كتاب الجنايات 1

الدرس في كتاب الجنايات 1، ألقاها

تعريف الجناية وتحريم القتل

يتناول تعريف الجناية وأقسامها وتحريم القتل بغير حق، حيث تُعرّف الجناية شرعًا بأنها التعدي على البدن. يُحرم القتل بالإجماع وتُعتبر الأنفس المحرمة أربعة.

الخوارج والمعتزلة وموقفهم من الكبائر

يتناول آراء الخوارج والمعتزلة في تكفير صاحب الكبيرة واستدلالهم ببعض الآيات والأحاديث، ثم يرد على ذلك بأدلة من القرآن والسنة.

تعريف القتل العمد وحقيقته

يتناول تعريف القتل العمد وحقيقته، ويشترط فيه ثلاثة شروط: وجود القصد، علم القاتل بأن المقتول معصوم الدم، واستخدام آلة تقتل عادة.

صور وأحكام قتل العمد

يعدد صور قتل العمد مثل إلقاء شخص في ماء عميق أو نار، أو منعه من الطعام والشراب حتى الموت، ويعتبر هذه الأفعال قتل عمد وفقا لبعض الفقهاء.

  • 26 جمادى الآخرة 1440هـ - 03/03/2019مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، انتهينا بالدرس الماضي مما يتعلق بباب النفقات. قال: عاشرا، كتاب الجنايات. قال: ويجتمل على ثلاثة أبواب: الباب الأول في الجنايات، والباب الثاني في الديات، والباب الثالث في القسامة. قال: الباب الأول في الجنايات، وفيه مسائل. المسألة الأولى: تعريف الجناية وأقسامها. قال: تعريف الجناية: الجناية جمعها جنايات، وهي لغة التعدي على نفس أو مال أو عرض. التعدي على نفس يعني نفس إنسان، أو ماله، أو عرضه. والإمام قدام -رحمه الله- عرفها بقوله: كل فعل عدوان على نفس أو مال. كل فعل عدوان على نفس أو مال. وقد جعل الفقهاء كتاب الجنايات خاصا بالتعدي على البدن، يعني في ذكر ما يتعلق بالتعدي على البدن بجرح، ضرب، قتل. وكتاب الحدود خاصا بالتعدي على المال والعرض. قال: فالجناية شرعا التعدي على البدن بما يوجب قصاصا أو مالا أو كفارة. التعدي على البدن بما يوجب قصاصا كالقتل العمد العدوان، كما سيأتي. أو مالا كقتل الخطأ أو شبه العمد. وكفارة، أو كفارة كذلك في قتل الخطأ وشبه العمد. قال: أقسام الجناية: تنقسم الجناية إلى قسمين: أولا جناية على النفس، وثانيا جناية على ما دون النفس. قال: مسألة ثانية: الجناية على النفس، وهي كل فعل يؤدي إلى زهوق النفس، وهي القتل. وأجمع المسلمون على تحريم القتل بغير حق، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، ولحديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة». والحديث في الصحيحين. فتحريم القتل بغير حق ثابت بالكتاب والسنة والإجماع. فالله عز وجل نهى عن قتل النفس بغير حق. ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، إذن الأصل في الأنفس أنه محرمة، لا يجوز أن يعتدى عليها أو أن تزهق روحها. والأنفس المحرمة والمعصومة أربعة أنفس: نفس المسلم، وكذلك نفس الكتابي الذمي، والكافر المستأمن، والكافر المعاهد. نفس المسلم، والكافر الذمي، والكافر المعاهد، والكافر المستأمن، هذه أربعة أنفس محرمة. أما المسلم فظاهر معلوم، وأدلة تحريم قتله كثيرة في الكتاب والسنة، وإجمع أهل العلم. أما الكافر الذمي، فالمراد به الكافر الذي يدفع الجزية لأهل الإسلام، ويبقى تحت حكمهم. فهذا لا يجوز قتله، لقول الله جل وعلا: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. والكافر المستأمن هو من يدخل إلى بلد الإسلام بأمان، من يدخل إلى بلد الإسلام بأمان لعمل من الأعمال، سواء كان الأمان من جهة الدولة أو بعض أفراد المسلمين. فهذا لا يجوز قتله، قال الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾. والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «قد