الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 697، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المقطع حديث ابن عباس رضي الله عنهما الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم كلمات تتضمن حفظ الله، التوكل عليه، وأن النفع والضر بقضاء الله وقدره. ويناقش الشيخ مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله أسانيد الحديث وطرقه، ويرجح صحته بتعدد الروايات وشهادة العلماء كابن رجب وابن الجوزي لعظم فوائده.
يوضح المقطع أن الحديث النبوي الشريف يتضمن فوائد عظيمة منها تعليم الصغار العقيدة الصحيحة ومنهج مراقبة الله، وبيان معنى «احفظ الله يحفظك» بأنه حفظ محارم الله فيحفظك الله وينصرك. ويوجه «إذا سألت فاسأل الله» بإخلاص السؤال لله وحده كما كان يفعل الصحابة في أدق أمورهم.
يؤكد المقطع وجوب الاستعانة بالله في كل عبادة وعمل، مستدلاً بالقرآن والسنة، وأن توفيق العبد مرهون بإعانة الله له. ويختم بعقيدة القدر بأن لا نفع ولا ضر إلا بما كتبه الله، فترتبط القلوب بالله وحده.
يشرح المقطع أن الحديث يعني أن كل شيء قد قُدر وكُتب عند الله من أعمال العباد وآجالهم ومصائرهم، فقد رفعت الأقلام وجفت الصحف بما هو كائن إلى يوم القيامة. ويشير إلى أن لهذا الحديث فوائد عظيمة وقد شرحه علماء مثل الحافظ ابن رجب وغيره.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: حدثنا أحمد بن محمد بن موسى، قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا ليث بن سعد وابن لهيعة عن كلاهما عن قيس بن الحجاج، قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، فقال الترمذي أيضا بإسناد آخر عن الليث: قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، قال: أخبرنا أبو الوليد، قال: أخبرنا ليث بن سعد، قال: حدثني قيس بن الحجاج، المعنى واحد، عن حنش الصنعاني، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوما، فقال: «يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف». قال: هذا حديث حسن صحيح. قال أبو عبد الرحمن: هو حديث صحيح لغيره، رجاله رجال الصحيح إلا قيس بن الحجاج، وقد قال أبو حاتم إنه صالح. وأقول: أي شيخ رحمه الله يقول لفظة «صالح» لا يرتفع بها إلى الحسن، ولكن الحديث له طرق أخرى إلى ابن عباس كما أشار إليها الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم، وهذا الإسناد لا بأس به في الشواهد، وقد جاءت أيضا كما قال الشيخ أسانيد أخرى إلى ابن عباس من غير طريق حنش، وإن كان فيها انقطاع أيضا، لكن هذه الأسانيد تشهد بعضها لبعض، والحديث صحيح. وهذا الحديث حديث عظيم، فيه فوائد كثيرة، حتى ذكر ابن رجب عن بعض العلماء أنه قال: تأملت فوائد هذا الحديث فأدهشني. وذكر هذا الكلام ابن الجوزي رحمه الله في كتابه المدهش، والظاهر أن ابن رجب أراد كلام ابن الجوزي، أنه قال: تأملت في فوائد هذا الحديث فأدهشني على من كثرة فوائده. فوائد كثيرة، وقد ألف بعضهم أجزاء في فوائد هذا الحديث، ألف جزءا في فوائد هذا الحديث، لأنه حديث احتمل على عدة مسائل وعدة فوائد من أوله إلى آخره، وكل جملة فيه فيها فوائد عظيمة. فقوله: «يا غلام، إني أعلمك كلمات»، فيه تعليم الصغار، وأن المسلم يهتم بتعليم الصغار دينهم، وخاصة عقيدتهم، ففي هذا الحديث غرس العقيدة الصحيحة التي ينبغي أن تكون عند كل مسلم. وأيضا كذلك فيه غرس المنهج الصحيح الذي يسير عليه المسلم في حياته، وأنه يراقب الله عز وجل في أموره، فيحفظ الله جل وعلا في