شرح كتاب لم الدر المنثور 117

الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 117، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

أهمية تحسين الخط وآداب الكتابة بالعلم

يؤكد المحور على وجوب تعلم الخط الواضح والكتابة بالعلم، مشيراً إلى أن السواد أفضل ألوان المداد للظهور والوضوح. وينصح بالابتعاد عن الخط الدقيق البخيل والكتابة بما ينفع عند الكبر وضعف البصر لاستمرار الأجر.

فضل طلب العلم وإتقان الكتابة مع ذم السجع

يبين المحور مكانة طالب العلم وأن اتساخ ثوبه بالحبر يعد بياضاً وبصيرة، مستشهداً بزيد بن ثابت وأئمة الحديث في إتقان العربية. كما يستهل باب ذم السجع في الدعاء والخطب مبيناً خلاف العلماء في تفسير حديث البيان.

حكم السجع في الكلام والدعاء وكراهيته عند السلف

يتناول المحور ذم السجع المقصود في معارضة أحكام النبي صلى الله عليه وسلم كما في قصة حميل بن النابغة، حيث شبهه النبي بكلام الكهان. وينقل أقوال العلماء في كراهة السجع لكونه تكلفاً مانعاً من الخشوع ومخالفاً لهدي السلف.

النهي عن التكلف في السجع وبيان مذمومه ومباحه

يشرح المحور كراهة السجع المتكلف لتشبهه بكلام الكهان ومسيلمة الكذاب، ناقلاً أقوال الغزالي والذهبي في ذم التكلف في الدعاء والخطابة. ويؤكد أن السجع المذموم هو المتكلف أو المعارض للحق، بينما غير المتكلف في الأدعية المأثورة جائز.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله، الحديث لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد. أخذنا في باب تبيين الخط وتحسينه، وخير ألوانه. السوال: أن الخط مطلوب، والكتاب كذلك مطلوب، وينبغي أن يتعلمها كل مسلم لكي يكتب ما أراد. وأفضل في ذلك كتابة العلم. وذكرنا كلام عمر رضي الله عنه: "شر الكتابة المشق، وشر القراءة الهذرة". ماء السرعة: يسرع في القراءة. وأجود الخط أبينه، يعني أوضحه. والمشق: تقدم أنه مدّ الحروف في الكتابة، أو يُحمل على سرعة الكتابة؛ لأن أصل المشق في اللغة الخفة والسرعة. فبعض الحروف تقتل إلى بيان، مثل الشين والسين، لكثرة ما فيهما من هذه التشكيلات. فيه كما يقال: "أربعة من ثلاثة بروس"، هذه تجعله مثل... إذا لم تنقط تجعله مثل... تقارب عن نوم، والباء مثل كلمة "بين"، كلمة "بين" إذا لم تكتبها مثلاً بدون نقط صارت مثل السين. لهذا يكتبون كلمة "بين" ويفرقون بينها برفع أحد... يعني الأدراس البسطة يرفعونها؛ لأن الأدراس التي في السين تكون أسفل من خاصة الثاني الذي فيه في وسط. لهذا يكتبون "بين": يكتبون الأول صغيراً ثم يربعونها قليلاً ثم يكتبون الياء ثم بعد ذلك النون حتى لا تجربه في السين. لأن النقط ما كانت في عهد الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وإنما كانت في من بعدهم في أواخر عهد... كما فعل ذلك أبو الأسود الدؤلي رحمه الله تعالى في آخر عهد الصحابة، فنقط بعد ذلك، والخليل بن أحمد رحمه الله تعالى زاد على ذلك. فينبغي الاعتناء بالكتابة وبالحروف. قال رشحاب إبراهيم، الجماعة الكتاني رحمه الله: ينبغي أن يجتنب الكتابة الدقيقة في النسخ؛ فإن الخط علامة، فأبيانه أحسن. أيضاً في الكتابة ينبغي أن لا تلتب... كتابة دقيقة عندما تنصف، يعني صغيرة، دقيقة يعني صغيرة؛ فإن الخط علامة، فأبيانه أحسن. أفضل الخط عندما يكون حسنة. وقال يحيى بن أكثم رحمه الله: تذاكر الألوان عند الرشيد: بأي لون يكتب؟ وقال بعضهم: أحسنها البياض، أي أن تكتب في المداد الأبيض، لون الأنهار. وقال آخرون: أحسنها الخضرة، أي الأخضر، لون الجنة. وقال آخر: أحسنها لون الذهب، أي ماء الذهب. قال: ومحمد بن الحسن هو صاحب به، حديثة ساكت. وقال له الرشيد: "لما لا تتكلم؟" وكان من أصحاب الرشيد، يعني من أصحاب مجلس ممن يقرب ويدنيه. قال: "لما لا تتكلم؟" فأراد رفع السواد، فقال: "لو كان صبغ أحسن من السواد لكتبت به كتب الله المنزلة". فاستحسن الرشيد قوله ووصله من بينهم. يعني أفضل الألوان هذه التي ذكروا عند الرشيد كان أفضلها ما ذكره محمد بن الحسن، وهو السواد: أن يكتب بالمداد الأسود. لهذا ترى أن الأسود يظهر في الأبيض، يظهر كذلك في البني، يظهر في العظام، في اللخاف واللحاف، وكذلك ورق الشجر. فالأسود أفضلها. قال الخطيب البغدادي رحمه الله: بلغني عن بعض الشيوخ أنه كان إذا رأى خطاً دقيقاً قال: "هذا خط من لا يوقن بالخلف من الله". من لا يوقن بالخلف، أي بالعوض أن يخلف الله عليه. يعني كأنه بخيل، الذي يكتب خطاً دقيقاً هذا بخيل، بخيل على الأوراق، فيكتب الخط الدقيق حتى تحوي كثرة من الكلمات. فينبغي ترقيق الخط لأجل أن الشخص قد يحتاج إليه، وأيضاً قد يحتاج إليه الناس. إذا مات يحتاجون إلى علم، يحتاجون إلى ما كتبت. فإن كان ما كتبت بيناً واضحاً استفاد منه الناس ولم يتعبوا فيه، يعني لم يتعبوا في نسخه، لم يتعبوا كذلك في قراءته. لهذا تبين الخط؛ لأنك تحتاج إليه أولاً، ثم يحتاج إليه غيرك ثانياً. إذا خلفت علماً نافعاً... فكما الآن من المخططات التي كتبها المشايخ وماتوا وتركوها: كثير. الشيخ الألباني: ما ظهرت أكثر كتب إلا بعد موته. في حياتنا ظهرت مع الكتب، استطاعوا أن يطبعها، وبعضها بعد موته وجدوا مكتب حافلة بالمخططات، أي التي خطها بيده الألباني رحمه الله تعالى. خط كثير، وخرجت كتب كثيرة للألباني بعد موته. احتاج الناس إلى هذا، فوجدوا ما كتب وما علق: علق على كتب فتحية، وكتب في العقيدة، شروحات أحاديث، هكذا كتبها بخط يده، فكانت مخطوطة التي تسمى ماذا؟ المخطوطة. هكذا شيخنا عبد الرحمن النعمة رحمه الله: وجدوا له مخطوطات في فنون شتى، كان يكتب ويعلق في دفاتر وغيرها. مع ذلك الناس يحتاجون إلى هذا العلم. أنت الآن تكتب، تكتب تعليق على كتب، وأيضاً تكتب بعض البحوثات. وما يدري بعد ذلك هل أنت ستعيش لها، هل ستطبع في حياتك أم لن تطبع في حياتك؟ ربما من يقوم بخدمتها بعد موتك. فكان من العلم... العلم الذي ينشر، وأيضاً هذا لك فيه أجر عند الله عز وجل، ويستمر أجر بعد موتك. أو علم ينتفع به، ينتفع به الناس، ينتفع به... انطلقت العلم، تركت علماً نافعاً، فجاء أولادك أو جاء طلبة علم من يهتمون بنشر العلم، فوجدوك قد كتبت. فإذا كانت كتابتك واضحة فالناس سيتمون هذا الذي كتبت. قال: قال الخطيب البغدادي رحمه الله: بلغني عن بعض الشيوخ أنه كان إذا رأى خطاً دقيقاً قال: "هذا خط من لا يوقن بالخلف من الله". قال أبو إسحاق محمد رحمه الله، من جماعة الكتاني رحمه الله: قال بعضهم، يعني السلف، يعني بعض السلف: "اكتب ما تمته وقت حاجتك إليه، ولا تكتب ما لا تنتفع به وقت الحاجة". إذا ما ينفعه في وقت حاجته أكتبه. إلى متى تكتب؟ إلى أن تموت. كما قال ابن المبارك والإمام أحمد: "والله تعالى من المحبرة إلى المقبرة". قال ابن المبارك: لما رأوه حامل الكتبة ودواته: "إلى متى وأنت تطلب العلم؟" قال: "لعل الفائدة التي توصّلني إلى الجنة لم أكتبها". يعني رب حديث... لنسبة الفائدة، حديث النبي عليه الصلاة والسلام. كانوا يطلبون الحديث، هم يتتبعون الحديث، لعله حديث ويعمل به فيوصّله إلى الجنة. فهذا السلف شغفهم في الكتابة، فكانوا يدونون العلم. قال: "ولا تكتب ما لا تنتفع به وقت الحاجة". قال: والمراد وقت الكبر وضعف البصر. يعني إذا كبرت وضعف البصر تحتاج بعد ذلك إلى المذاكرة وإلى المراجعة، تراجع ما كتبت وأنت صغير؛ لأنك إذا ضعف بصرك وضعفت يدك عن الكتابة لن تستطيعها، لن تستطيعها. قال أحمد بن محمد رحمه الله: رآني الشافعي وأنا في مجلسه، وعلى قبيل سي حبر وأنا أخفيه، يخفي الحبر إما تواضع أن لا يقال هذا... أخفي حبر على أن بعض يظيره بابا أنه طالب علم، أو أنه استحيا من الشافعي رحمه الله. فقال: "يا فتى، لما تخفيه وتستره؟ إن الحبر على الثوب من المروءة، لأن صورته في الأبصار سواد، وفي البصائر بياض". قال جمال: وصح بالكتاب في البصائر بياض. يعني كتابته للعلم والحديث بالحبر الذي تسق به الثوب هو نور وضياء من القلب، وهداية اليوم في الدنيا والآخرة. هكذا عند أهل العلم، عند أهل البصيرة يرون اتساخ الثوب لأجل العلم هذا من البصيرة وهو بياض، يعني لا يزدرون ذلك ولا يحتقرون صاحبه. من اتسخ الثوب لأجل العلم بأن مثلاً كان فيه شيء من المداد، المداد... الحبر عاجل ليس بمذموم، ليس بمذموم إذا كان ذلك لأجل العلم. إنه يلبس ذلك، لا يخبئ ولا يخبئ لأنه جاءت فيه نقطة أو غير ذلك من الحبر. يعني قد مثلاً الحبر يتسف فيه الثوب حيث يضر على مثلاً الأمام أو في الجانبين، الحبر يسيل على ثوب الأبيض. فيقول الشافعي رحمه الله تعالى للإمام أحمد: هو وإن كان قشورته في البصر أسود، لكنه عند أهل البصائر بياض. هذا بياض، نور وضياء. فينبغي علينا أن لا نزدري طالب العلم، ولا نحتقر طالب العلم، ولا نضحك على طالب العلم إذا كان ثوب فيه شيء من ذلك، إذا كان لغرض العلم النافع. قال علي بن أبي طالب رحمه الله: "الخط علامة، فكلما كان أبين كان أحسن". مثلاً العلامة على الشيء كلما كان أوضح كان أحسن. فإذا الخط مهم جداً لطالب العلم أن يتعلم الخط وأن يحسن الكتابة. قال إسحاق إبراهيم بن عباس بن محمد رحمه الله: "وزن الخط