أجرنا من أجرت يا أمهانة». لما استأمن رجل أو رجلين من الكفار في فتح مكة، أراد علي -رضي الله عنه- قتلهما، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «قد أجرنا من أجرت يا أمهانة». ويقول النبي -عليه الصلاة والسلام-: «المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم». يسعى بذمتهم أدناهم، يعني من أمن أحد الكفار من المسلمين، وجب على جميع المسلمين تأمينه وعدم الاعتداء عليه. والنوع الثالث من أنواع الكفار أو دماء الكفار: الكافر المعاهد، الكافر المعاهد، ومن كان بينه وبين بلده وبلد الإسلام عهد. فهذا أيضا لا يجوز قتله، ففي حديث ابن عمر في الصحيحين، قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة». من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة. هذه الأنفس المعصومة إلا بحق. ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّهِ حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾. ما هذا الحق؟ بينه النبي -عليه الصلاة والسلام- في حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-. وجاء بنحوه من حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة». الثيب الزاني: إذا زنى المسلم وهو ثيب، معنى ثيب: أنه قد تزوج قبل ذلك نكاحا صحيحا، ووطئ فيه. ثم حصل منه الزنا بعد ذلك. فهذا حكمه الرجم حتى الموت. وهذا معنى الثيب الزاني. وسواء كان عند وقوعه في الزنا متزوجا أو غير متزوج. يعني مثلا تزوج ثم طلق، أو ماتت زوجته، ثم وقع في الزنا. فيكون حكمه حكم الثيب، يعتبر ثيبا. وحكمه الرجم. الثيب الزاني، والنفس بالنفس، يعني القصاص إذا قتل نفسا متعمدا، فيقتل بالنفس. والتارك لدينه المفارق للجماعة، يعني إذا ارتد عن دين الإسلام. ارتد عن دين الإسلام فهنا يقتل. قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «بحيث من أبي العباس: من بدل دينه فاقتلوه». هذا بالنسبة للمسلم. أما الكافر ممن ذكر أصنافهم: المعاهد، والمستأمن، والذمي، إذا فعل شيئا يخالف ما له من عدم القتل، فيكون أمره إلى ولي الأمر. يكون أمره إلى ولي الأمر، فهو الذي يقيم عليه الحد الذي يستحقه. قال: حكم قاتل النفس بغير حق. قال: إذا قتل شخص شخصا متعمدا بغير حق، فحكمه أنه فاسق لارتكابه كبيرة، لارتكابه كبيرة من كبائر الذنوب. فالقتل قتل النفس المحرمة كبيرة من كبائر الذنوب. والنبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث أبي هريرة قال -عليه الصلاة والسلام-: «اجتنبوا السبع الموبقات». قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق». جعلها في المرتبة الثالثة. وفي حديث عبد الله بن عمر قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «الكبائر: الإشراك بالله، وقتل النفس، واليمين الغموس». وهكذا أيضا في أحاديث كثيرة بين فيها النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا الذنب. قال: وقول هنا: فهو حكم أنه فاسق، يعني ليس بكافر. حكم أنه فاسق، أي أنه مؤمن بإيمانه، فاسق بذنبه وكبيرته. فالقتل وإن كان محرما، وكبيرا من كبائر الذنوب، إلا أنه لا يوقع صاحبه في الكفر الأكبر. هو كفر أصغر، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر». وقتاله كفر، أي كفر أصغر. ويدل على ذلك قول الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾، ثم قال بعد ذلك: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾. فسمى الله عز وجل من وقع في القتال بأنه مؤمن. ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾. دل هذا على أن وقوع المؤمن في القتال ليس بكفر. ليس بكفر. وإن كان هو ذنب عظيم، وكبير من كبائر الذنوب، إلا أنه لا يكفر بذلك. هذه عقيدة أهل السنة والجماعة، خلافا للخوارج والمعتزلة. فالخوارج والمعتزلة كفروا صاحب الكبيرة. كفروا صاحب الكبيرة، وحكموا عليه بالكفر، وأنه مخلد في نار جهنم. مخلد في نار جهنم. واستدلوا بظواهر بعض الأدلة، كقول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾. وآكد قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن». وأدلة أخرى رد عليها أهل العلم، وبيّنوا ما المراد بهذه الأدلة. وأنه لا تدل على كفر فاعل هذه الذنوب. وإنما المراد لنفي عنه كمال الإيمان. لا يزني حين يزني وهو مؤمن، يعني كامل الإيمان. قال: وقد عظم الله شأن القتل، قال سبحانه: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. ومعنى الآية كما قال المفسر -رحمه الله-: أن من قتل نفسا بغير نفس، أي كالقصاص. أو فساد في الأرض، أي بسبب إفساد هذا المفسد في الأرض، فاستحل قتلها بلا سبب ولا جناية. فكأنما قتل الناس جميعا، لأنه لا فرق عنده بين نفس ونفس. يعني جعل الأنفس كلها مستباحة لا حرمة لها. إذا كان قتل نفسا من غير حق، من غير سبب ولا جناية توجب القتل. معنى هذا أن الأنفس الأخرى مثلها في الحكم. فهو بهذا كأنما قتل الناس جميعا. قال: وقال -صلى الله عليه وسلم-: «لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما». في الحديث في البخاري: «لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما». في فسحة، يعني سعة في دينه. وفسر الإمام ابن العربي أبو بكر ابن العربي -رحمه الله- المالكي، ليس ابن العربي الملحد الزنديق. قال ابن العربي: الفسحة في الدين سعة الأعمال الصالحة. سعة الأعمال الصالحة، يعني التي يكفر الله عز وجل بها ذنوبه وسيئاته. قال: سعة الأعمال الصالحة، حتى جاء القتل ضاقت، لأنها لا تفي بوزره. لأنها لا تفي بوزره. يعني كأنه إذا فعل، إذا وقع في القتل ضيق عليه في الأعمال، وكانت أعماله هذه لا تفي بتغفير وتكفير هذا الذنب، وهو القتل. «لا يزال المؤمن في فسحة بالدين»، يعني له سعة في الأعمال الصالحة، وفعل الحسنات التي تكفر ذنوبه وخطاياه وسيئاته، ما لم يصب دما حراما. فإذا صاب الدم الحرام لم يكن في سعة، صار في ضيق وحرج بسبب عظم هذا الذنب. بسبب عظم هذا الذنب. وهذا يعني يدلنا على عظم شأن القتل، وكيف أنه يضيق على فاعله ما كان فيه من سعة. قال: وقد توعده الله سبحانه، فقال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾. هذا وعيد شديد على قاتل النفس. ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾، هذا الوعيد الأول. أنه ماذا وعد، وعد به دخول جهنم. ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾، ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾. أربع عقوبات شديدة على قاتل النفس. وهذه الآية كما سمعنا استدل بها الخوارج على تكفير صاحب الكبيرة، على تكفير قاتل النفس. وقال أهل السنة والجماعة: أن هذه الآية المراد بها طول المكث. خالدا فيها، يعني يطول مكثه في النار إذا دخلها. يطول مكثه في النار إذا دخلها. أو يقال: أن هذه عقوبته إذا عاقبه الله جل وعلا. هذه عقوبته إذا عاقبه الله، كما قال أبو هريرة -رضي الله عنه- وغيره: «هذا جزاؤه إن جزاه الله». هذا جزاؤه إن جزاه الله. وإلا فالأدلة كما سمعنا تدل على عدم كفره. مع كذلك ثبوت الأدلة الصحيحة في أنه تحت مشيئة الله. ومنها قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. أي ما دون الشرك، ما دون الشرك من الذنوب. فصاحبه