الدرس في تفسير سورة المائدة من تفسير السعدي 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المقطع أن سورة المائدة مدنية بالكامل ويفرق بين الآيات المدنية والمكية، ثم يفسر الأمر بالوفاء بالعقود شاملةً العهد مع الله والعقود بين الناس. ويُشير إلى أن أعظم هذه العقود هو عهد الألوهية الذي أخذه الله على بني آدم.
يستعرض المقطع أنواع العقود في الإسلام كعهد العبد مع ربه وحقوق الوالدين والأقارب، مقسماً إياها إلى معاوضات وتبرعات. ويقرر أن الأصل في العقود الإباحة، فالوفاء بالحلال واجب والعقد الحرام باطل لا يجوز الوفاء به.
يوضح المقطع أن الله أحل بهيمة الأنعام وفاءً بعهده مع استثناء الميتة والدم ولحم الخنزير، مبيناً أن جنين المذبوحة يُعد مذبوحاً بأمه. كما يحرم الصيد على المحرمين تأكيداً لحكمة التشريع الإلهي.
يؤكد المقطع أن أحكام الله موافقة لحكمته، فالتحليل رحمة والتحريم صون وتعظيم كما في تحريم الصيد في الإحرام. ويختم بوجوب الوفاء بالعقود التي عاهد العبد عليها ربه.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة سعد رحمه الله تعالى: تفسير سورة المائدة، وهي مدنية. بسم الله الرحمن الرحيم. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ۗ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾. قال رحمه الله: وقوله "هي مدنية" يعني كلها، لأن سورة المائدة من آخر السور التي نزلت على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهل هي آخر سورة؟ قال بعض العلماء: إنها آخر سورة، لكن الصحيح أنها ليست آخر سورة، وآخر سورة هي سورة التوبة. أنا من السور، وليس الآيات. أنا أحيانًا تنزل الآية وتكون هذه الآية في سورة كذا، فيقول لهم النبي صلى الله عليه وسلم: "ضعوها في سورة كذا". فمثلًا عند أكثر العلم أن آخر آية هي قوله جل وعلا: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، وهي في سورة آل عمران، فهي آخر آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقيل أيضًا أن آخر آية قوله جل وعلا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، لكن هذه نزلت في عرفة والنبي عليه الصلاة والسلام يخطب في نمرة أو بنمرة، فدل على أنها نزلت في الحج، وقد نزلت بعدها آيات، قد نزلت بعدها آيات. فسورة المائدة كلها مدنية، آياتها مدنية، والآيات المدنية لها خصائص غير الآيات المكية. ومن تلك الخصائص المهمة أن الغالب آيات المدنية تكون في الأحكام، تكون في الأحكام. والآيات المدنية على الصحيح، صحيح عند كثير من أهل هذا العلم، أنها ما نزلت بعد الهجرة، ما نزلت بعد الهجرة ولو كانت في مكة. والآيات المكية هي ما نزل قبل الهجرة. قال: بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ۗ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾. قال: هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين بما يقتضيه الإيمان بالوفاء بالعقود، أي بإكمالها وإتمامها، وعدم نقضها ونقصها. عدم نقضها، أي نقض هذه العقود، ونقصها، أي مما يكون فيه نقص في بعض شروطها أو بعض بنودها التي حصلت في الاتفاق. قال: وهذا شامل للعقود التي بين العبد وبين ربه من التزام عبوديته والقيام بها، تم قيام. وهذا أعظم عهد: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ﴾، فهذا عهد أخذه الله عز وجل على بني آدم أنهم يطيعونه جل وعلا وينقادون إلى أمره ويعبدونه وحده لا شريك له. فبين العبد وبين ربه عهد بالطاعة، لأنه هو الذي خلق وهو الذي رزق، فسبحانه جل وعلا، وفي بما عنده وبما جعله على نفسه سبحانه وتعالى من الخلق والرزق والتسقيح والنعم وغير ذلك. ولهذا تجد أن الله عز وجل يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، فيعطي الكفار ويعطي المسلمين، ﴿كُلًّا نَّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِن عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾، أي ليس ممنوعًا على أحد. فربنا جل وعلا وفي بما هو جعله على نفسه سبحانه وتعالى من باب التكرم والتفضل، لكن العبيد لم يوفوا بهذا إلا من رحمه الله ووفقه الله عز وجل لطاعته سبحانه وتعالى. قالوا: هذا شامل للعقود التي بين العبد وبين ربه من التزام عبوديته والقيام بها، تم قيام، وعدم الانتقاص من حقوقها شيئًا، والتي بينه وبين الرسول بطاعة واتباعه، والتي بينه وبين الوالدين والأقارب ببرهم وصلتهم وعدم قطيعتهم، والتي بينه وبين أصحابهم من القيام بحقوق الصحبة في الغنى والفقر واليسر والعسر، والتي بينه وبين الخلق من عقود المعاملات كالبيع والشراء والإجارة ونحوهما، وعقود التبرعات كالهبة ونحوها. أن هناك عقود معاوضة، عقود معاوضة، وعقود تبرعات. المعاوضة هذه التي تكون بمال كالبيع والشراء والإجارة وغيره، وعقود التبرعات كالهبة والصدقة والوصية والعطية وغير ذلك. قال: بل والقيام بحقوق المسلمين التي عقدها الله بينهم في قول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، بالتناصر على