وزن القراءة، أجود القراءة أبينها، وأجود الخط أبينها". وزيد بن ثابت تعلم الكتابة السريانية بثمانية عشر يوماً. ثمانية عشر يوماً علم لغة القوم، وهم اليهود وغيره. السريانية التي يكتبون بها أدلو إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قال: "تأتيني كتب". قل لزيد بن ثابت: "تأتيني كتب". فتعلم، تعلم الخط، يعني يقرأ هذا ويكتب له ما أراد النبي عليه الصلاة والسلام. فهي يدل على أيضاً فطنة حضر واعتنائهم. وصحابة كانوا رحمهم الله تعالى أهل بصيرة وأهل حفر. يعني تخيل لغة كاملة في ثمانية عشر يوماً. هنا الواحد يريد يتعلم لغة قوم، يدل السنوات... اللندني يأتي من لندن يتعلم لغة العربية، يأتي سنوات يتعلم، لا كذا. العربي إذا من بلد آخر يتعلم لغة قومهم يأخذ سنوات حتى يبقنها. لكن الصحابي تعلم السريانية في كم؟ ثمانية عشر يوماً. أي ذكاء هذا وأي حفظ هذا! سبحان الله. أولاً الصحابة خضوان الله تعالى عليهم فهم أهل الحفظ والإتقان، وإلا كيف يحفظون آلاف الأحاديث؟ بعضهم ما كان يكتب، وغير ما كان يكتب وهو من رواة القلوف، حفظها من النبي صلى الله عليه وسلم، أيضاً ببركة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم. يدل على أن الصحابة كانوا آتاهم الله عز وجل القوة في الحفظ، القوة في كل شيء، في الشجاعة، في الإقدام، في الضرب، في السيوف. فرضي الله عنهم ورضاهم أجمعين. قال أحمد بن مهدي الأصبهاني رحمه الله: أردت أن أتب كتاب الأموال لأبي عبيد، للقاسم بن سلام. قال: فخرجت لأشتري ماء الذهب، فلقيت أبا عبيد. وأبو عبيد القاسم بن سلام غير أبي عبيد معمر بن المثنى. كلاهما من أهل اللغة، لكن ذاك ذكروا عنه أشياء، ذكروا عنه أشياء ليست بطيب. وأما أبو عبيد، أبو عبيد القاسم بن سلام، وهو سني من أهل السنة والجماعة، إمام في اللغة العربية، وهو قريب الحديث، له كتاب عظيم هذا، اسمه كتاب الأموال. ماذا يقول أبو عبيد رحمه الله؟ قال: فقلت: "يا أبا عبيد، رحمه الله، أريد أن أكون كتاب الأموال". كتاب الأموال لأبي عبيد له بماء الذهب، لأنه فيه فوائد، فيه فوائد عظيمة: هي حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فيه قضايا عمر وغيره، وأبو بكر. كتاب الأموال كتاب عظيم. قال: "بماء الذهب؟" قال: "اكتبه بالحبر، فإنه أبقى لدعك من هذا". فالحبر أفضل وأولى. تكتب هذا بالحبر، لا تكتبه بماء الذهب؛ لأنه إذا كتبته بالحبر سيبقى هذا الكتاب. فعلا بقي كتاب الأموال لأبي عبيد رحمه الله تعالى من أنفس كتب العلماء. إذن في هذا الباب وهو باب الكتابة وتحسين الخط، نهتم أيضاً بالكتابة ونحسن خطوطنا. إذا وجد من يحسن الخط نعلم إخوانه، نعلم إخوانه كيفية الكتابة. وأيضاً أنت تجدأت في هذا يا طالب العلم، تجدأت في الكتابة باللغة العربية، وتوضح الحروف التي تكتبها. أكتب وسارع في الكتابة، لعل الله سبحانه وتعالى ينفعك بذلك. ولا تقول: "أنا ما أعرف، أنا مثلاً أعجمي". قال البخاري: كان مولى، وهو من الأعاجم، ومع ذلك كتب الصحيح. وكيف تعلم البخاري اللغة العربية؟ كتب الصحيح. صحيح الإمام البخاري. الترمذي كذلك، نجمة القزويني، الترمذي من ترمذ. وهكذا أيضاً أبو داود السجستاني، غير الإمام... مسلم الله تعالى الذي كان عربياً. من بقية كانوا أعاجم، كانوا أعاجم، مع ذلك كتبوا الصحيح. النسائي، النيسابوري، النيسابور، كتبوا الصحيح وكتبوا السنن وهم أعاجم، فأحسنوا الخط واللغة العربية، وكتبوا حديث النبي صلى الله عليه وسلم. لعل الله ينفعه. أنت أيها لعلمي، لعل الله ينفعه أكثر من العرب. فإذا كان أكثر العلماء من الموالي، يعني ليسوا من أصل العرب، ليسوا من أصل العرب: عطاء بن أبي رباح كان مولى، مميمون بن مهران كان مولى، مع ذلك كانوا يسودون، يعني أنهم كانت ترجع إليهم الفتوى والمرجعية للعامة. هذا في مكة، هذا في الكوفة، هذا في الشام، هذا في البصرة. حتى الإمام الأوزاعي، رحمه الله تعالى، إلى أنه مولى. يعني انظروا أئمة الآثار كانوا من الموالي، القليل منهم كان من العرب. كان من الحسن البصري أيضاً من الموالي. فإذا لعل الله ينفع بك أنت إذا اجتهدت وطلبت العلم النافع، نفع الله بك الأمة الإسلامية، سواء كان في بلدك أو في غير بلدك. فلهم أن تخلص النية ويكون همك العلم النافع ونفع الإسلام والمسلمين. قال: ذم السجع في الدعاء والخطب. أيضاً هذا باب مهم، هو الباب الثامن والخمسون في هذا الكتاب: ذم السجع. السجع يعني أن يأتي بكلمات متوافقة في الأواخر، بجمل. السجع قد يكون في الشعر، وقد يكون كذلك في النثر. فيأتي بكلمات عبارات آخرها تتوافق، إما جملتين أو ثلاثة جمل مترابطة، يسمى ماذا؟ سجع. يسمى سجع. السجع هنا قيده المؤلف بأنه في الدعاء، في الدعاء مغبون. في الدعاء مغبون يأتي بدعوات فيها ماذا؟ فيها سجع، غير دعاء النبي صلى الله عليه وسلم. كذلك في الخطب: عندما يخطب ويتكلم بالسجع، ويتكلم... سنفهم ماذا يريد المؤلف رحمه الله هذا الباب، وما ذكر رحمه الله، حب الله بهذا الباب، ما هو الممنوع من السجع؟ معنا من رسول صلى الله عليه وسلم يقول: "إن من البيان لسحراً". إن من البيان لسحر. حديث ابن عمر صحيح: "إن من البيان لسحر". البيان يعني واحد يبين، ووضع كلماته يسحر. بعض قالوا: هذا الحديث خرج مخرج الذم، ولم يخرج مخرج المدح. ولكن أكثر العلماء على أنه خرج مخرج المدح، أن هذا يعني البيان... الذين قالوا خرج مخرج الذم لأنهم قالوا: أراد بذلك أن من البيان ما يكون مثلاً ما يبلبل السحرة في إبطال الحق، ويبطل الحق بالبيان. ولعل بعض من الحاضرين عليه الصلاة والسلام ألحن في حجته من بعض، لأنهم يقتصمون عنده عليه الصلاة والسلام، فيأتي هذا بكلام، ذاك الآخر ما يستطيع أن يأتي بكلام مثله، فالذي يستمع لهذا يقول: كأن هذا الحق معه بقوة حجته وبيانه وصاحته وبلاغته. لهذا أنه من البيان لسحر. وقال: وأنه في قصة رجلين خطبا عند النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: "ما يخطبان وما يخطبان خطاباً". فتكلما بكلام بليغ فصيح. وقال نبي صلى الله عليه وسلم: "إن من البيان لسحر". يعني ما يسحر به العقول، ما يسحر به العقول، فتنشط ماذا به العقول؟ فتستمع لهذا فأنه يسحر، تذهب في عالم آخر. قال صاحب الكتاب، جمال: يقول هذا القصر استخلص طُبور من رسالة المسماة من ملاحظات الإنسان على بعض أئمة مساجد هذا الزمان. يعني بعض المساجد عليه ملاحظات، بعض أئمة المساجد عليه ملاحظات. الملاحظات الخامسة والعشرون، وقد انتهيت منها بمنتصف السنة الثامنة عشر وأربعمائة وألف، ألف وأربعمائة وثمانية عشر من هجرة. أسأل الله لم يسر وجهها. قال أبو هريرة رضي الله عنه: اقتتلت مرأتان من هذين، فرمت إحداهما الأخرى بحجر، فأجهضتها، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم دية جنينها: غرة، عبد أو وليدة. وقضى بدية المرأة على عاقلتها، وورثها ولدها ومن معها. فقال حميل بن النابغة، ابن النابغة الهذلي: "يا رسول الله، كيف تُغرم دية من لا يشرب ولا يأكل ولا ينطق ولا يستهل؟" لكن الرواية التي في الصحيح: "كيف تُغرم دية من لم يشرب ولا يأكل ولا ينطق ولا يستهل؟" يعني جاء بها مسجوعة. فقال: "فمثل ذلك يطل". فمثل ذلك يطل، يعني لا دية له، تكون هدر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمع هذا الكلام من... من... من حميل بن النابغة: "إنما هذا من إخوان الكهان". من أجل سجعه الذي سجعه. حديث الصحيحين. ومن حديث ابن عباس أيضاً رضي الله عنه: جاء بلقم، أسجع الجاهلية وكهانتها، يقول لهذا الرجل: "كيف ندي من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل؟ فمثل ذلك ويطل". قال: ومن حديث المغيرة رضي الله عنه: "أسجعني كسجع الأعراب". النبي أنكر عليه، النبي عليه السلام أنكر على هذا الرجل. لماذا أنكر عليه؟ أنكر عليه سجعاً، سجعه في ماذا؟ في مقابلة حكم النبي صلى الله عليه وسلم. حكم النبي صلى الله عليه وسلم قاله: "سجعك، فسجع الكهان". في رواية: "سجع الجاهلية، سجع الأعراب". هكذا النبي عليه السلام أنكر عليه هذا السجع؛ لأنه عارض حكم النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الدية. فمتى يكون السجع مذموماً؟ إذا كان في معارضة السنة، إذا كان في معارضة كلام، يأتي بكلام يسجع فيه، ولكن هذا الكلام لو وزنته لرأيته معارضاً كتاب الله... صلى الله عليه وسلم، صلى الله عليه وسلم. قال: ومن حديث أبي هريرة: "إن هذا ليقول بقول شاعر". إذا لا يعارض حكم الله، حكم الله أو حكم رسوله صلى الله عليه وسلم بشيء من السجع. قال عبد الله بن عباس رضي الله عنه: "فاجتنب السجع من الدعاء، فاجتنبه، فإني عهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابه لا يفعلون إلا ذلك". يعني لا يفعلون إلا ذلك، لاجتناب. إذن أيضاً السجع في الدعاء: عندما يدعو أحدهم الآن، ما أكثر السجع في الدعاء، خاصة الذين ما يأتون بما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم من الدعاء في صلاة التراويح والوتر. عندما يسجعون ويأتون بذلك الدعاء المتوّل، هل هكذا كان السجع؟ فالجواب: لا. الصحابة كانوا يجتنبون ذلك، بل كانوا يختارون دعاء النبي عليه الصلاة والسلام، لأنهم من جوامع... من جوامع الكلم، وإن كان قصيراً. علم الحسن: "اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت". وفي زيادات: "قرر الألباني: لا ملجأ منك إلا إليك". إذن هذا السجع، هل كان مقصوداً التواب؟ لا، لم يكن مقصوداً، خرج منه صلى الله عليه وسلم. كذلك خرج منه كذلك أيضاً أدعية المرسل، ليس فيها تكلف، ليس فيها تكلف، وكلها مختصرة، وفيها جوامع الكلم. قالت عائشة رضي الله عنها لابن أبي السائب: "اجتنب السجع من الدعاء، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابه كانوا لا يفعلون ذلك". يعني إذا دعوت: "اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني، اللهم اتبع لي". تاتي بدعوات ليس فيها ماذا؟ تكلف. في الدعاء لا يشرط أن تأتي بكلام يكون موزوناً مثل كلام الشعر، فيه ماذا؟ فيه سجع، حتى تظن أنه لابد منه في الدعاء حتى يقبل منك. قال: روى ابن وهب عن عروة، عن الزبير، عنه: كان إذا عرض عليه دعاء في سجع، عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه، قال: "كذب، لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه سجّاعين"، أن يقصدون السجع ويتكلفونه. قال أبو محمد بن مفرج القرطبي محمه الله: ويكره السجع في الدعاء وغيره، وليس من كلام الماضين، ليس من كلام السلف، رحمه الله تعالى. فالقرطبي رحمه الله تعالى الإمام، يقول: يكره السجع في الدعاء. وكلام القرطبي في اسمه كتاب، اسمه "الحوادث والبدع". قال ابن حجر العسقلاني في قوله: "إنما هو من إخوان الكهان": أي لمشابهة كلامه، كلامه. والسجع هو تناسب آخر الكلمات لفظاً. تناسب آخر الكلمات لفظاً، يعني تكون جملة آخر، ثم الجملة الثانية آخر، أو آخر كاف، كاف، را، را، هكذا نسمى هذا سجع. قال: بالاصطلاح: الكلام المقفى، المقفى يعني ذو قافية، بذل قافية الشعر. قال ابن بطال: فيه ذم الكهان، وذم من تشبه بهم في أقوالهم. وإنما لم يعاقبه لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بالصفح عن الجاهلين. وقد تمسك به من كره السجع في الكلام. أيضاً كلام، أيها الخطيب، أيضاً بعض كره الخطاب بهذا بالسجع. قال: وقال أيضاً في قول ابن عباس المتقدم: أي لا تقصد إليه، ولا تسل فكرك به، لما فيه من التكلف المانع من الخشوع المطلوب في الدعاء. وقال ابن التين: هذا كل بشرط الحديث السابق، الحديث السابق ابن عباس، وفي غيره، وغيره في قصة ماذا؟ عمل ابن النابغة، لما قال: "كيف ندي من لا أكل، ولا من لا شرب، ولا أكل، ولا نطق، ولا استهل؟ فمثل ذلك يطل". قال ابن التين: المراد بالنهي المستكره منه. وقال الداودي: الاستكثار منه، استكثار من السجع. قال ابن حجر: ولا يرجع على ذلك بما وقع من الحديث الصحيحة، يعني من السجع، لأن ذلك كان يصدر من غير قصد إليه، ولأجل هذا يجيء لقاية الانسجام. يعني أنت لو نظرت انسجام الدعاء في كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي أوتي جوامع الكلم، لرأيت عجباً، لرأيت ماذا؟ عجباً، وهو الأمي عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك لرأيت عجباً في هذا الدعاء الذي يجلي به عليه الصلاة والسلام. قال الغزالي: المكروه من السجع هو المتكلف، لأنه لا يلائم الضراعة والذلة. وإلا ففي الأدعية المأثورة كلمات متوازية، لكنها غير متكلفة، غير متكلفة. تكلف مثل تكلف مسيلمة الكذاب عندما أتى بقرآن عنده، عنده أنه ماذا؟ بالقرآن، يأتي بكلام كله، لو نظرت فيه وتأملت لعلمت أنه متكلف، يأتي بعبارات يريد أن تكون هذه القرآن للناس، ليست في القرآن، وإنما هي كذب. ومن سجع الكهان: "يا وبر يا وبر، هل أنت إلا ودن وصدر". يعني وبر الحيوان الصغير. "يا وبر يا وبر"، هذا كلام مسيلمة على أنه قرآن: "هل أنت إلا ودنان وصدر". هذا هو الوبر. هل جاء بشيء جديد؟ كلام مسيلمة كثير، كلام مسيلمة يعني سجعي على أنه قرآن. حتى قال في آخر هذا: "يا وبر، كيف ترى يا عمر؟" يقصد عمر بن العاص. فأن حاضرا ويسمع مسيلمة الكذاب وهو يقول: "يا وبر يا وبر". قال: "إنك لتعلم أني أعلم أنك كذاب". الواضح أنت كذاب، أنت تعلم أني أعلم أنك كذاب. هذا قرآن مسيلمة. قال الغزالي: قال الغزالي: وإنما كرهه صلى الله عليه وسلم لمشاكلة كلام الكهان. قال أبو زيد وغيره: قصر السجع، القصر المستوي، سواء كان في الكلام أم غيره. قال جمال: أبو عبد الله محمد بن أحمد الذهبي، الإمام الذهبي المشهور رحمه الله: يكره التشدق من كلام... التشدق، وأن بسهل سلم كره التشدق في الكلام. وجاء في حديث عبد الله بن عمرو الحارث أن النبي بسهل قال: "إن الله يكره الرجل البليغ". معنى البليغ الذي يتشدق في الكلام. جاء فيه: الذي يتشدق في الكلام، بمعنى أنه يفتح شدقه وفاه، ويميل فمه على أنه ماذا؟ على أنه فصيح وبليغ. قال: وتكلف السجع بالفصاحة، بالمقدمات التي يعتادها المتصوفون، فكل ذلك من التكلف المذموم. بل ينبغي أن يقصد مخاطبته لقوة يفهمه فهماً جلياً، ولا يتكلف. قال محمد بن عبد السلام الشقيري رحمه الله: والتزام السجع في دواوين... طبعاً كلمة "دواوين"، الديوان هذه كلمة فارسية ليست عربية، وإنما هي معربة. لأن الديوان معناه الكتاب من فارسية، الكتاب هم يقولون "ديوان"، أقول فارس. فالديوان عندهم، عندنا نحن نقول له كتاب، هم يقولون ديوان. فإذا هذا الكتاب يقولون الديوان، وهو عبارة عن يعني الجماعة من الكتّاب الذين هم خذار في الكتاب ويكتبون تلك الكتب، فسمي الديوان. قال: وخطبهم بدعة مذمومة، والسجع قد ورد النهي، وعنده الصحيح، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سجع كسجع الكهان، وسجع كسجع الجاهلية، وكسجع الأعراب، وإنما هذا شاعر إلى آخره". وقد ذمه النبي صلى الله عليه وسلم. فإذا كان في معارضة الحق، وإذا كان متكلفاً، فهذا هو المذموم. هذا هو المذموم من السجع. نكون بآدم تهين من هذا الباب، تهين من هذا الباب، وهو ما قبل الأخير. بقي باب في الكتاب، إن شاء الله تعالى يكون في ليلة قادمة بإذنه وحول قوته. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.