الدرس في قصة المتبختر، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن خطورة التعالي والكبر على الناس وعقوبتهما الشديدة، حيث يروي قصة رجل خسف الله به الأرض بسبب تكبره. يحذر من سوء الأخلاق وضرورة التحلي بالتواضع.
يشرح خطورة التكبر وآثاره السلبية على الأعمال والطاعات، ويحذر من مغبة التكبر وعقوبته في الدنيا قبل الآخرة. يشير إلى أن الله يعجل العقوبة للتكبر أحيانا.
يتناول موضوع الإسبال وعلاقته بالكبر، ويبين أن إسبال الإزار محرم وقد يكون من كبائر الذنوب إذا اقترن بالتكبر. يشير إلى ثبوت عذاب القبر وعقوبة الإسبال من الأحاديث.
يعبر عن الرغبة في نيل رضا الله والتوفيق، ويتضمن الدعاء بأن ينفع الله بما قيل ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه، ويظهر الختام الرغبة في السلام على النبي.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بينما رجل يجر إزاره» بينما رجل، واختلف في حقيقة هذا الرجل وما يتعلق بالفترة الزمنية منه، من قال: أن هذا الرجل يحكيه نبينا صلى الله عليه وسلم عن شخص من أمته سيقع به الحال، سيقع به الحال على ما سيذكر عليه الصلاة والسلام. وطائف من أهل العلم ذهب إلى أن هذا الرجل هو ممن غبر، وممن ذهب، وكان من الأمم السابقة، وهذا هو الأظهر كما قال قاضي عياض رحمه الله تعالى. ويؤيد هذا المعنى ما جاء في أحد روايات مسلم، ما جاء في أحد روايات مسلم قال عليه الصلاة والسلام: «إنه إن رجلاً في من كان قبلكم»، إذن هذه اللفظة في أحد روايات مسلم تدل على أن الرجل المعني بهذا الحديث كان من الأمم السالفة. قال عليه الصلاة والسلام: «بينما رجل يجر إزاره من الخيلاء خسف به»، خسف به، أي خسف به الأرض. وجاء كذلك من حديث أبي هريرة كما في الصحيح، هذا الذي سمعتموه من حديث ابن عمر، وجاء كذلك من حديث أبي هريرة كما في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «بينما رجل يمشي في حلة» أي في ثوب، في ثوب يسير به في حلة تعجبه نفسه، كان يسير على هذا الوصف وحاله أنه معجب بنفسه، عنده من الغرور بنفسه وما وصل إليه من الحال والأبهة. قال: «تعجبه نفسه مرجل جمته»، مرجل مأخوذ من الترجيل والترجيل ما يتعلق بتسريح الشعر وتمشيطه ودهنه، هذه كلها تدخل في موضوع الترجيل، أي أنه كان يعتني بشعره من حيث الجمال ومن حيث الأناقة. قال: «مرجل جمته والجمة هو الشعر الكبير لدرجة أنه يصيب المنكب»، وفرة في الشعر، يعني أنظر لوصف هذا الرجل من حيث الثياب على حلة جميلة غالية، ومن حيث أناقته له شعر ضرب المنكبين. قال عليه الصلاة والسلام: «مرجل جمته إذ خسف الله به فهو يتجلجل إلى يوم القيامة»، فهو يتجلجل، فسر العلماء يتجلجل في الأرض بمعنى يغوص في الأرض، يغوص فيها، وبعضهم أضاف أن الجلجل تحتاج إلى الصوت، أي غوصه في الأرض يكون مع صوت شديد، حركة واضطراب، أي يدخل إلى داخل أرض وهم اضطرب وهو يغوص في أعماقها. هذا الحديث إخواني في الله، وهو كما سمعتم مما حكاه نبينا صلى الله عليه وسلم عن من كان قبلنا، وهذا الحديث يستفاد منه من فوائدها العظيمة إخواني في المسألة عظيمة ينبغي أن يراعيها المسلم ويعتبر بها، وهو أنه يراعي باب الآداب وباب الأخلاق من المسلمين، لربما إذا حرص في أعماله يحرص على باب الطاعات وعلى مسألة الحلال والحرام. لكن في باب العبادة أقول في باب العلاقة، علاقتهم مع غيره، لو ربما ما يأبه لها، يقول: يا أخي العلاقة بيني وبين الله، أصلي أصوم أتنفل، أحرام ما أقع به، أخي موضوع الأخلاق هذه عشرة مع الناس، يا أخي أنا بمزاجي أنا بطبيعتي، فتجد أن بعض ناس ينحي الحساب والعقاب والثواب والجزاء في مسألة الآداب والأخلاق، لا يا عبد الله هذا الباب ليس بمنأة، بل هذا مما تشمله الشريعة، بل