الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 29، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يفسر المقطع حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الاستعاذة من أرذل العمر مبيناً أنه الخرف الذي يعيد الكبير إلى حال الطفولة، ويوضح أن الدعاء وارد في الصلاة غالباً. كما يفصل معنى البخل الوارد في الحديث والقرآن موضحاً أنه يشمل منع حق الله في المال والعلم وغيرهما وقد يكون إثماً أو ترك إحسان.
يوضح المقطع أن البخل داء عظيم وأصل من أصول الأخلاق الفاسدة استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم، مبيناً أنه مع الجبن والكذب يشكلون أصول الرذائل. كما يتناول الكسل عن الطاعات الواجبة وأرذل العمر الذي يستعيذ منه المؤمن والموت خير منه مع ذكر نماذج من الصحابة عاشوا طويلاً بعقول سليمة.
يذكر المقطع نماذج من التابعين وأهل العلم الذين عمروا طويلاً ولم يصبهم الخرف إلا قليلاً، ويناقش قول الإمام مالك بأن أرذل العمر لا يصيب إلا أهل البدع مبيناً أن هذا على الغالب. ويختم بأدعية النبي صلى الله عليه وسلم المستعاذ بها من أرذل العمر وعذاب القبر وفتنة الدجال والمحيا والممات.
يوضح المقطع معنى فتنة المحيا والممات الواردة في الحديث، حيث تُعنى فتنة المحيا بالابتلاء في الحياة الدنيا. بينما تُعنى فتنة الممات بالابتلاء عند القبر وما بعده وغالبية العلماء يرون أن الممات يشمل القبر وما يليه.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: "باب: ومنكم من يرد إلى أرذل العمر". وأرذل العمر هو الخرف، أي كبر السن مع الخرف، يسمى أرذل العمر؛ لأنه يعود مثل ما كان صغيرًا، تختل تصرفاته، لو علم بتلك التصرفات وهو صحيح لخجل من نفسه. ولا شك أن الخرف نوع من أنواع الجنون. قال البخاري رحمه الله: حدثنا موسى بن إسماعيل، وهو أبو سلمة التبوذكي المنقري البصري، قال: حدثنا هارون بن موسى، أبو عبد الله الأعور، هو أيضًا بصري، قال: عن شعبة بن الحجاج، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يدعو: «أعوذ بك من البخل والكسل، وأرذل العمر، وعذاب القبر، وفتنة الدجال، وفتنة المحيا والممات». وإنما يدعو، قد يكون المراد في صلاته، أو أنه دعاء مطلق، والظاهر أنه أراد في الصلاة؛ لأن أكثرها قد وردت في الصلاة، إلا قوله: «أعوذ بك من البخل والكسل، وأرذل العمر». أما عذاب القبر، وفتنة الدجال، وفتنة المحيا والممات، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي بها دائمًا. والبخل هو عدم إخراج حق الله عز وجل في المال. قد يكون البخل أعم من البخل بالمال؛ لأن الله عز وجل عمم البخل، فقال: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. وهذا البخل الذي ذكره الله عز وجل هنا: ما آتاهم الله من فضله، وقد يكون في المال، وقد يكون في اللباس، وقد يكون أيضًا حتى في العلم. وكل ما آتى الله عز وجل عبدًا شيئًا مما ينبغي أن يكون فضلًا ينفقه ويخرجه، فيبخل به ويمسكه. ومنه ما يكون واجبًا عليه إخراجه، فهذا داخل في الإثم. ومنه ما لا يجب عليه، لكن باب الإحسان، ولكن هذا لا يدخل في البخل غالبًا، لكن أحيانًا يدخل في عموم البخل. والبخل قد استعاذ منه النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة، وجاء في الصحيح أنهم قالوا: "أي داء أدوى من البخل؟" أي داء أدوى من البخل، فالبخل داء عظيم. صحح الشيخ الألباني ما جاء عند الترمذي: «أتاكم داء الأمم، أو قال: الحسد، البغضاء». وأما البخل فهو داء عظيم، من اتصف به فهو... إن البخل قد لا يكون في أهل الإيمان غالبًا، ولهذا ذكر العلماء أن البخل من أشأم الأخلاق، بل هو من أصول أسوأ الأخلاق. ولهذا جاء في حديث أنس: لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من حنين، تعلق به بعض الأعراب حتى ألجئوه إلى سمرة، وتعلق رداؤه في السمرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس، ردوا علي ردائي، والذي نفسي بيده، ما عندي من شيء إلا أعطيتكم إياه، ثم لا تجدونني بخيلًا ولا جبانًا ولا كذابًا». بخيلًا ولا جبانًا ولا كذابًا. قال بعض العلماء في شرح هذا الحديث: هذه أصول الأخلاق الفاسدة: البخل، والجبن، والكذب. فحذر النبي صلى الله عليه وسلم من البخل. وأما الكسل، فالمراد به الكسل هنا عن الطاعات، كسل عما أوجب الله عز وجل، فلا يؤديه بحقه، يكسل عن الصلاة، عن صلاة الجماعة، وغيرها من الأعمال الواجبة، فيكسل عنها. وقال: «وأرذل العمر». كما قلنا، أرذل العمر هو الخرف. يستعيذ النبي عليه الصلاة والسلام من أرذل العمر، والنبي عليه الصلاة والسلام هو قدوتنا وإسوتنا، وهو معلم الأمة، فأراد أن الأمة تستعيذ من هذه الأدواء، ومنها أرذل العمر، أن الإنسان لا يرد إلى أرذل العمر، فالموت أولى له وأفضل. الموت أفضل له من أن يرد إلى أرذل العمر، فيستعيذ من ذلك. ومن الناس من يبلغ مبلغًا كبيرًا، قد يكون أكثر من مئة سنة، وتجد أنه عنده عقل صحيح، لا يذهب شيء من عقله. وهذا يوجد في جماعة من الصحابة، كذلك جماعة من التابعين. فمن الصحابة مثلًا: الحكم بن حزام، بلغ مئة وعشرين سنة، ولم ينكر منه شيء. كذلك أيضًا من الصحابة: أنس بن مالك، وغيره من الصحابة. وكذلك من التابعين: زر بن حبيش، وأيضًا أبو وائل شقيق بن سلمة، وجماعة أيضًا: ربع بن حراش. هؤلاء عمروا. وكذلك من بعدهم جماعة من أهل العلم. وغالبًا أهل العلم لا يأتي فيهم الخرف إلا اليسير منهم، وإلا غالبهم قد بلغ عمرًا مديدًا ولم يأتهم الخرف. لكن هناك من العلماء أيضًا من جاءه. وظاهر أن أرذل العمر هذا ليس هو مدمة في الشخص، بل هو يعتبر مثل المرض، يصيب الله عز وجل به من يشاء، ويصرفه عمن يشاء. وأما قول إمام مالك رحمه الله: "لا يرد إلى أرذل العمر إلا أهل البدع"، فظاهر أنه يحمل على الغالب؛ وإلا هناك من أهل السنة ومن المحدثين من حصل له ذلك. لكن غالب أهل السنة، الذين ثبتوا على السنة، غالبهم لم يختلطوا بشيء من هذا الاختلاط، أو لم يأتهم شيء من الخرف، وإن كان فيه شيء فيكون نسيانًا يسيرًا، يكون نسيانًا يسيرًا. ولهذا أنكر العلماء على يحيى بن سعيد القطان لما قال: إن ابن عيينة اختلط في آخر عمره، فأنكروا عليه ذلك، فلم يختلط سفيان بن عيينة، بل أنه إلى آخر عمره وهو في كامل صحته، وإنما حصل له شيء من النسيان، فكان يقول: «قد مللت هذه المجالس»، لكثرة أو لطول جلوسي فيها عن سبعين سنة أو أكثر وهو يدرس رحمه الله، حتى أصابه في آخر شيء ملل، وليس الملل لأجل العبادة، وإنما لأجل الكبر، كبر السن، وكذلك ضعف. وغالبًا الكبير في السن يكون عنده شيء من خمول في الأعضاء، وكذا. لهذا قال رحمه الله هذا الأمر. فالظاهر أنه لم يحصل له شيء، وإنما شيء من النسيان، كما قال الإمام الذهبي رحمه الله. فقال: «أعوذ بك من البخل والكسل، وأرذل العمر، وعذاب القبر، وفتنة الدجال، وفتنة المحيا والممات». وهذه أيضًا قد كان النبي عليه الصلاة والسلام يستعيذ منها: عذاب القبر، وفتنة الدجال، وفتنة المحيا والممات. ثم جاء في حديث أبي هريرة: «إذا تشهد أحدكم فليستعذ من أربع: من عذاب جهنم، وعذاب القبر، وفتنة المحيا والممات، وفتنة الدجال». أو قال: «فتنة الدجال، وفتنة المحيا والممات». قال: «فتنة المحيا والممات»: المحيا حياته، الفتنة التي تصيب في الحياة، والممات هي عند القبر. وقيل: الممات ما بعد القبر. وأكثر العلماء على أن الممات هو عند القبر وما بعده. طيب، هذا ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم.