شرح المنظومة البيقونية 9

الدرس في شرح المنظومة البيقونية 9، ألقاها

الإدراج في الحديث: تعريفه، أنواعه، وأسبابه

يُبيّن هذا المحور مفهوم الإدراج لغةً واصطلاحاً مع تقسيمه إلى إدراج في الإسناد وإدراج في المتن ومواضعه، ويسوق أمثلة من أحاديث أبي هريرة وعائشة رضي الله عنهما. كما يفصل في أنواع الإدراج الثلاثة: الخطأ والتفسير والعمد، مبيناً حكم كل نوع وكيفية معرفة الإدراج بتصريح الراوي أو قرائن السياق.

الرواية المدبجة: تعريفها وتمييزها عن رواية الأقران

يتناول هذا المحور تعريف الرواية المدبجة بأنها رواية كل قرين عن الآخر من الجهتين مشبهةً بديباجة الوجه، مع التمثيل برواية مالك والأوزاعي. ويوضح الفرق الجوهري بينها وبين رواية الأقران التي تقتصر على جهة واحدة فقط كرواية أبي هريرة عن عائشة دون العكس.

ختام الجلسة العلمية والدعاء الختامي

يعلن المحاضر انتهاء الدرس بالاكتفاء بما ذُكر من مباحث الإدراج والرواية المدبجة. ويختتم الجلسة بالصلاة والسلام على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه أجمعين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال الناظم رحمه الله: "والمدرجات في الحديث ما أتت من بعض ألفاظ الرواة اتصلت". في هذا البيت ذكر رحمه الله من أنواع الحديث: المدرج. والإدراج لغة: إدخال الشيء في الشيء. واصطلاحاً: أن يزيد الراوي، أو الزيادة في الإسناد أو المتن. الإدراج: زيادة راوٍ أو لفظة في الإسناد، أو لفظة في المتن ليست منه. ينقسم الإدراج إلى قسمين: إدراج في الإسناد، وإدراج في المتن. فالإدراج بالإسناد: يعني أن يذكر راوٍ بين راويين، والصواب عدم ذكره، فيكون هذا مدرجاً في الإسناد. أو كذلك أيضاً: يعني تذكر مثلاً لفظة هي من حديث صحابي، فتذكر في حديث صحابي آخر، فيكون هذا أيضاً من مدرج الإسناد. تكون لفظة مثلاً في حديث أنس، فيأتي من يذكرها في حديث أبي هريرة، فيكون هذا من مدرج الإسناد. ومدرج المتن: أن يزيد الراوي لفظة في متن الحديث ليست من قول النبي عليه الصلاة والسلام. والإدراج بالمتن: إما أن يكون في أول السند، وإما أن يكون في وسطه، وإما أن يكون في آخره. فمثال الإدراج في أول السند: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: "أسبغوا الوضوء، ويل للعقبات من النار". أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أسبغوا الوضوء، ويل للعقبات من النار". فقوله: "أسبغوا الوضوء" هذا من قول أبي هريرة، جاء في رواية أخرى أنه قال: "أسبغوا الوضوء، فإني سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: ويل للعقبات من النار". فدل على أن قوله: "أسبغوا الوضوء" هذا مدرج. وكذلك أيضاً من الإدراج في وسط الحديث: حيث عائشة في ذكر بدء الوحي، وفيه أنها قالت: "وكان يتعبد في غار حراء الليالي ذوات العدد". جاء في لفظة: "والتعبد هو التحنث، التحنث الليالي ذوات العدد". هذه اللفظة ليست من متن الحديث، وإنما ذكرها الزهري، أدرجها الزهري من باب التفسير. طيب، وسنأتي معنا بحكم الإدراج. فهذا مدرج في وسط الحديث. ومدرج في آخر الحديث، وهذا أكثر، أن الإدراج يكون في آخر الحديث. ومن ذلك: من الإدراج في آخر الحديث حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن أمتي يدعون يوم القيامة غُرّاً محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع أن يطيل غرته وتحجيله فليفعل". فقوله: "فمن استطاع أن يطيل غرته وتحجيله فليفعل" هذا من قول أبي هريرة. نعم، أدرجه في الحديث، وبين العلماء ذلك. كذلك أيضاً حديث أبي هريرة في قوله: "للعبد المملوك أجران، والذي نفسي بيده، لولا الحج والجهاد وبر أمي، لا أحببت أن أموت وأنا مملوك". هذا أيضاً الحديث فيه إدراج، فقوله: "والذي نفسي بيده" إلى آخره، هذا مدرج من قول أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. والإدراج قد يقع خطأ، وقد يقع تفسيراً، وقد يكون عمداً. فقد يقع خطأ: بمعنى يخطئ الراوي في ذكر هذه اللفظة، ويظنها من متن الحديث أو من قول النبي عليه الصلاة والسلام، فينسبها إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ومن ذلك ما ذكر عن ثابت بن موسى أنه دخل على شريك بن عبد الله القاضي، وهو يحدث، يملي على الرواة وطلاب، فذكر يعني سند الحديث: "روى عن الأعمش، عن أبي يزيد، عن جابر"، ثم قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"، فسكت. فلما رأى ثابت، وكان وجهه مضيئاً، قال: "من كثرت صلاته بالليل، حسن وجهه بالنهار". فظن ثابت أن هذا من الحديث، فكان يحدث به، يحدث به عن شريك، عن الأعمش، عن أبي يزيد، عن جابر، أنه قال: "من كثرت صلاته بالليل، حسن وجهه بالنهار". وهو إنما عن ثابت، لما رأى يعني وجهه منيراً مضيئاً، هذا يعني من دلالة قيام الليل، فذكر هذا الكلام، وليس هو من قول النبي صلى الله عليه وسلم، فكان ثابت يدرجه من قول النبي عليه الصلاة والسلام. فالمقصود أنه قد يحصل الإدراج خطأ، وإذا حصل خطأ فهذا معفو عنه: "ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا". وأما على جهة التفسير: فهذا فعله السلف، كالزهري وغيره، كان يدرجون بعض الألفاظ من باب التفسير، لكن ينبغي تبيين وتوضيح أن هذا ليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم، إنما هذا من جهة التفسير. وأما الإدراج على جهة التعمد: هذا لا يجوز، لأنهم يكذبون على النبي عليه الصلاة والسلام. طيب، فالحديث المدرج ليس من قول النبي عليه الصلاة والسلام، هذا معنى قولي: "والمدرجات في الحديث ما أتت من بعض ألفاظ الرواة اتصلت". والإدراج يعرف بأمور، كما ذكر أهل العلم: الأمر الأول: بتبيين الراوي وتصريح الراوي أنه من قوله، أو ليس من قول النبي عليه الصلاة والسلام. مثل حديث أبي هريرة: "أسبغوا الوضوء، فإن أبا القاسم صلى الله عليه وسلم قال: ويل للعقبات من النار". هذا الآن صريح أن قوله: "أسبغوا الوضوء" من قول أبي هريرة، وليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم. والأمر الثاني: استحالة كون النبي صلى الله عليه وسلم قاله. بتحقيق: بأبي هريرة لذكرناه: "والذي نفسي بيده، لولا الجهاد والحج وبر أمي، لا أحببت أن أموت وأنا مملوك". هذا يستحيل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قاله، لماذا؟ لأن أمه قد ماتت، ولأنه كذلك ما يمكن أن يتمنى الرق، قد فضله الله سبحانه وتعالى بالنبوة والرسالة، وهذه تنافي الرق، فيكون هذا الكلام ليس من قول النبي عليه الصلاة والسلام. وكذلك أيضاً بنص إمام من الأئمة الحفاظ على أن هذا الكلام مدرج، ليس من قول النبي عليه الصلاة والسلام. طيب، واضح. ثم قال الناظم: "وما روى كل قرين عن أخيه مدبج فعرفه حقاً وانتخبه". وما روى كل قرين عن أخيه: القرين أو القرناء هم الرواة الذين يشتركون في طبقة من الطبقات، بأنهم يتفقون في الرواية عن الشيخ أو المشايخ، مع تقاربهم في السن. فيقال: هؤلاء قرناء. فلان قرين لفلان، يعني مثلاً: يقال أبو هريرة قرين لأبي سعيد، أو ابن عباس قرين لعمر. طيب، الأوزاعي قرين لمالك، مثلاً محمد بن سيرين قرين لفلان من التابعين، وكذا. هؤلاء قرناء. فيقول: "وما روى كل قرين عن أخيه"، يعني إذا روى كل واحد منهم عن الآخر، فهذا يسمى بالمدبج. "مدبج فعرفه حقاً وانتخبه"، انتخبه يعني اختاره. هذه رواية القرين، القرناء بعضهم عن بعض، يسمى بالمدبج. وهذا سُمّي بذلك من ديباجة الوجه، جانب الوجه. كل واحد يلتفت إلى الآخر ليحدثه، فيلتفت إليه صاحبه ليحدثه، هذا يسمى بالمدبج. يعني مثلاً: إذا روى أبو هريرة عن عائشة، وروت عائشة عن أبي هريرة، هذا يسمى مدبج. روى مالك عن الأوزاعي، والأوزاعي روى عن مالك، هذا مدبج. طيب، وهذا مثلاً روى الثوري عن ابن عيينة، وابن عيينة عن الثوري، مثلاً هذا مدبج. إذا روى كل قرين عن الآخر، كل واحد روى عن الثاني، يسمى مدبج. طيب، فإذا كانت الرواية من جهة واحدة، يعني مثلاً روى أبو هريرة عن عائشة، أما عائشة لم تروِ عن أبي هريرة، تسمى هذه رواية الأقران، تسمى رواية الأقران، لا ما يسمى مدبج إلا إذا حصلت الرواية من جهتين، إذا كل واحد روى عن الآخر يسمى مدبج. أما إذا حصلت الرواية من جهة واحدة فهذه رواية الأقران. طيب، طيب، نكتفي بهذا إن شاء الله، إلى هنا. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على