عليه حساب وعليه عقاب، وخاص في باب الأخلاق. فهذا الرجل أين جاءت مصيبته، مصيبته جاءت في تعامله، تعاملي مع غيره، أصيب بهذا المرض الخلقي، فكان من أمره أن ابتلاه الله بهذه العقوبة، ابتلاه الله بهذه العقوبة. فالأخلاق يا عبد الله من الأمور المهمة التي ينبغي أن ترعيها، تجعل أخلاقك مع جميع الخلق معروضة على الكتاب والسنة، وإلا فإن ستؤثر سلبا على أعمالك وعلى طاعاتك. قال عليه الصلاة والسلام كما جاء من حديث أبي هريرة رواه الطبراني بإسناد صحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «وإن سوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الخل العسل»، وإن سوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الخل العسل، فالأعمال تتأثر بأخلاقك وتعاملك مع الناس، وهذا الحديث فيه مصداق لهذه الدلالة. الفائدة الثانية أن من الأخلاق الردية والسلوكات المنحطة الهابطة التي ينبغي أن يترفع عنها المسلم هذا الخلق، خلق التكبر، التجبر، الغطرسة، الترفع، الاحتقار للناس، هذه المعاني التي كلها تدور حول معاني العظمة، كأنك تتعاظم في نفسك، تتعاظم في نفسك، ومن ثم تتعاظم على غيرك، هذه يا عبد الله خلق فاسد. انظر ما الذي فعل الله بهذا الرجل، ما جريمته، خرج إلى الخلق وهو على هذه الحالة في أبهته، اغتر بثوبه واغتر بحسن هندامه وتمشيطة شعره، جاء فيه رواية البخاري أنه كان يمشي متبخترًا، التبختر الترفع التكبر، هذا لا يحبها الله، هذا لا يحبها الله. فالإنسان إخواني في الله يترك هذا الخلق الذميم، يكفيك يا عبد الله أنك تعتبر بنفسك من أنت حتى تتكبر في نفسك، تتعاظم في نفسك، أو تتكبر على غيرك، من أنت؟ ما أنت يا عبد الله إلا نطفة حقيرة، نطفة حقيرة، ومن ثم بعد ذلك خرجت من بطن أمك وأنت على حالتك لا تملك لنفسك نفعا ولا ضر، عريانا، وبعد ذلك شبت وكبرت، ومهما كبرت، عدو عظمت، لن تبلغ الأرض، لن تبلغ الجبال طولا، ولن تخرق الأرض بعظمتك. ما أنت إلا مخلوق من مخلوقات الله، لربما هامة هوام يؤذيك، بعوضة تؤذيك، أنت ضعيف، وفي حياتك كلها تحمل العذرة في بطنك، وإذا مت انظر لجثتك بعد أيام ينهشك الدود وتكون في صورة موحشة يتقززك الناس، هذا حالة الآدمي، فعلى ما تتبختر يا عبد الله وتتكبر على الناس؟ وبعض الناس وعالم التكبر عالم مليء بالأصناف والأشكال، فبعضهم يتكبر على غيره بما آتاه الله من مال، أعطاه الله مالا كثيرا فيجد أنه ما يتنازل مع الفقراء ولا المساكين، لربما إذا أراد أن يجلس في مجلس أول ما يفعل ينظر في الوجوه ينظر في وجوه الحاضرين من هؤلاء؟ إن رآهم من علية القوم جلس، وإن رآهم من الضعفاء وأراذل القوم تركهم، إلا احتقارا لهم. ولربما إذا كان أحد متكلم يتكلم ينظر في المتكلم من هذا المتكلم؟ إن رآهم من الشخصيات البارزة أصغى إليه، وإن رآهم ضعيفا فقيرا لربما أعرض بوجهه أو قام من المجلس، ما مثله يتكلم في مجلسي، وهكذا قصة يا عبد الله في تعامل الناس، منهم من يصرح بلسانه، ومنهم من يظهر ذلك في ملامح وجهه أو في حركاته، يعرض ويدبر، هذا تكبر يا عبد الله خلق دنيء. فإن الكبرياء ما تكون إلا لله، قال عليه الصلاة والسلام: «قال الله تعالى: الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني في واحد منهما قذفته في النار»، قذفته في النار، هذا من خصائص الرب عز وجل، له الكبرياء وحده جل في علاه، أما أنت تتكبر على عباد الله فلا يا عبد الله، فإن هذه من الأخلاق والأدلة كثيرة جدا تدل على تحريم هذا الفعل، وأن هذا الفعل مما لا يرضاه الله عز وجل. الحديث كذلك فيه فائدة وهو أن الله عز وجل قد يعجل لبعض الناس العقوبات في الدنيا، قد يعجل العقاب والعقوبة تكون يوم المعاد في يوم الجزاء، لكن أحيانا يعجل ربنا بالعقوبة لصاحبها في الدنيا عظة يتعض بها من يتعض، أو عبرة يعتبر بها الناس حتى ينكف عن هذا الخلق. وهذا كذلك شبيه بهذه القصة، قصة ذاك الرجل الذي أكل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن كان يأكل بشماله يأكل بشماله، هو عنده قدرة على الأكل باليمين، فأرشده نبينا: «كل بيمينك»، قال: «ما أستطيع»، لكن هل كان ما يستطيع حقا؟ لا، قال الراوي: «ما منعه إلا الكبر»، كبر ما أراد أن ينصاع لأمر رسول الله عليه الصلاة والسلام، تكبرا، قال: «فما استطاع أن يرفعها»، هذه عقوبة الكبر إخواني في الله. وهكذا بعض العقوبات يعجل ربنا لصاحبها له في الدنيا. في هذا الحديث كذلك إخواني في الله فائدة وهو إثبات لعذاب القبر، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: «فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة»، فهو يغوص ويغوص ويغوص، وكما قلنا هذا الغوص مع ما يعتريه من الحركة الشديدة والاضطراب، يفعل به هكذا حتى تقوم الساعة، هذا في عالم البرزخ. واستدل به أهل السنة والجماعة على ثبوت عذاب القبر، وأن هذه الأمة تعذب في قبورها إن كانت من المعذبين، إن كانت من المعذبين ممن يعذب في قبره، فإنه يكون هذا كائن إلا أن يتغمده الله برحمته، والأدلة من القرآن والسنة كثيرة في هذا المقام، إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، عندما مر نبينا على قبرين فذكر من أحوالهما العذاب المسلط عليهما. وهذا الحديث كذلك فيه دلالة على عقيدة أهل السنة، فالرجل يتجلجل في قبره أو قل في أرضه في قاع الأراضي حتى تقوم الساعة، وهو على هذا الحال، كذلك في هذا الحال إخواني في الله، أن من العقوبات التي أوقعت هذا الرجل في سخط الله عز وجل ما كان من خيلائه، وخاصة أنه كان مسبلا لإزاره كما جاء في حديث ابن عمر، قال: «بينما رجل يجر إزاره». جر الإزار والشرع قد جعلنا ضابط وهو أن الإزار الذي يلبسه الرجال ما ينبغي أن ينزل عن الكعبين، ما ينبغي أن ينزل عن الكعبين، هذا هو الحد، تلبس قميص، تلبس إزار، تلبس بشت أو حلة، حدها إلى الكعب، فإن نزلت فإنك تدخل في سيمة أهل الإسبال، والذي قد توعدت الشريعة بالعذاب الشديد على أصحابها. وهذه الظاهرة إخواني في الله أصبح نلتمسها في مجتمعاتنا، تجد أن بعض الناس لربما يلبس الرداء أو القميص أو الدشتاشة أو المعوز أو السباعية كما تسمى، فإذا به يجرها، يجعلها تنزل عن الكعب، هذا إزار، هذا من إسبال الإزار، وهو محرم، روى الإمام البخاري في صحيحه قال عليه الصلاة والسلام: «ما أسفل من الإزار من الكعبين ففي النار»، كل ما نزل عن الكعبين فهو في النار. والعلماء رحمه الله تعالى بيّنوا الحكم في المسألة، قالوا: إنك يا عبد الله تنزل الرداء إلى أسفل الكعبين هذا محرم، من أهل علم من ذهب إلى الكراهة، لكن أقوال تدل على التحريم، وإن كان هذا الإسبال مع وجود كبر، فهذه كبيرة من كبائر الذنوب. وعلى هذا التفصيل سار وجرى عمل المحققين، إذن إسبال الإزار على نوعين اثنين، إن كان الإسبال إسبالا فقط، إنزال عن الكعبين، قال هذا محرم للأدلة، وقد صرح، جاء كذلك عند أبي داود من حديث أبي هريرة، قال عليه الصلاة والسلام: «وإياك وإسبال الإزار فإن إسبال الإزار من المخيلة»، فإن إسبال الإزار من المخيلة، فلا تنزل يا عبد الله. فأما إن صاحب الإسبال إسبالا مع تعظيم وتكبر، فأنت يا عبد الله قد ابتليت بكبائر الذنوب، وهذا الحكم خاص بالرجال، وأما النساء فبالعكس، فإن يشرع لهن ماذا؟ أنها تجر ثوبها من باب الستر، فهذا إخواني في الله ما يذكر في قصة هذا الرجل الذي تعظم في نفسه وتعظم في ثيابه وجبته حتى خسف الله جل وعلا به الأرض في الدنيا قبل الآخرة. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.