الدرس في كتاب الصلاة 15، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
إذا لم يعرف الإنسان اتجاه القبلة، فعليه الاجتهاد في معرفتها، فإن أخطأ فصلاته صحيحة ولا يلزمه الإعادة. هذا هو القول الصحيح خلافا للشافعية.
المشهور عند الحنابلة أنه لا يعذر بالخطأ في الحضر، بينما يعذر في السفر. الحديث النبوي يدل على التيسير في استقبال القبلة، حيث يكفي استقبال جهة القبلة.
يجوز صلاة النافلة على الراحلة مع استقبال القبلة، ويجب استقبال القبلة في الفريضة إن أمكن. وإلا فيصلي على أي جهة مع الإيماء بالركوع والسجود.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الحافظ أحمد بن علي بن حجر رحمه الله في كتابه «بلوغ المرام»، في كتاب الصلاة، في باب شروط الصلاة: «وعن عامر بن ربيعة رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة، فأشكلت علينا القبلة، فصلينا، فلما طلعت الشمس، إذا نحن صلينا إلى غير القبلة، فنزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾». قال: «أخرجه ترمذي، وضعفه». هذا الحديث كما أشار الحافظ رحمه الله إلى تضعيف الترمذي له، وقد أخرجه الإمام الترمذي، وابن ماجة، من طريق أشعث بن سعد السمان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر، عن أبيه. والسند فيه ضعف، فأشعث السمان ضعيف، قال الإمام أحمد رحمه الله: «مضطرب الحديث». وقال أبو حاتم: «ضعيف، أو ضعيف الحديث، منكر الحديث، السيء الحفظ، يروي المناكير عن الثقات». وعاصم بن عبيد الله الذي يروي عنه أشعث هو عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وهو سيء الحفظ. فالحديث بهذا السند الضعيف، لكن جاء الحديث بنحوه من حديث جابر عند الدارقطني والبيهقي، وهكذا أيضا جاء من حديث ابن عباس، وكلها لا تخلو من مقال، لكن يشد بعضها بعضا. ولهذا الإمام الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية في تفسيره ذكر هذه الأحاديث، قال: «وهي لا تخلو من مقال، لكن يشد بعضها بعضا». فهذا الحديث فيه أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا مع النبي عليه الصلاة والسلام في ليلة مظلمة، يعني ليلة فيها غيم لا يرى النجوم، فأشكلت عليهم القبلة، ما دروا أين القبلة، فصلوا، لا شك أن ذلك بعد بذل الجهد في معرفة القبلة. فلما طلعت الشمس تبين أنهم صلوا إلى غير القبلة، فنزلت الآية. لكن سبب النزول لا يصح؛ لأن الحديث ضعيف، لكن معنى هذا الحديث صحيح، وهو أن الإنسان إذا لم يدري أين القبلة، إنسان في سفر، وكان هناك غيم، الليلة مظلمة، فأشكلت عليه القبلة، فلم يدري أين هي، فاجتهد، فصل، فتبين أنه أخطأ، وأنه صلى إلى غير القبلة، فإن صلاته مجزئة، ولا يلزمه أن يعيد؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، ويقول جل وعلا: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. فالذي اجتهد، بذل وسعه في معرفة القبلة، فلم يصبها، وأخطأ، فهو معذور؛ هذا هو القول الصحيح في هذه المسألة، خلافا لمن قال: إنه يعيد مطلقا إذا أخطأ، ولم يصب القبلة، فإنه يعيد، سواء خرج الوقت أو كان الوقت باقيا، وهو قول الشافعية. والصواب أنه لا يلزمه الإعادة؛ لأنه أدى الذي عليه، والواجب على المسلم إذا أراد أن يصلي أن يجتهد في معرفة القبلة، وخاصة إذا كان في السفر. فإذا كان في النهار، مثلا، يعرف القبلة بالشمس، من مشرقها، وفي الليل بالنجوم، ينظر إلى النجوم، والله عز وجل يقول: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾، ينظر إلى النجم الذي يسمى بالقطب، نجم خفي جدا، وبجانبه نجم أوضح منه، يسمى الجدي، يعرف به جهة القبلة، فيبذل جهده في معرفة القبلة، أو يستعين بالآلات الحديثة، كالجوالات التي فيها البوصلة، التي تحدد موضعه، وتبين له جهة القبلة، فيبذل وسعه ما استطاع. فإن فعل ذلك، ثم أخطأ، فإنه معذور، وصلاته صحيحة. وبهذا يعلم أن استقبال القبلة واجب، بل هو شرط، استقبال القبلة شرط من شروط صحة الصلاة، قال الله جل وعلا: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكبر». إذن، استقبال القبلة شرط، لكن إذا عجز عنه الإنسان، سقط عنه، نعم، هذا في حال السفر. أما في الحضر، هل يعذر بالخطأ في عدم الصلاة إلى القبلة؟ فالمشهور عند الحنابلة أنه لا يعذر، إنما العذر في السفر، أما في الحضر فلا يعذر. وسئل الإمام أحمد رحمه الله عن من صلى في الحضر إلى غير القبلة، اجتهد فأخطأ، فقال: «يعيد». وهناك رواية أخرى عن الإمام أحمد أنه إذا كان مجتهدا، وأخطأ، فإنه يعذر؛ وهذا القول أقرب إلى أدلة الشرع التي فيها أن الإنسان إذا بذل جهده في إصابة الحق، فأخطأ، فإنه خطأه مغفور، ويعذر بذلك. قال رحمه الله: «وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بين المشرق والمغرب قبلة». رواه الترمذي، وقواه البخاري. الحديث رواه الترمذي من طريق أبي معشر، وأبو معشر ضعيف، تكلم في حفظه أهل العلم. ورواه من طريق أخرى، من طريق سعيد المقبري، عن أبي هريرة، وهذه الطريق الصحيحة، وهي التي قواها الإمام البخاري. والحديث يدل على التيسير والتسهيل في استقبال القبلة، وأن الذي يلزم المسلم عند الصلاة أن يستقبل جهة القبلة؛ إذا كان لا يرى الكعبة، فيلزمه استقبال الجهة. وإذا كان يرى الكعبة، فيستقبل عين الكعبة. وأما إذا كان لا يراها، فإنه يستقبل جهة الكعبة. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما بين المشرق والمغرب قبلة»، هذا بالنسبة لأهل المدينة، ومن كان على جهاتهم، كأهل الشام، فالقبلة ما بين المشرق والمغرب. وكل بلد على حسبه؛ لأن الناس في البلدان حول الكعبة، هم كالدائرة حول جزء معين، هم كالدائرة حول الكعبة، فكل يستقبل جهة الكعبة من بلده، ومن مكانه. فمن كان قبلته في المشرق، فقبلته إلى جهة المغرب، ومن كان في المغرب، فقبلته جهة المشرق، ومن كان في الجنوب، قبلته جهة الشمال، ومن كان في الشمال، قبلته جهة الجنوب. فمن بين الشمال والجنوب قبلة لمن كانت قبلته في تلك الجهة. وهكذا فالمهم كل يستقبل جهة القبلة، وجهة الكعبة من محله وبلاده، وهذا هو الواجب على المسلم إذا أراد أن يصلي أن يستقبل الجهة، ولا يلزمه أن يستقبل عين الكعبة. يعني معنى الجهة ليس معنى أنه يستقبل عين الكعبة إذا مد خيط، أنه يصيب عينها، لا، المقصود أن يصيب الجهة، هذا هو المطلوب، وهذا هو الواجب على المسلم إذا أراد أن يصلي. ولهذا إذا حصل انحراف يسير، فإنه لا يضر، ما دام أنه في جهة القبلة. أما إذا كان انحراف كثير، فهذا يضر. قال رحمه الله: «وعن عامر بن ربيعة رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته حيث توجهت به». متفق عليه. قال: «وزاد البخاري: يومئ برأسه، ولم يكن يصنعه في المكتوبة». قاله لأبي داود من حديث أنس رضي الله عنه: «وكان إذا سافر، فأراد أن يتطوع، استقبل بناقته القبلة، فكبر، ثم صلى حيث كان وجه ركابه». وإسناده حسن، ولفظه لأبي داود: «حيث وجهه ركابه»، بدل «حيث كان وجه ركابه». والحديث حسن كما قال الحافظ رحمه الله. في حديث عامر بن ربيعة يقول: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته -الراحلة: المركوب الذي يركبه، وهي في الغالب الإبل، ومثلها ما كان في حكمها، كل ما يركبه الإنسان فهو راحل يرتحلها، ولو كان ذلك مثلا على حمار، أو على بغل، أو على المركوبات الحديثة، كالسيارة، أو الطائرة، أو السفينة، أو نحوها، لكن المراد هنا الإبل التي كان يركبها النبي عليه الصلاة والسلام، أو الفرس، أو نحوها- يصلي على راحلته حيث توجهت به، يعني من غير أن يستقبل بها القبلة». وفي رواية البخاري: «يوميء برأسه»، يعني يشير برأسه، يعني في الركوع والسجود، يركع