الدرس في كتاب الصيام 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يجب على من أفطر لعذر شرعي أن يقضي، والعذر يشمل المرض والسفر والحيض والنفاس. الحامل والمرضع رخص لهما الفطر مع وجوب القضاء أو الكفارة.
الصيام في السفر رخصة، والأفضل الإفطار عند المشقة. يجب الإفطار عند الخوف على النفس أو عند الحاجة إلى القوة للقتال.
يجوز الصيام عن الميت في الصيام الواجب إذا كان هناك وقت للقضاء ولم يقض. إذا وجد الشخص وقتًا للقضاء قبل وفاته، وجب عليه قضاء ما عليه من صيام.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله. ما بعد. قال: فصل، يجب على من أفطر لعذر شرعًا أن يقضي. والفطر للمسافر ونحوه رخصة، إلا أن يخشى التلف أو الضعف عن القتال، فعزيمة. قال: يجب على من أفطر لعذر شرعًا أن يقضي. فالعدر الشرعي ما جاء في كتاب الله عز وجل من المرض، وأيضًا السفر، ﴿من كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾، أو المرأة الحائض والنفساء. كما ذكرنا في درس العشاء أن من شروط الصيام القدرة، أن يكون قادرًا على الصيام. فمن أفطر لعذر شرعي من مرض، لكن المرض هذا ما يكون مرضًا مزمنًا، فإذا كان مرض مزمن فهذا الذي جاء عن السلف أنه يكفر، وكذلك العجوز الكبير الذي لا يستطيع أن يصوم، سواء كان رجلًا أو امرأة وعقله لا يزال موجودًا، فهذا أيضًا يكفر عن صيامه. واستدل ابن عباس رضي الله عنه بقول الله جل وعلا ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾، وقرأها في قراءة عنه: ﴿وعلى الذين يطوقونه﴾، أن يشق عليهم. ذكر أصحاب العذر، وهنا أصحاب المريض الذي مرضه كما قلنا، عند جمهور العلماء أنه لا بد أن يكون هذا المرض إما أن يؤخر في الشفاء، أو يضر، أو يزيد في المرض، أو كذلك وهو أعظم أن يؤديه إلى الهلاك. فإن كان الصوم كذلك فله الفطر، وإن كان هذا المرض لا يضره ولا يزيد في مرضه ولا يؤخر في شفائه، معنى ذلك أنه ليس له التعلق بالصيام، فهذا يجب عليه الصيام. وهذا قول أكثر العلماء، وإن كان ليس هناك دليل دليل من الكتاب والسنة على تفصيل المرض، لكن هذا معنى باب التعليل في الآيات والحديث. فالذي يكون مثلًا لا يضره المرض، فلماذا لا يصوم؟ ﴿فمن كان منكم مريضًا أو على سفر﴾، فالمريض هو الذي يتعذب من هذا الصوم، أما كان مرضه خفيفًا أو عنده مرض مثلًا كسر في يده ولا يضره الصيام ولا شيء، فهذا يصوم. وكذلك الحائض والنفساء أيضًا تقضي الصيام. وكذلك أيضًا الحامل والمرضع، الحامل والمرضع أيضًا ممن رخص لهم الشرع، كما جاء في حديث أنس بن مالك «أن النبي عليه الصلاة والسلام وضع عن الحامل والمرضع والمسافر الصيام»، وضع عن المسافر شطر الصلاة، وضع عن هؤلاء الصيام، إن أعفاهم أن لا يصوموا. لكن هل يقضوا أو يكفرون؟ فهذا خلاف بين العلماء. وعند الشافعي ورواية عن أحمد أنهم يقضون ويكفرون، يقضون ويكفرون، وهذا لا دليل عليه. واختار بعض السلف كابن عباس وابن عمر أنه يفطر، أنه يكفر ولا قضاء عليه، لا على الحامل ولا على المرضع، الحامل والمرضع لا تقضيان وإنما تكفران. والظاهر أن هذا أولى؛ لأن الشرع لم يذكر القضاء في الحامل والمرضع، فلهذا فالخير لهما أن يكفرا، معنى يكفر عن معنى يدفعون الفدية ويدخلون في قول الله عز وجل ﴿فدية طعام مسكين﴾. ومن العلماء من يقول بالقضاء فقط، وهو قول مالك، يقول بالقضاء ولا يقول بالكفارة، وهذا من ناحية القياس هو أقيس؛ لأنه يعتبر مثل المريض. لكن قد يقال أيضًا إنه ليس للمرض، وإنما للمشقة. وبعض العلماء يفرق، متى تعذر، إن كانت خافت على نفسها أو خافت على جنينها، يفصلون في هذا. والصحيح أنه لا دليل على التفصيل، فالحامل والمرضع لهما الرخصة أن يفطرا، متى أراد أن يفطر، سواء كانت المرضع أو الحامل خافت على نفسها أو خافت على جنينها، فلهما أن يفطرا. قال: «الفطر للمسافر نحو رخصة، إلا أن يخشى التلف أو الضعف عن القتال، فعزيمة». الفطر في السفر هو السفر عذر من أعذار ورخص من الرخص، ولكنه له تفصيل. اختلف العلماء أيهما أفضل، اختلف العلماء أيهما أفضل، هل الرخصة أن يترخص في السفر بالفطر، أم أنه يصوم؟ وبعضهم قال: الأفضل الصيام، وبعضهم قال: الأفضل الفطر. ومن ناحية الأدلة، لا شك أن الفطر أولى. لكن كما قال أنس: «كنا نسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمنا الصائم ومنا المفطر، لا ينكر بعضنا على بعض». وحتى يكون في شدة الحر، حتى قال أبو الدرداء: «كما في الصحيحين كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شدة حر، فلا أحد منا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواح»، من كثرة الحر. بعضهم أفطر، فهي رخصة. فقال أنس رضي الله عنه: «لا ينكر بعضنا على بعض»، لا هذا ينكر على هذا ولا هذا ينكر على هذا. لكن هذا في عدم الشدة، فإن كانت هناك شدة ومشقة عظيمة، فالأفضل أن يفطر، الأفضل أن يفطر؛ لما جاء في الصحيحين قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ليس من البر الصيام في السفر»، ليس من البر الصيام في السفر. فهذا الحديث يحمل على المشقة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قاله عندما رأى ذلك الرجل الذي جاء الناس فوقه، فقال: «ما له؟»، قالوا: «صائم»، قالوا: «صائم معنا»، حتى ظللنا عليه، ما استطاع أن يمشي، فسقط. قال: «ليس من البر الصيام في السفر»، وإن كانت أيضًا المشقة أعظم، وهناك ما يكون أولى للتقوى، فهذا جعلها بعض العلماء أنه واجب أن يفطر. والنبي عليه الصلاة والسلام لما في فتح مكة، قال لأصحابه: «إنكم غدًا ملاقوا عدوكم والفطر أقوى لكم»، وجاء في حديث جابر أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر الناس أن يفطروا حتى بلغ كراع الغميم، فقالوا للنبي عليه الصلاة والسلام: «إن هناك من هو صائم»، قال: «أولئك العصاة»، سماه النبي صلى الله عليه وسلم عصاة. وهذا يدل على أن الفطر في بعض المواضع لا بد منه، لا بد منه؛ إما لمشقة شديدة قد تؤدي إلى