت أن تكرم الضيف فأكرمه في أول يوم وليلة. فمثلًا إنسان عنده بعض المال، فخرج عليه الضيف، فالأفضل أنه يكرمه في أول يوم، يذهب مثلًا يأتي له بلحم، يأتي له بشيء من هذه فيكرمه. والضيافة ثلاثة أيام، فما كان بعد ذلك فهو صدقته. وجاء في حديث أبي هريرة: "حق الضيافة ثلاثة أيام". حق الضيافة ثلاثة أيام، فما سوى ذلك فهو صدقته. واستدل بعض العلماء، وهم الظاهرية، بقوله صلى الله عليه وسلم: "فهو صدقته". قالوا: يدل على أن الضيافة تجب ثلاثة أيام، الواجب أن الضيف يضيف ثلاثة أيام، فما بعد ذلك صدقته. لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم بعد ثلاثة. قال: "الضيافة ثلاثة أيام، وجائزته". قالوا: "وما جائزته يا رسول الله؟ قال: يوم وليلة". ولا يحل له، أي لا يحل للضيف أن يأوي عنده أكثر من ثلاث، حتى يحرجه. وفي رواية: "حتى يؤثمه". أي لا يجلس عنده أكثر من ثلاثة أيام، إلا إذا كان علم أن صاحب البيت يحب ذلك، أو أنه أحضره، قال له: "اجلس عندي ما بدا لك". أو رغب صاحب البيت في الجلوس، في الجلوس الضيف عنده، فهذا ما في شيء. أما أنه يجلس هكذا أكثر من ثلاثة أيام، فهذا يضعه في الحرج، قد ينفذ عنده ما عنده من الطعام، وقد يكون ما عنده ما يشتري به شيء يضيف به ضيفه، فهذا يحصل. فلهذا لا يقيم عنده أكثر من ثلاثة أيام حتى يحرجه. وكما قلنا: قال الظاهرية: إنه الواجب ثلاثة أيام. وأما الجمهور، فعندهم أن الضيافة مستحبة وليست واجبة. الضيافة مستحبة وليست واجبة، لكن القول بالاستحباب بعيد، لأن النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث أبي شريح، وفي حديث آخر: "حق الضيف يوم وليلة". أو قال: "يوم الضيف". الضيافة يوم وليلة حق واجب على كل مسلم. قال: "حق واجب على كل مسلم". هذا يدل على الوجوب. ولهذا ذهب أحمد في المشهور عنه أن الضيافة الواجبة هي يوم وليلة، وأن حق الضيف، أي من باب كرامته، ومن باب حقه كمسلم، ثلاثة أيام ولياليهن. ومما يدل على وجوب الضيافة أن النبي عليه الصلاة والسلام أذن لأصحابه أنهم إذا دخلوا قرية أو دخلوا منطقة، فلم يقروهم، فإنهم لهم أن يأخذوا قراهم. يقروهم لم يضيفوهم، أن إذا دخلوا قرية فأرادوا الإقراء، معنى الضيافة، فلم يضيفوهم، فلهم أن يأخذوا قراهم. وهذا يدل على أن هذا الأمر واجب. لكن ما مدى الوجوب؟ قال: "يوم وليلة" عند أحمد رحمه الله. قال: "يوم وليلة". لكن قال: "لأصحاب البدو والقرى الذي يجب الضيافة عندهم أصحاب البدو وأصحاب القرى". أما أصحاب المدن، فيستحب هكذا، فصل الإمام أحمد رحمه الله: "أن أصحاب المدن لا تجب عليهم الضيافة، لأن المدينة غالبًا يدخلها الناس من كل مكان، فلهذا فلا يعتبر ضيفًا". وأيضًا من هو الضيف؟ ليس كل من يوجد مثلًا في المنطقة هو ضيف. الضيف الذي يأتيك، معنى الضيف الأصل أنه يأتيك إذا لم يعين أحد، وهو في قرية صغيرة أو عند بدو، فيلزمهم أن يضيف. أما إذا كان عين أحد، حتى ولو كان في مدينة، فإنه يعتبر ضيفًا، فلهذا يضيفه يوم وليلة واجب، حق واجب، وثلاثة أيام من باب الحق العام أنه مسلم، وبعد ذلك يكون صدقة له، من باب الاستحباب. فهذا خلاصة ما يذكر في هذا. وأيضًا قبل هذا، أنه أيضًا من السنة كما ذكرنا قبل الإكرام: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه". فليكرم ضيفه، وليس معنى التكلف. فقد جاء في حديث سلمان أنه قال: "نهينا عن التكلف". جاء في رواية للضيف: "نهينا عن التكلف للضيف". أي لا ينبغي له أن يتكلف شيئًا ليس عنده، أو مثلًا يذهب يستدين، وهو لا ليس عنده ما يؤدي هذا الدين، فيدخل نفسه في الدين وكذا لأجل أن يكرم ضيفًا. لكن الكرام بما عنده، إن كان عنده مال، هو حقه، معناه يملكه. وإن كان مثلًا سيضغط على نفسه، فهذا يعتبر من باب الكرام، من باب إكرام الضيف. وإن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه. والله تعالى أعلم.