ويسجد وهو على ظهر الراحلة، يشير برأسه. قال: «ولم يكن يصنعه في المكتوبة»، يعني لم يكن يفعل ذلك في صلاة الفريضة، وإنما كان يفعل ذلك في النافلة. في حديث أنس: «كان إذا أراد أن يتطوع في السفر -يعني على الراحلة- استقبل بناقته القبلة، وجهها إلى جهة القبلة، فيكبر، ثم يصلي حيث توجهت به». إذن، حديث أنس يدل على أن فعل النبي عليه الصلاة والسلام هذا، وهو صلاته النافلة على الراحلة، إنما كان في السفر. قال: «كان إذا سافر». إذن، هذا الفعل فعله النبي عليه الصلاة والسلام في السفر. وجاء في رواية في مسلم: قال عبد الله بن عمر: «أخبرني أبو أبيه أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي السبحة بالليل في السفر، على ظهر راحلته، حيث توجهت به». يصلي السبحة، يعني النافلة، بالليل في السفر، على ظهر راحلته، حيث توجهت به. إذن، صلاة النافلة على الراحلة، هذا في السفر. طيب، هذا أولا، ثانيا: في الحديث جواز صلاة النافلة على الراحلة، كصلاة مثلا الضحى، أو ركعتي الوضوء، فيجوز للإنسان في السفر أن يصليها على راحلته. وأما بقية السنن، كسنن الرواتب القبلية والبعدية، فإن من السنة تركها في السفر؛ فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الرواتب في السفر، إلا راتبة الفجر، القبلية، التي هي ركعتي الفجر، وهكذا أيضا الوتر، فهذه كان يحافظ عليها، ويواظب عليها النبي صلى الله عليه وسلم في السفر، وفي الحضر. هذا بالنسبة للنافلة. وأما الفريضة، فإنه كان ينزل، ويستقبل القبلة، ويصلي إلى جهة القبلة. وفي هذا دليل على أن استقبال القبلة في صلاة النافلة على الراحلة ليس بواجب؛ إرادة المسلم أن يصلي، يتنفل، وهو على الراحلة، فلا يجب عليه أن يستقبل القبلة؛ لقوله في حديث عامر بن ربيعة: «حيث توجهت به»، يصلي على أي جهة. طيب، في حديث أنس قال: «كان إذا أراد سفرا، وأراد أن يتطوع، استقبل بناقته القبلة»، هذا في أنه يبدأ أولا بتوجيه الراحلة إلى جهة القبلة، ثم يكبر تكبيرة الإحرام، ثم يصلي حيث توجهت به. وهذا يدل على استقبال القبلة ابتداء لصلاة النافلة على الراحلة، ثم يصلي حيث توجهت به. لكن جمهور أهل العلم حملوا هذا على جهة الاستحباب، وعلى جهة الأكمل والأفضل، وإلا ليس بلازم، وهو الصحيح؛ يعني لا يلزم أن توجه الراحلة إلى جهة القبلة، حتى تكبر تكبيرة الإحرام، ثم تصلي حيث توجهت بك، بل هذا من باب الاستحباب، الأفضل والأكمل، إذا أردت أن تصلي نافلة على الراحلة، أن تتوجه إلى جهة القبلة ابتداء، فتكبر تكبيرة الإحرام، ثم تصلي حيث توجهت بك. وإن فعلت بأن صليت ابتداء إلى غير القبلة، وأنت على الراحلة، لصلاة النافلة، ليس عليك شيء. علمنا أن في صلاة الفريضة كان ينزل، ويستقبل القبلة. طيب، إذا كان الإنسان على مركوب، لا يستطيع أن ينزل، كمن كان على الطائرة، أو كان على السفينة، كيف يفعل في صلاة الفريضة؟ نقول: إذا أمكن، خاصة إذا كان وقت الصلاة ضيق، سيأتي وقت الصلاة وسينتهي، وما زلت في الطائرة، أو ما زلت في السفينة، فهنا نقول: إن أمكن أن تستقبل القبلة، وتصلي إلى جهة القبلة، فهذا هو الواجب؛ إذا كان هناك مكان ومتسع أن تستقبل به القبلة، وتصلي، فهذا هو الواجب. وإن لم يمكن، فصلي على أي جهة؛ ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، هذا واجب، وأنت لا تستطيع أن تأتي بهذا الواجب، سقط عنك؛ لأن القاعدة الشرعية: أنه لا واجب مع العجز. ولا تترك صلاة الفريضة، يخرج وقتها من غير صلاة، لا، صلي على أي حال، وليس عليك شيء، وتومئ إيماء بالركوع والسجود، تومئ إيماء، تشير برأسك، تجعل السجود أخفض من الركوع، تجعل السجود أخفض من الركوع. وهكذا أيضا في النافلة، إلا صلاة النافلة على الراحلة، فتومئ إيماء، وتجعل السجود أخفض من الركوع. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.