الحق والتعاون عليه والتآلف بين المسلمين وعدم التقاطع، وهذا أيضًا من العقود التي أمر الله عز وجل بها بين أهل الإيمان. قال: فهذا الأمر شامل لأصول الدين وفروعه، وكلها داخلة في العقود التي أمر الله بالقيام بها، من ناحية طاعة الله عز وجل، وكذلك حقوق العباد، سوى كان حقوق الوالدين وحقوق الأصحاب، حقوق الجيران، حقوق المسلمين جميعًا. قالوا: استدلوا بهذه الآية أن الأصل في العقود والشروط الإباحة، وأنها تنعقد بما دل عليها من قول أو فعل بإطلاقها. فهنا استدلوا بهذه الآية أن الأصل في العقود والشروط الإباحة، لأن الله عز وجل قال: ﴿أُحِلَّتْ لَكُم﴾، أو قال الله عز وجل: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، فدل على أن العقد في أصله مباح. إذا عقد الإنسان مع إنسان آخر فهو جائز ومباح، لكن الوفاء به واجب، الوفاء بالعقد واجب. هذا إذا كان العقد حلالًا، أما إذا كان العقد حرامًا فلا يجوز الوفاء به، وعليه أن ينقضه. إذا تعاقد على حرام، تعاقد على ظلم، فهذا لا يجوز ولا يجوز أن يستمر في الظلم، وعليه أن يرجع ويتوب. فإذا تعاونا على أخذ حق حقوق الناس، وعقد هو وصاحب له على أخذ ما لا يحل لهم، فهذا العقد يعتبر عقدًا باطلًا. وكذلك أيضًا العقود التي لا تقوم على شروطها ويرتكب فيها ما يبطلها، سواء كانت عقود معاملات أو عقود ما بين العباد بعضهم بعضًا، أو كذلك ما يتعاهد به العبد مع ربه جل وعلا، وهذا أعظم. قال: ثم تعاهد معنا مثل النذر، النذر يعتبر عهدًا بينه وبين الله، وكذلك أيضًا الالتزام بالأوامر واجتناب النواهي. قال: ثم قال ممتنًا على عباده: ﴿أُحِلَّتْ لَكُم﴾، أي لأجلكم رحمة بكم، ﴿بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾، أي من الإبل والبقر والغنم. أنا يريد يبين ربنا سبحانه وتعالى أن الله عز وجل أنه سبحانه وتعالى قام بما عاهد عليه وبما عقد عليه مع خلقه، وبما تفضل به سبحانه وتعالى أنه يوفر لهم هذه الأشياء، فلذلك قال: ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾، أي أن الله عز وجل سخرها لكم من الإبل والبقر والغنم. بل ربما دخل في ذلك الوحش منها والضباء وحمر الوحش ونحوها من الصيود، على حمر، وحمر هو حمار الوحش المخطط. قالوا: استدل بعض الصحابة بهذه الآية على إباحة الجنين الذي يموت في بطن أمه بعدما تذبح، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا: «ذكاة الجنين ذكاة أمه»، «ذكاة الجنين ذكاة أمه»، أن إذا ذبح، إذا ذبحت الشاة وفي بطنها جنين، فذكاة أمه ذكاة، على يجوز له أن يأكل، مثلًا إذا كان لحمًا فقط ليس فيه جلد، فله أن يطبخ ذلك اللحم، لأنه قد ذبح أمه، فذكاة الجنين ذكاة أمه. وإن كان مثلًا خرج أو أخرجه حيًا فالأفضل أن يذبح، لكن إذا أخرجه ميتًا فذكاة الجنين ذكاة أمه. قال: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ﴾، تحريمه منها، في قول: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ﴾. أنا خلت لكم هذه الأنعام إلا ما يطلع عليكم، أي مما حرم عليكم. وهنا الاستثناء استثناء منقطع، استثناء منقطع، لأن بهيمة الأنعام أحلها الله عز وجل، وإنما أراد بـ ﴿إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ أي مما حرمه الله عز وجل عليكم من الطعام. قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ﴾ إلى آخر الآية. قال: فإن هذه المذكورات وإن كانت من بهيمة الأنعام فإنها محرمة. قال: ولما كانت أباح بهيمة الأنعام عامة في جميع الأحوال والأوقات، استثناء منها الصيد في حال الإحرام، فقال: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾، أي حلت لكم بهيمة الأنعام في كل حال إلا حيث كنتم متصفين بأنكم غير محل الصيد، فعلًا أن الصيد عليكم حرام، وأنتم حرم، أي محرّمون على قتله في حال الإحرام، فإن ذلك لا يحل لكم إذا كان صيدًا كالضباء ونحوه. والصيد هو الحيوان المأكول المتوحش عن الضباء والطبع، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هو صيد»، وكذلك الوعل وغيرها من الحيوانات المتوحشة التي يجوز أكلها. قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾، أي فمهما أراده تعالى حكم به حكمًا موافقًا لحكمته، كما أمركم بالوفاء بالعقود، ومسألة ما يحل من الصيد وما يحرم سيذكره إن شاء الله ربنا جل وعلا في الآيات التي ستأتي، وإن شاء الله نتكلم على هذا في ما سيأتي. قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾، فمهما أراده تعالى حكم به حكمًا موافقًا لحكمته، كما أمركم بالوفاء بالعقود، بحصول مصالحكم ودفع المضار عنكم، وحل لكم بهيمة الأنعام رحمة بكم، وحرم عليكم ما استثنى منها من دواعي العوارض من الميت ونحوها، صونًا لكم، احترامًا، ومن صيد الإحرام، احترامًا للإحرام، وتعظيمًا. أنا كما قلنا أن الله عز وجل يبين أنه قد وفي مما هو جعله حقًا عليه، والواجب عليكم أن توفوا ما عاهدتم عليه أنفسكم بينكم وبينه جل وعلا. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.