الهلاك، أو لأمر مهم، معنى ذلك مثل الجهاد. فالمجاهد يحتاج إلى أن تقوى، فإذا صام قد يؤديه ذلك إلى الضعف، يضعف عند العدو، وهو يحتاج إلى القوة، فلهذا يجب عليه أن يفطر. لهذا قال هنا المؤلف: «إلا أن يخشى التلف أو الضعف عن القتال، فعزيمة»، أي واجب. إذا خشي الضعف أو التلف، التلف معنى أنه يؤديه إلى الهلاك، قد يؤديه إلى الهلاك. وأما إذا كانت المشقة الشديدة، لكنها يصبر معها الإنسان، ما في شيء. ومن أفطر أيضًا ما في شيء. لهذا النبي صلى الله عليه وسلم لما صام الناس في شدة الحرب، فقام المفطرون، وأما الصائمون ما استطاعوا أن يقوموا، شدة حرب وجوع، فما استطاع أن يقوموا. قام الصائمون وخدموا الناس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ذهب المفطرون اليوم بالأجر»، معنى الأجر كان للمفطرين؛ لماذا؟ لأنهم قاموا وخدموا إخوانهم، قاموا وخدموا إخوانهم. وليس أنه تفضيل للفطر، وإنما تفضيل؛ لأنه خدم، معنى صاروا أخذوا أجر الصائمين؛ لأنهم أعانوهم. وكذلك أيضًا أخذوا أجر المعونة. قال: «ومن مات وعليه صوم صام عنه وليه». هناك مسألة ذكرها الشيخ الألباني، وهي ذكرها بعض الفقهاء، وهي مسألة إذا كان الإنسان لا يستطيع القضاء، مثلًا بعض الوجوه، مثلًا في بعض الأماكن شغل هذا الشخص، مثلًا شغله شاق، يحمل الحجارة، يحمل مثلًا المهم من أشغال شاقة، وشغلهم مستمر، فإذا أفطر ما يستطيع القضاء، فكيف يفعل؟ فهنا قال الشيخ الألباني: الأولى مثل هؤلاء بل قال: إنه واجب عليه أن يصوم، واجب عليه أن يصوم؛ لأنه يعلم أنه لا يستطيع القضاء، فلهذا يجب عليه أن يصوم. قال: «وما مات وعليه صوم صام عنه وليه». هذه المسألة فيها ثلاثة أقوال عند العلماء. فمن العلماء من قال: إنه لا يصوم عنه وليه مطلقًا. ومن العلماء من قال: إنه يصوم عنه مطلقًا، إذا ترك صومًا صام عنه، سواء كان هذا الصوم فرضًا أو نفلًا أو نذرًا. وذهب أحمد رحمه الله إلى أن هذا خاص بالنذر، خاص بالنذر، من صام من مات وعليه صوم صوم نذر، صام عنه وليه. ولم يقيده النبي صلى الله عليه وسلم بالنذر، وإنما هذا السؤال جاء هكذا السؤال جاء على أنه نذر، فلهذا فالقول بالإطلاق أفضل، على أنه يصوم، سواء كان فرضًا أو نذرًا، معنى الصيام الواجب، الصيام الواجب، ليس أقصد الصيام النفل، لا الفرض وما كان واجبًا أو أوجب على نفسه بنذر أو كفارة مثلًا. عليه كفارة ثلاثة أيام مثلًا مات، امرأة مثلًا أو رجل عليه كفارة يمين ثلاثة أيام فمات، فهنا لا يصوم عنه وليه. أو مثلًا عليه كفارة قتل، كفارة قتل صيام شهرين متتابعين، لم يستطع أن يصوم لأنه مريض مثلًا، إنسان عنده سيارة ومشى بسرعة هكذا وارتطم في أحد المهم قتل له واحد، فتصير عليه كفارة، وهو أيضًا قد تكسر، فكان مثلًا أخذوه المستشفى على جرحه مات، بقيت عليه الآن كفارة إما الصيام وإما التصدق، فهنا لا لأوليائه أن يصوموا هذه الكفارة. وبعض العلماء يفتي على أنه مثل هذه الكفارة الصيام المتتابع لا يكون فيه نيابة. بعض العلماء يفتي كالشيخ ابن باز وأيضًا الشيخ ابن عثيمين، الجماعة على أن الصيام المتتابع لا تكون فيه كفارة؛ لأنه يحتاج إلى التتابع. وبعض العلماء يقول: جائز، وهو قول الشافعي، لماذا؟ لأنه يقول: معنى ممكن أنهم يتتابعون ولو مجموعة، إن لم يكن واحدًا، مثلًا قال ابنه: قال: «أنا سأصوم شهرين متتابعين»، خلنا قل له: «لا ما تصوم شهرين متتابعين، ما في شيء»، يصوم لو اجتمع مجموعة، اجتمع مجموعة مثلًا عشرة من أبنائه وأبناء أخيه، قالوا: «نحن هنا نصوم عنه»، كل واحد يصوم ستة أيام، ولو بالتفريق، ولو يفرقونها، لكن كلها تكون متواصلة. هل هذا يصلح؟ فقال بعض العلماء: إنه يصلح، وبعضهم قال: لا. وبعضهم كأنهم يرى أنه إذا كان واحد ما في شيء، وأما إذا كان مجموعة فيقول: هذا ليس فيه مشقة للصيام، أنا سيصوم هذا ستة أيام، فهذا ستة أيام مثلًا عشرة، ويكملون الستين. والظاهر أنه داخل في الحديث «من مات وعليه صوم صام عنه وليه»، حديث عائشة رضي الله عنها. والحديث في الصحيحين، وما زادها البزار «إن شاء الله تعالى»، هذه زيادة غير صحيحة، زيادة منكرة؛ لأنها من طريق الليث بن سعد، ليس بثقة عند الجمهور. قال: «فهو الكبير والعاجز عن الأداء والقضاء يكفر عن كل يوم بطعام مسكين». قلنا: الكبير والعاجز أدخلهما ابن عباس في الآية، فالشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكينًا. فلهذا أيضًا جاء عنه ورخص له للشيخ الكبير أن يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينًا، ولا قضاء عليه. فذهب ابن عباس وابن عمر أيضًا إلى أن الشيخ الكبير يفطر ويكفر، وكذلك أيضًا العجوز الكبيرة كذلك، المريض في المرض المزمن. معنى عرف عند الناس أنه يكون مزمنًا، فيه لا ينفك عن الشخص إلا بالموت. ومثل هذا يكفر، معنى يخرج عنه فدية. وكذلك أيضًا الحامل والمرضع، وذكرنا الكلام عليها. ومثل المريض هناك مسألة في المريض، معنى متى يقضي المريض أو متى يقضى عنه؟ هذه في المسألة التي قبلها. متى يقضى عنه؟ يقضى عنه إذا وجد وقتًا للقضاء ولم يقض، إذا كان وجد وقتًا للقضاء ولم يقض، فهذا يعتبر ليس عليه شيء أو عليه قضاء. وأما إن مرض وجاء رمضان وهو مريض ومات في رمضان، فهذا ليس عليه قضاء؛ لأنه لم يجد وقتًا للقضاء. أو مثلًا مريض في رمضان واستمر إلى شوال وهو مريض، ثم مات، فهذا أيضًا ليس عليه قضاء، ولا يقضى عنه، ولا يقضى عنه؛ لماذا؟ لأن هذا لم يجد وقتًا للقضاء، لم يجد وقتًا للقضاء. هذه مسألة مهمة، حتى لا مثلًا يسأل أحد: هل يقضي أو يقضى عنه؟ لأنه عليه مثلًا أيام رمضان. إذا وجد وقتًا للقضاء مثلًا لو وجد ستة أيام شوال بإذن الله ستة أيام، ثم مات بعد ستة أيام، نقول: يجب عليه ستة أيام فقط، ما هو نقول الشهر كله، لا ستة أيام فقط، هذه التي وجد فراغًا فيها، معنى قد شفي، لكنه لم يصوم فيها. فالمهم أن القضاء في الصوم إنما يكون على من يشق عليه، أو من وجد وقتًا للقضاء ولم يقض، فهذا خلاص ما يلزمه شيء. والله أعلم.