الدرس في كتاب الإيمان 33، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يبدأ الحديث عن الجهاد في سبيل الله وأهمية إنكار المنكر، حيث يشير إلى أن من جاهد المنكر فهو مؤمن. يُوضح أن تغيير المنكر يكون على مراتب.
يشرح الحديث مراتب تغيير المنكر، حيث يبدأ بالتغيير باليد، ثم باللسان، وأخيرًا بالقلب. يُبرز أهمية هذه المراتب في تقييم الإيمان.
يتناول الحديث أهمية اتباع سنة الأنبياء والحواريين، ويشير إلى أن كل نبي كان له حواريون يهتدون بهديه. يُوضح دور الأنبياء في قيادة بني إسرائيل.
يُحذر من عدم إنكار المنكر بالقلب، حيث يدل ذلك على ضعف الإيمان أو عدم وجوده. يُشدد على أهمية تغيير القلب عند رؤية المنكر.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرح الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم، الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله، في صحيحه، في كتاب الإيمان: قال حدثني عمر الناقد، وأبو بكر بن النظر، وعبد بن حميد، واللفظ لعبد، قالوا: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، قال: حدثني أبي، عن صالح بن كيسان، عن الحارث، عن جعفر بن عبد الله بن الحكم، عن عبد الرحمن بن المسور، عن أبي رافع، وهو مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم - واختلف في اسمه، كما أشار الإمام النووي رحمه الله، قيل: أسلم، وقيل: إبراهيم، وقيل: هرمز، وقيل: ثابت، وقيل: يزيد - عن عبد الله بن مسعود، وهو من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومن جمع القرآن، بل قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام: «من أراد أن يقرأ القرآن غضًا طريًا كما أنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد»، أي عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وكان من أشبه الناس هديًا برسول الله عليه الصلاة والسلام. قال: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل». قال أبو رافع: فحدثته عبد الله بن عمر، فإن كره علي فقدم ابن مسعود، فنزل بقناة - قناة وادي من أودية المدينة، عليه مال من أموالها - وفي رواية: بفناة، والفناء المكان الذي يكون أمام الدور، لكن القاضي عياض رحمه الله خطأ من رواه بفناء، وأن الصواب بقناة كما في هذه الرواية. قال: فاستتبعني إليه عبد الله بن عمر يعوده، فانطلقت معه، فلما جلسنا سألت ابن مسعود عن هذا الحديث، فحدثنيه كما حدثته ابن عمر. قال صالح: وقد تحدث بنحو ذلك عن أبي رافع. وحدثنيه أبو بكر بن إسحاق بن محمد، قال: أخبرنا ابن أبي مريم، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، قال: أخبرني الحارث بن الفضيل الخطمي، عن جعفر بن عبد الله بن الحكم، عن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، عن أبي رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم، عن عبد الله بن مسعود، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما كان من نبي إلا وقد كان له حواريون يهتدون بهديه ويستنون بسنته»، مثل حديث صالح، ولم يذكر قدوم ابن مسعود واجتماع ابن عمر معه. هذا الحديث يخبر فيه النبي عليه الصلاة والسلام أن الله جل وعلا ما بعث من نبي - أي من الأنبياء - إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره. الحواريون جمع حواري، وهو الخلص من الأصحاب والأصدقاء الخلص منهم يقال لهم الحواريون. فيخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن ما من نبي بعثه الله في أمة قبله من الأمم والأنبياء كثر لا يعلم عدتهم إلا الله ﴿ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك﴾ على أن النبي من أمر بتبليغ رسالة من كان قبله، وهم أكثر من رسل، وكان الأنبياء في بني إسرائيل يخلف بعضهم بعضًا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كانت بني إسرائيل تسوسهم الأنبياء»، يعني هم الذين يقومون بشؤونهم وسياسة أمورهم، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي. وما بعث الله جل وعلا من نبي إلا كان له من أمته حواري أصحاب وخلص من أصحابه، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «لكل أمة أو نبي حواري»، وحواري الزبير - أي من العوام - هذا فضيلة من فضائل الزبير رضي الله تعالى عنه. قال: «وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره»، يعني هؤلاء الحواري والأصحاب المقربين لهذا النبي يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، يعملون بها ويحافظون عليها ويدعون إليها. قال: «ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف»، الخلوف يعني من يخلف غيره بشر، يخلف من بعدهم - يعني من بعد هؤلاء الأصحاب - يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، وهذا فيمن قام في مقامهم. قال: «فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل». ذكر هنا مراتب تغيير المنكر التي مرت معنا في حديث أبي سعيد الخدري: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، يعني غير هذا المنكر بيده فهو مؤمن، وهذا أول مراتب الإنكار التغيير باليد، ومر معنا أن التغيير باليد لا بد فيه من الاستطاعة والقدرة، وهكذا أيضًا الأمن من ترتب فتنة أعظم. فمثلًا الإنكار على ولي الأمر إذا وقع في الكفر البواح - طبعًا إذا وقع في معصية أو فسق - لا يجوز الخروج عليه، والخروج عليه لا شك هو التغيير باليد، وهذا لا يجوز ما دام أنه يقيم الصلاة. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم حين أخبر أنه سيكون أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن أنكر فقد برئ، ومن كره فقد سلم، لكن من رضي وتابع. قالوا: يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: «لا ما أقاموا فيكم الصلاة، ما أقاموا فيكم الصلاة فلا تخرجون عليهم بالسيف ما منعوكم الصلاة فلا تخرجوا» حديث مسلمة في الصحيح، وفي حديث عبادة بن الصامت أيضًا في الصحيحين قال عليه الصلاة والسلام: «إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان»، أن تروا كفرًا بواحًا يعني كفرًا ظاهرًا بينًا، عندكم فيه من الله برهان يعني حجة ودليل على أن هذا كفر، ليس بمجرد تأويلات واحتمالات. قال: «ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن»، هذه المرتبة الثانية من مراتب الإنكار، الإنكار باللسان، إذا لم تستطع الإنكار باليد أو ترتب عليه أو يترتب عليه مفسدة أعظم، يأتي الإنكار باللسان. تنكر هذا المنكر الذي فعله والذي أقامه، لكن كما قلنا من غير تهييج على الخروج عليه، وإنما تنكر المنكر الذي فعله، هذا من الإيمان أنك تجاهد من فعل هذا المنكر بلسانك. قال: «ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن»، هذه المرتبة الثالثة، المجاهدة بالقلب، يعني الإنكار هذا المنكر بقلبك، وتكره هذا الذي فعله وتنكره، ولا تشهده ولا تحضره. قال: «وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل»، يعني ليس وراء الإنكار بالقلب شيء من الإيمان، إذا لم تنكر بقلبك، معنى ذلك ليس عندك شيء من الإيمان، قلبك خالٍ من الإيمان، ترى المنكر فلا يتغير قلبك ولا يحزن ولا ينكر ولا يكره ما فعل من المنكر، هذا من ضعف الإيمان. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.