الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 67، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الإيمان بالكتب السماوية ركن من أركان الإيمان، ويجب الإيمان بها إجمالًا وتفصيلًا. الأدلة على وجوب الإيمان بالكتب تشمل الآيات القرآنية التي تأمر بالإيمان بالكتب المنزلة على الرسل.
يتناول شرحًا للإيمان بالكتب السماوية ويفرق بين التنزيل والإنزال في القرآن، حيث يشير إلى أن القرآن نزل تنزيلًا على تدرج، بينما الكتب السماوية الأخرى أنزلت إنزالًا دفعة واحدة. كما يبرز العلاقة بين الإيمان بالكتب والإيمان بالأنبياء.
يناقش أقسام الناس إزاء كتب الله، حيث قسمهم إلى ثلاثة أقسام: من أنكر الكتب كليًا، ومن آمن بجميعها، ومن آمن ببعضها وكفر ببعضها الآخر. يُبيّن أن الإيمان بالكتب يجب أن يكون شاملًا لجميع الكتب دون تفريق أو تكذيب لبعضها.
يختتم الحديث عن الإيمان بالكتب السماوية، حيث يؤكد على أهمية الإقرار بأنها من عند الله تعالى. ثم يسأل الله أن ينفع بما قيل ويصلي على النبي محمد وعلى آله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال مؤلف رحمه الله تعالى: ما دليل الإيمان بالكتب؟ هذا من المؤلف رحمه الله تعالى انتقال إلى ركن ثالث من أركان الإيمان، وبعدما انتهى من الإيمان بالله وما يتعلق به من مسائل، ثم تكلم عن الإيمان بالملائكة وما يتعلق به من مباحث، سيذكر في هذا الفصل وما تتبعه من أسئلة سيتعلق بهذا المبحث، وهو الركن الثالث من أركان الإيمان، وهو الإيمان بالكتب، فقال رحمه الله تعالى: ما دليل الإيمان بالكتب؟ والكتب المعنية من عبارة المؤلف رحمه الله تعالى هي الكتب المنزلة التي أنزلها ربنا سبحانه وتعالى على رسله، فيها الرحمة، وفيها الهداية، وفيها النور للبشرية جمعاء. والكتب مفردها كتاب، وكتاب على وزن فعال، وهذا الوزن يأتي على معنى المفعول، فعال بمعنى مفعول، مثل فراش بمعنى مفروش، غراس بمعنى مغروس، وهكذا كتاب بمعنى مكتوب. فأي كتاب بمعنى مكتوب، ويسمى أيضًا القرآن بأنه كتاب، ﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب﴾ أي القرآن، وسمي بذلك لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ. والإيمان بالكتب، إخواني في الله، من أركان الإيمان، ومن أصوله العظام الذي يجب على كل مسلم ومسلمة أن يؤمن بهذه المنزلة، وأن الله جل وعلا أرسلها على رسله، هذا يجب أن نؤمن بها جميعًا، ومن لم يؤمن بذلك فسيأتي حكمه أنه من عداد الكفرة. الأصل أنك ينبغي أن تؤمن به، وذكر المؤلف رحمه الله تعالى بهذا الفصل الآيات الدالة على وجوب الإيمان بالكتب، فقال رحمه الله تعالى: ما دليل الإيمان بالكتب؟ قال: أدلته كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل﴾، وقال سبحانه: ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم﴾ الآيات، وغيرها كثير. ويكفي في ذلك قوله تعالى: ﴿وقل آمنت بما أنزل الله من الكتاب﴾، هذه الأدلة، وكما بين المؤلف رحمه الله تعالى أن الأدلة أكثر من هذا بكثير، وكلها تصب في هذا المصب، وهو على ضرورة الوجوب بالإيمان بالكتب التي أنزلها الله سبحانه وتعالى. ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه﴾، هذه من صفات أهل الإيمان. الوجوب بالإيمان بجميع الكتب، والإيمان بالكتب، إخواني في الله، يكون إيمانًا إجماليًا، ويكون كذلك إيمانًا تفصيليًا. فالإيمان الإجمالي أنك تؤمن بجملة هذا الباب، وهو أنك تعتقد وتقر بكل كتاب أنزله الله، ما علمته وما لم تعلمه، تقر بأن ما من كتاب أنزله الله من عنده فأنا مؤمن به، مصدق بما فيه. وهناك إيمان آخر وهو إيمان تفصيلي، وهي الكتب المعينة والتي عينت لنا، كما سيأتي كذلك من أسئلة المؤلف عن