تحت مشيئة الله. إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له. قال: وأمره إلى الله تعالى، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له. يعني أي هو تحت المشيئة، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. فهو داخل تحت المشيئة، لأن ذنبه دون الشرك. لأن ذنبه دون الشرك. فالقتل هو دون الشرك، ليس من الشرك بالله جل وعلا. فيدخل في عموم هذه الآية: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. وهكذا يوافق ما ثبت في الصحيح، في حديث عبادة -رضي الله عنه- لما ذكر النبي -عليه الصلاة والسلام- الزنا والقتل. قال: «فمن أصاب شيئا من ذلك فأمره إلى الله، إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه». فمن أصاب شيئا من ذلك فأمره إلى الله، إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه. وهذا حديث صريح في أنه ليس بكافر، لأنه لو كان كافرا ليس له مغفرة. وليس تحت مشيئة الله، بل مصيره إلى النار والجحيم. فدل هذا على أنه ليس بكافر. وأيضا حديث أبي سعيد في قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسا. قتل تسعة وتسعين نفسا، ثم تاب بعد ذلك. وهو يبحث عن التوبة حتى قبض الله روحه. نعم. فقبضته ملائكة الرحمة. قال: هذا إن لم يتب، يعني وتحت المشيئة إذا لم يتب. أما إذا تاب فتوبته مقبولة، بقوله عز وجل: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. فالله عز وجل خاطب عباده الذين أسرفوا على أنفسهم، يعني بالذنوب والمعاصي وأكثروا منها. لا تقنطوا من رحمة الله. لا تيأسوا من رحمة الله جل وعلا. وأن الله جل وعلا يغفر الذنوب جميعا. جميع الذنوب، حتى الشرك من الله جل وعلا إذا تاب الإنسان منه. تاب الله عليه. فكيف بما هو دون الشرك؟ فإذا تاب تاب الله جل وعلا عليه. وهذه الآية كما ثبت بالصحيحين، حديث ابن عباس: أن سبب النزول أن ناسا من أهل الشرك كانوا قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا. فجاءوا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- قالوا: يا محمد، إن الذي تدعو إليه لحسن، لو أخبرتنا أن لما فعلنا كفارة. يعني لنا ما يكفر عنا هذه الذنوب. فأنزل الله عز وجل هذه الآية: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. ونزل قوله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ كَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. قال: ولكن لا يسقط حق المقتول في الآخرة بمجرد توبة القاتل. يعني لو أن القاتل قتل ثم تاب وندم. نقول: توبتك يعني يقبلها الله سبحانه وتعالى بإذن الله جل وعلا. لكن يبقى حق المقتول. يبقى حق المقتول، لأن القاتل يتعلق به ثلاثة حقوق: حق لله جل وعلا، وحق لأولياء المقتول، وحق للقاتل. فحق الله جل وعلا يؤدى بالتوبة، إذا تاب وندم ورجع. فالله عز وجل يقبل توبته، كسائر من تاب من الذنوب والمعاصي. وحق أولياء المقتول بإقامة القصاص، أو دفع الدية، أو العفو. ويبقى حق القاتل، هذا بين القاتل وبين المقتول يوم القيامة. بين القاتل وبين المقتول يوم القيامة. قال: مسألة الثالثة: أنواع القتل. قال: انقسم القتل إلى ثلاثة أقسام: القتل العمد، وشبه العمد، والخطأ. هذه أقسام القتل: عمد، وشبه عمد، وقتل خطأ. وهذا قول جمهور أهل العلم، أكثر أهل العلم على أن القتل يقسم إلى هذه الثلاثة الأقسام. خالف الإمام مالك -رحمه الله-، وأنكر قسم شبه العمد. وأنكر قسم شبه العمد، وقال: ليس في كتاب الله جل وعلا إلا العمد والخطأ. إلا العمد والخطأ. وجعل شبه العمد من قسم العمد. جعل شبه العمد