محارمه: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك»، أي أنك إذا حافظت على شرعه ودينه، وحافظت على أن لا تعصيه، وألا تخالف أوامره، إلا ما يحصل فيتوب العبد ويستغفر، فهذا من حفظ الله عز وجل. «احفظ الله» أي احفظ محارمه، أي لا تنتهك محارم الله جل وعلا، كما جاء في الحديث: «احفظ الله ولا تنتهك محارم الله فتكون أعبد الناس». فقال: «احفظ الله تجده تجاهك»، أي أنه يؤيدك سبحانه وتعالى، إذا حفظته كان مؤيدا لك، كان نصيرا لك، وكان أيضا في اتجاهك الذي تريده، معنى في الاتجاه الذي تريده تلقى الله عز وجل مؤيدا لك ونصيرا لك. «إذا سألت فاسأل الله»، أي جعل سؤالك لله، لا تسأل غيره، ولو في الأمور العادية، كما كان يفعل بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، بل قد بايع النبي صلى الله عليه وسلم بعض الصحابة على هذا، فقال: «إذا سألت فاسأل الله»، فكان أحدهم يسقط العصا من راحلته فلا يسأل أحدا أن يأتي به، وهذا من كمال طاعة الرجل، وكذلك غناه عن غير الله جل وعلا، أو أنه استغنى بالله عن غيره، استغنى بالله جل وعلا عن غيره، فإذا سأل سأل الله جل وعلا. قد كان الصحابة رضي الله عنهم كما قالت عائشة يسألون الله عز وجل حتى في شسع النعل، وجاء في حديث آخر حتى في البلح، فيسألون الله جل وعلا كل شيء. «وإذا استعنت فاستعن بالله»، أي توكل على الله عز وجل، فالله عز وجل يعينك إذا استعنت به، ولا يصلح عبادة وطاعة إلا بالاستعانة بالله جل وعلا، وقد قال الله عز وجل: ﴿ إِي: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله». فلابد من الاستعانة بالله، فإن العبد إذا عانه الله وفق، وإذا تركه لنفسه فإنه يهلك، ولهذا في الحديث يدعو العبد: «اللهم برحمتك أستغيث، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، لا تكلني إلى نفسي طرفة عين»، أي اجعلني في حفظك وفي إعانتك، فالإعانة من الله جل وعلا توفيق منه سبحانه وتعالى، وكل عبادة تحتاج إلى إعانة، وكل عمل يحتاج إلى إعانة من الله جل وعلا، فمن أعانه الله في طاعاته وفي أعماله فهو على خير، ولهذا كان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «لا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك». ولهذا جاء عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه قال: تأملت الأدعية التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فأعظمها طلب الإعانة من الله جل وعلا. قال: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك»، وهذه عقيدة عظيمة، وهي من عقيدة القدر، وأن العبد يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن هذه الأمة كلها لو اجتمعت لم ينفعوا أحدا بشيء إلا بشيء قد كتبه الله لك، فكل الأمر من الله سبحانه وتعالى، فيتعلق العبد قلبه بالله جل وعلا، ويعلم أن كل شيء منه سبحانه وتعالى، فلا يلتفت إلى غيره. «وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف». «رفعت الأقلام وجفت الصحف» أي بما هو كائن، أي أن كل شيء قد كتب، كل شيء قد كتبه الله عز وجل، كتب أعمال العباد وأجالهم، والشقي منهم والسعيد، وغير ذلك، فقد رفعت الأقلام وجفت الصحف أي بما هو كائن إلى يوم القيامة. فهذا شيء مما يذكر في شرح هذا الحديث، وإلا كما قلنا الحديث له فوائد عظيمة، قد شرحه الحافظ ابن رجب شرحا عظيما متوسطا، وكما قلنا قد ألف فيه بعض العلماء أجزاء في شرح هذا الحديث، سواء كان قديما أو حديثا. طيب، نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.