بعض الكتب السماوية التي جاء تعيينها وجاء ذكرها، فهذه الكتب المعينة فإنك يجب أن تؤمن بها بعينها، هذا الإيمان التفصيلي. وعندك إيمان إجمالي أنك تؤمن بكل كتاب أنزله الله جل وعلا، فإنك قد آمنت به، وآمنت بماذا جعل الله فيه من أحكام. وهنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الآية الأولى: ﴿يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل﴾، فذكر ربنا أن أهل الإيمان أو ألزمهم الله بضرورة الإيمان بكل الكتب التي أنزلت على نبينا، والتي أنزلت على من كان قبله من الأنبياء والرسل. وهنا أنظر في تعبير القرآن عندما ذكر ربنا عز وجل ما يتعلق بالقرآن، قال: ﴿والكتاب الذي نزل على رسوله﴾، ولما عبر عن الكتب الباقية قال: ﴿والكتاب الذي أنزل من قبل﴾، فهل هناك فرق؟ نزل مصدرها التنزيل، وأنزل مصدرها الإنزال، فعندي نزل تنزيلًا، وأنزل إنزالًا. فالقرآن في حقه التنزيل، والكتب السماوية في حقها الإنزال، فياترى هل هناك فرق بين هذا وذاك؟ ذكر بعض العلماء فرقًا بين هذا وذاك، أن التنزيل يستفاد منه أن يكون الإنزال على تدرج، الإنزال يكون على تترج، وأما الإنزال فهو الإنزال بالجملة الواحدة دفعة واحدة، هذا الفرق الذي استظهره جماعة من أهل العلم التفريق بين الإنزال وبين التنزيل. التنزيل هو النزول لكن دفعة بعد دفعة، وهذا هو حقيقة القرآن، القرآن أنزل على نبينا عليه الصلاة والسلام منجمة على حسب الوقائع وعلى حسب الأحداث، ينزل آية لحكم، ثم تنزل آية لحكم، ثم تنزل آية لحكم، تنزل آيات لمسألة، ينزل القرآن منجمة مقطعة دفعات، ولهذا كان في حق التعبير بالتنزيل نزل. وأما الكتب السماوية، وهذا من الفروق بين القرآن وبين غيره من الكتب السماوية، أما الكتب السماوية فإنها إنما أنزلت على أصحابها من الأنبياء والرسل دفعة واحدة، أنزلت عليهم دفعة واحدة، ومن هنا كان التعبير أنزل بمعنى الإنزال، بمعنى الإنزال، هكذا استظهر جماعة من أهل العلم التفريق بين التنزيل والإنزال. وقال تعالى: ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم﴾، فقوله سبحانه وتعالى: ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل﴾، ثم ذكر ربنا عدة الأنبياء هؤلاء، فدل ذلك على أن هؤلاء أنزلت عليهم كتب. ومما يذكره العلماء في هذا الباب قوة العلاقة بين الإيمان بالكتب والإيمان بالأنبياء، إذ أنها متلازمة، حتى قال أهل العلم: إنه لا يمكن لأحد أن يؤمن بالأنبياء إلا إذا آمن بالكتاب، هذا مع هذا، لا يمكن لأحد أن يؤمن بالأنبياء إلا إذا صاحبه الإيمان بالكتب، لأن ما من نبي إلا وأنزل معه كتاب. وهذه مسألة: هل ما من نبي إلا وأنزل معه كتاب من عند الله جل وعلا؟ نعم، هذه مسألة ذكرها جماعة من أهل العلم، واستظهروا ذلك على أنه ما من نبي أرسله الله إلا ومعه كتاب، واستدل بعضهم بقوله سبحانه وتعالى: ﴿كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق﴾. فأخبر ربنا عز وجل أنه أرسل الرسل وأرسل الأنبياء لمهمة التبليغ بشارة ونذارة، وأنه ما من نبي إلا وأرسل معه كتاب، ذكر القاضي عياض رحمه الله تعالى عند هذه الآية هذه الجملة، فقال رحمه الله تعالى: وظاهر الآية يدل على أنه لا نبي إلا ومعه كتاب منزل. وظاهر الآية أنه يدل على أنه لا نبي إلا ومعه كتاب منزل، فيه بيان الحق، طال ذلك الكتاب أم قصر، دون ذلك الكتاب أم لم يدون، وهذا الكتاب قد يكون كتابًا كبيرًا سفرًا عظيمًا، وقد يكون دون ذلك عبارة عن أوراق، وقد يكون هذا الكتاب دون بحيث قيد بالصحف والأوراق، وقد يكونوا لم يقيدوا وإنما جعل في صدر نبي يتلوه لأصحابه، هذا من صور الكتب المنزلة. لكن كما قال قاضي عياض: إنه ما من نبي إلا ومعه كتاب أنزله ربنا سبحانه وتعالى عليه. قال: وقوله تعالى: ﴿وقل آمنت بما أنزل الله من الكتاب﴾، وهذه الآية كذلك تدل على وجوب الإيمان بالكتب. وحين جاءت المسألة: ما حكم من أنكر الكتب السماوية وكفر بكتب الله المنزلة؟ يقول العلماء: إن الناس إزاء كتب الله جل وعلا على أقسام ثلاثة. فمن الناس من أنكر الكتب المنزلة، كفر بها وجحدها، وهؤلاء هم أعداء الرسل من كفار ومن مشركين ومن ملاحدة وفلاسفة، أنكروا هذه الكتب أنها ما من شيء أنزل من عند الله، وما أنزل الله من كتاب أصلا، وهؤلاء كفروا. قسم ثاني من الناس، وهم الذين آمنوا بجميع كتب الله التي أنزلها على رسله، وهؤلاء هم أهل الإيمان وهم أهل الإسلام الذين اعتصموا بأمر الله الذي أمرهم بضرورة الإيمان بجميع الكتب. قسم ثالث، وهم الذين آمنوا ببعض الكتب وكفروا ببعضها، آمنوا ببعض الكتب وكفروا ببعضها، وهذا كحال اليهود والنصارى، كحال اليهود والنصارى، حقيقة أمرهم أنهم يؤمنون بما أنزل إليهم، ويكفرون بما عداها من كتب الله. فإن كان النصارى مثلًا قالوا: آمنا بالإنجيل فقط، وما عدا الإنجيل فلا نؤمن به، وهكذا اليهود على هذا المنوال يقولون: آمنا بالتوراة فحسب، وما عدا التوراة فما لنا وما لها، وما علينا بها شيء، لا نؤمن بها ولا نقر بما فيها، فهؤلاء آمنوا ببعض الكتب وكفروا ببعضها، وهؤلاء في حقيقة أمرهم أنهم كفروا. لأن هذا الباب باب الإيمان بالكتب كما مر معنا، وسيأتي في باب الأنبياء والرسل أنه باب عبارة عن بنيان موحد، بنيان موحد مؤتلف لا مختلف، لا يتمالك التبعيض أو التنقيص، وإنما تدخل به كاملًا، فتؤمن بالملائكة بكماله وتمامه، وهكذا قل في باب الكتب، تؤمن بجميع الكتب لا تنقص كتابًا عن كتاب. وهكذا قل في ما سيأتي في باب الأنبياء، فمن كفر بملك أو بكتاب أو برسول فإنه يعتبر في شريعتنا كافرًا بجميع الأنبياء والملائكة والكتب، حكمه واحد، كافر مرتد. فلو جاء رجل الآن مثلًا قال: أنا آمنت بجميع الكتب، أما ما تحدثون عن الزبور، أنا والله في شك، ما أعرف إيش الزبور، ولا أظن أن هناك كتاب اسمه الزبور أنزله الله على العالمين، ما أظن هذا. وأنا مستبعد هذا، اعذروني، أنا معكم التوراة منزل لها شعب، والإنجيل منزل وله كنائس، والقرآن كتابنا، أما الزبور أنا ما أدري، هذا الكتاب، فيقول: يا عبد الله، أنت وما أردت، فأنت كافر بالله العظيم، لا يشفع لك إيمانك بالكتاب ولا بالرسالة ولا بالقرآن، بما أنك كفرت بكتاب واحد من كتب الله. فلابد إخواني في الله أن نعلم أن أركان الإيمان لا يقبل التفويض ولا التقويض، وإنما هو إيمان بباب بأكمله، وعلى هذا أجمع العلماء، ودل على ضوابط ذلك ظاهر الكتاب والسنة. ومما يذكر إخواني في الله في هذا الباب، يقول العلماء: إن حكم الكفر أو الإنكار لكتب الله صاحبه يكون كافرًا. قال علماء: من أنكر كتابًا من كتب الله فقد كفر، أو أنكر بعضه فقد كفر، أو أنكر كلمة منه فقد كفر، أو أنكر حرفًا واحدًا منه فقد كفر، فهذا الباب لا يحتمل التفاوض، فتقر بكل ما أنزله الله من كتاب، مما علمت ومما لم تعلم، مما علمت من الكتب المعينة، وإن مما لم تعلم. وكما قلنا على القول الصحيح أن الكتب السماوية لا حصر لها، وعددها غير معروف، وعلى هذا فإنه ما سبق أن ما من نبي إلا ومعه كتاب، إذن فالكتب كثيرة، الكتب كثيرة بالمئات، فتؤمن بها يا عبد الله إجمالًا، تقول: ما من كتاب إلا وأنا مؤمن به، والذي عندك قد استبان أمره أنه قد عين، فهذا تؤمن به على التفصيل. والإيمان بالكتب كما سمعت أن تقر بأنها من عند الله سبحانه وتعالى، هذا إخواني في الله ما يتعلق بهذا المبحث من ما سأل وسأتي في أسئلة المؤلف رحمه الله تعالى شيئًا من التفاصيل ومن مباحث الإيمان بالكتب. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.