من قسم العمد. ولعله -رحمه الله- تبلغه الأحاديث الواردة في ذلك. وله قول آخر يوافق قول الجمهور: أن شبه العمد قسم ثالث. وهذا هو الصحيح. أنها ثلاثة أقسام. ويدل على أن شبه العمد قسم مستقل، ما جاء عند أبي داود من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مئة من الإبل، أربعون في بطونها أولادها». والخطأ والعمد ورد ذكرهما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾، ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾. هذا في ذكر الخطأ. أن يقتل مؤمنا إلا خطأ. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾. هذا في ذكر قتل العمد. متعمدا. قال: وأما شبه العمد، فثبت في السنة المطهرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «عقل شبه العمد مغلظ مثل عقل العمد». يعني دية شبه العمد مغلظة كدية القتل العمد. والحديث رواه أبو داود من حديث عبد الله بن عمر، وحسنه العلامة الألباني -رحمه الله-. إذن هذه أنواع القتل: عمد، وشبه العمد، وقتل خطأ. قالوا: إلى توضيح القول في هذه الأقسام الثلاثة. القسم الأول: قتل العمد. حقيقته: أن يقصد القاتل آدميا معصوما، فيقتله بما يغلب على الظن موته به. أن يقصد القاتل آدميا، يعني إنسانا آدميا، ليس حيوانا. طيب معصوما. وعرفنا أن دم الآدمي المعصوم على أربعة أقسام. فيقتله بما يغلب على الظن موته به. بما يغلب على الظن موته به، يعني يقتله بآلة تقتل. بآلة تقتل غالبا، كما سيأتي تفصيله. قال: فعلى هذا لا بد من توافر ثلاثة شروط حتى يكون القتل عمدا. الأول: وجود القصد من القاتل، وهو إرادة القتل. يعني يشترط في قتل العمد أن يتعمد القتل. يريد أن يقتله. يريد أن يقتله. ويخرج بهذا الخطأ. يخرج بهذا الخطأ، لأن المخطئ لا يريد أصلا الجناية، ولا يريد أن يقتله. ما عنده نية ولا إرادة إلى القتل. بخلاف المتعمد. ويشارك العمد شبه العمد في إرادة الجناية وقصد الجناية. لكن سيأتي أنهم يختلفان في الآلة التي يقتل بها. قال: ثانيا: أن يعلم أن الشخص الذي قصد قتله آدمي معصوم الدم. يعني يعني يعتدي على إنسان يعلم أنه لا يجوز قتله. أنه لا يجوز قتله. أنه معصوم. قال: ثالثا: أن تكون الآلة التي قتله بها مما تصلح أن تكون للقتل عادة. سواء كانت محددة أم غير محددة. أن تكون الآلة مما تقتل في العادة. سواء كانت محددة كسكين أو سيف أو شيئا نحو ذلك مما فيه حدة. أو غير محددة لكنها في العادة تقتل. كالعمود، والحصى ونحو ذلك. فهنا يكون هذا القتل قتل عمدا. قال: فإن اختل شرط من هذه الشروط لم يكن القتل عمدا. إن اختل شرط من هذه الشروط لم يكن القتل عمدا. يعني لو لم يحصل القصد للقتل فليس بعمد. طيب قتل إنسانا غير معصوم. لا يعد قتل عمد. قد ضرب المجنون بآلة لا تقتل غالبا، مثل حصاة صغيرة مثلا. هذا لا يعتبر قتل عمد. ولو قتل ولو مات بها. لكن لا يعتبر قتل عمد. إنما يعتبر شبه عمد كما سيأتي. إذن قتل العمد لا بد فيه من هذه الثلاثة الشروط: إرادة القتل، أن يكون من قصده معصوم الدم، الثالث أن يقتله بآلة تقتل عادة. قال: صور القتل العمد: أن يضربه بمحدد، وهو ما يقطع ويدخل في البدن. كالسيف والسكين والرمح وما في معناها. يعني من الآلات المحددة. فيضربه بها. هذا يعتبر قتل العمد. هذا لا خلاف فيه. قال: ثانيا: أن يقتله بمثقل كبير. كالحجر الكبير، والمطرقة ونحوها. يعني مما في هذا المعنى. لحديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-: أن جارية وجد رأسها قد رض بين حجرين. رض، يعني دق وكسر. الجارية البنت الصغيرة. وجد في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- جارية رض رأسها، أي لطم وضرب وكسر بين حجرين. فسألوها: من صنع بك هذا؟ يعني قبل أن تموت في آخر رمق. قالوا: فلان فلان. اذكرون لها حتى ذكروا يهوديا. فأومت برأسها أنه. قال: فأخذ اليهودي فأقر. فأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يرض رأس بين بالحجارة. يعني قصاصا. أن يقتل مثل ما قتل. وعد ذلك قتل عمد. اعتبر قتله لهذه الجارية بحجرين من القتل العمد. فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بقتله. والحكم في الصحيحين. وهذا فيه خلاف. لكن هذا هو الصحيح. أن القتل بالمثقل كالحجر ونحوه يكون قتلا عمدا. وهذا قول الشافعي ومالك. قال: ثالثا: أن يمنع خروج نفسه. كأن يخنقه بحبل ونحوه. أو يسد فمه وأنفه حتى يموت. هذا يعتبر من القتل العمد. أن يمنع خروج نفسه. يخنقه بحبل حتى يموت. أو يكتم على أنفه وفمه حتى لا يتنفس فيموت. وهذا إذا كان في مدة يموت بمثلها غالبا. إذا كان في مدة يموت بمثلها غالبا. فيعتبر من القتل العمد. ومما يوجب القصاص. وأما إن كان في مدة لا يموت بمثلها. فيعتبر من شبه العمد. قال: رابعا: أن يسقيه سما لا يعلم به. أو يطعمه شيئا قاتلا فيموت به. يعني المقتول ما يعلم أن هذا الطعام فيه سم. أو هذا الشراب فيه سم. فيستعمله فيموت. فيعتبر هذا من القتل العمد. والنبي -صلى الله عليه وسلم- لما أتت له الجارية اليهودية بالأشياء المسمومة. وأكل معه بعض الصحابة كالبراء بن معرور. ومات بعد ذلك. أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بقتل اليهودية. قال: خامسا: أن يلقيه في مهلكة يكثر فيها السباع. أو ينعدم فيها الماء. هذا أيضا يعد من قتل العمد. يلقيه في مهلكة يكثر فيها السباع. في يعني غابة مثلا. أو مواضع فيها السباع. الحيوانات المفترسة كالأسود والفهود والنمور ونحوها. فتفترسه فيكون هذا قتل عمد. أو كذلك أيضا يهلك من العطش. عدم وجود الماء. كصحراء لا ماء فيها. قال: سادسا: أن يلقيه في ماء يغرقه. أو نار تحرقه. ولا يمكنه التخلص منهما. أن يلقيه في ماء يغرقه. وهو لا يحسن السباحة مثلا. والمكان عميق. فغرق حتى مات. فيعتبر هذا قتل عمد. أو نار تحرقه كذلك. ألقاه فيها نار تتأجج. لا يستطيع الخروج منها. فيعتبر من قتل العمد. أما إذا كان يستطيع التخلص. ألقاه في ماء والماء هذا يعني ليس بعميق. يستطيع أن يقف مثلا ويخرج. لا يعد هذا من قتل العمد. قال: سابعا: أن يحبسه ويمنع عنه الطعام والشراب زمنا يموت فيه غالبا. فيموت بذلك جوعا أو عطشا. يحبسه ويمنع عنه الطعام والشراب زمنا يموت فيه غالبا. يعني فترة لا يتحمل فيها ترك الطعام والشراب. فيهلك. فهنا يكون من قتل العمد. فيموت جوعا أو عطشا. قال: ثامنا: أن يلقيه إلى حيوان مفترس. أنا عندي مفترس. كأسد أو حية قاتلة. فيموت من ذلك. وهذا أيضا يعتبر من قتل العمد. أسد في في زريبته أو في داخل القفص. فيدخل إليه هذا الإنسان حتى يفترسه. هذا قتل العمد. أو حية قاتلة سامة. فيلقيه فيها. يلقيه على هذه الحية. فيموت بسبب ذلك. قال: تاسعا: أن يتسبب في قتله بما يقتل غالبا. كأن يشهد عليه بما يوجب قتله. من زنى أو ردة أو قتل. فيقتل. ثم يرجع الشهود عن شهادتهم. ويقولون: تعمدنا قتله. فيقتلون به. واضح. يتسبب في قتله. يشهدون مثلا على أنه قتل. فإذا قتل قالوا: نحن كذبنا عليه. لم يقتل. فيقتل هؤلاء الشهود الذين تسببوا في قتله. وبهذا قال الإمام أحمد والشافعي -رحمهم الله-. طيب نكتفي بهذا القدر لانتهاء الوقت. ونبدأ إن شاء الله بدرس قادم. إلى هنا صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. شكرا.

شاركنا على