الدرس في شرح كتاب التوحيد 244، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع شرح حديث أبي شريح وتغيير كنيته لأبي الحكم لأن الله هو الحكم. يُفهم من الحديث ضرورة احترام أسماء الله وتجنب التسميات المتشابهة.
المقطع يشرح حديث النبي مع أبي شريح، حيث نهى عن كنية أبي الحكم وأكد أن الحكم لله وحده. يُظهر المقطع إعجاب النبي بفعل أبي شريح في الإصلاح بين الناس.
يشرح المقطع أهمية تغيير الأسماء والكنى غير المستحسنة شرعًا، مستدلًا بحديث النبي عندما غير كنية أبي الحكم.
أنهى المؤلف شرحه معللا سبب ورود هذا الباب، ودعا الله أن ينفعنا بما قلناه وختم بالصلاة على النبي وآله وصحبه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب احترام أسماء الله تعالى وتغيير الاسم لأجل ذلك. أشرنا في هذا التبويب إلى ما يتعلق من مسائل وأحكام تدور على ضرورة احترام أسماء الله جل في علاه. وأورد المؤلف رحمه الله تعالى تحت هذا الباب هذا الحديث، قال: وعن أبي شريح أنه كان يكنى أبا الحكم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله هو الحكم وإليه الحكم»، فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الفريقين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أحسن هذا»، فما لك من الولد؟ قلت: شريح ومسلم وعبد الله، قال: «فمن أكبرهم؟» قلت: شريح، قال: «فأنت أبو شريح». رواه أبو داود. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث، والذي فيه الدلالة والإشارة إلى ما كان بغيض من تغيير الأسماء إذا كانت فيه مزاحمة لله، وذلك بأن تغير. وأورد لنا المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث الذي بين أيدينا، وقد رواه أبو داود، وصححه جمع من الأئمة، ومن هؤلاء شيخنا مقبل رحمه الله تعالى، أورده في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين. وإن كان من أهل العلم من أعل هذا الحديث لإنكار في متنه، ولسنا نحن الآن في هذا المقام بصدد الرد عليه، لكن يكفينا ما كان من تحسين الأئمة قديما وحديثا لإسناد الحديث، فهو حديث ثابت. في هذا الحديث يقول أبو شريح رحمه الله ورضي الله تعالى عنه: أنه كان يكنى أبا الحكم. يُكنى على لفظة، وفي لفظة: يُكنى، ومعنى يُكنى أي أنه يُنادى بكنيته. وما هي الكنية؟ الكنية كما يقول العلماء هو كل ما صدر بأب أو أم، أبو فلان هذه تسمى كنية، أو أم فلان هذه تسمى كنية. فكان شريح رضي الله تعالى عنه قديما يكنى بهذه الكنية بأبي الحكم. فسمع نبينا صلى الله عليه وسلم بهذه الكنية، فماذا رد عليه؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله هو الحكم وإليه الحكم». فقوله عليه الصلاة والسلام: «إن الله هو الحكم» إشارة إلى التنبيه على ما فيه الإعلال من هذه التسمية ومن هذه التكنية، إذ أن الحكم هو اسم من أسماء الله. استفاد العلماء من أن من أسماء الله جل وعلا الحكم، فكيف يقول بعد ذلك إنسان بأنه أبو الحكم؟ فالمعنى فاحش. زد على ذلك أن إطلاق الإنسان على نفسه بأنه الحكم، والله جل وعلا هو الحكم، فيه منازعة لله عز وجل. لأن عندما يطلق الإنسان على نفسه بأنه الحكم أي أنه الغاية في الأحكام، وهذا أمر لا يليق إلا بالله جل في علاه. فالأحكام التي تشفي وتكفي هي أحكام الرب سبحانه وتعالى، ما أحد ينازعه. فلما يقول إنسان على نفسه بأنه الحكم مبينا أن ما يقوم به هو الحكم الذي ينتهي إليه الأنام، هذه منازعة لله. ولهذا أخبره نبينا صلى الله عليه وسلم أن هذا لا يليق إلا بالله، قال: «إن الله هو الحكم وإليه الحكم». وأصل العبارة: الحكم إليه، لكن هنا قدم نبينا صلى الله عليه وسلم ما حقه التأخير، فقال: «وإليه الحكم». وتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، يفيد الحصر والاختصاص بأن ما من حكم إلا هو حكم الله جل وعلا. ولهذا جاء الضمير «هو» بين اسم الله جل وعلا وبين الحكم: «إن الله هو الحكم وإليه الحكم». إن الله هو الحكم لاختصاصه سبحانه وتعالى بهذا الأمر. قال: «وإليه الحكم». وحكم الله ينقسم إلى قسمين: إلى حكم كوني وهو ما يحكم به ربنا جل وعلا بين العباد وبين الأنام، فالحكم حكمه، فلا راد لحكمه ولا معقب لقضائه. وهو المشار إليه في قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾. فربنا جل وعلا إذا حكم بحكم فالقول قوله والحكم حكمه، ما هناك أحد يخرج عن إرادته وأمره سبحانه. هذا هو الحكم الكوني وهو المراد هنا: «وإليه الحكم» المنتهى. ثم قال عليه الصلاة والسلام: أو أبان أبو شريح رحمه الله لماذا سمي أو كني بهذه الكنية؟ قال: «إن الناس كانوا إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الفريقين». فقال عليه الصلاة والسلام: «ما أحسن هذا». أي: تجد أن العلاقة هنا العلاقة التي بين الكنية وبين فعله. هذه الكنية أطلقت على هذا الرجل في جاهليته تزكية لفعله، لما كان يحكم وكان يفصل في القضايا، وجد الناس في جاهليتهم أن هذا إليه المنتهى في التحاكم. فأخذوا من فعله هذه ومن صفته هذه الكنية: أنت أبو الحكم، ما هناك أحد يغلبك في حكمك. فكانت هنا التزكية، وهنا جاء النهي للعلاقة بين الفعل وبين الكنية، لما فيها من إضاح الحقيقة في أن هذا الرجل عند قومه ظن الناس أنه قد بلغ المنتهى في الحكم. فأخبره نبينا صلى الله عليه وسلم أن هذا ليس لأحد من البشر، فما هناك حكم إلا حكم الله جل وعلا. فأبان بعد ذلك شرح أبو شريح رضي الله تعالى عنه كيف كان من تحاكمه بين الناس. فقال عليه الصلاة والسلام: «ما أحسن هذا». أعجب نبينا صلى الله عليه وسلم بماذا؟ بكنيته لا، ما أعجب الكنية لأن الكنية نهى عنها وسيأتي أنه غيرها وبدلها عليه الصلاة والسلام. إنما إعجابه عليه الصلاة والسلام بفعله: «ما أحسن هذا». أي: ما تقوم به، وفيه إشارة إلى الثناء على المحسن، الثناء على المحسن. فمن أحسن في تعامله وأحسن في خلقه وأدبه مع غيره فإنه يشكر على هذا ولو كان كافرا. وفي هذا الحديث وفي هذا المقطع خاصة إشارة كذلكم على أن من أفضل ما يتخلق به الناس أن يتخلق بهذا الخلق الذي تخلق به هذا الصحابي وهو الإصلاح بين الناس. هذه من أعظم المقامات. تأمل في هذا الرجل في جاهليته، ومع ذلك كان يحرص على جمع الكلمة بين الأقارب بين الأرحام بين الناس والجيران وبين عموم الأنام. فلما كان هذا من فعله أعجب به نبينا صلى الله عليه وسلم، قال: «ما أحسن هذا». هذا حسن، إذا كان هذا في أمر جاهليته، فكيف يا عبد الله وأنت في إسلامك وأنت تمشي بين الناس بالإصلاح ذات البين؟ هذا من أعظم مقامات الدين. بل جاء في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أخبركم بما هو أفضل من درجة الصلاة والزكاة والصيام؟» قلنا: بلى يا رسول الله، قال: «إصلاح ذات البين». إصلاح ذات البين يكون أحيانا بشفاعتك، بوجاهتك، بسلطانك، أحيانا بكلامك، وما يكون من حسن تدبيرك ورأيك. وأحيانا يكون الإصلاح ذات البين بمالك، تجد أن الخصوم على مال، فتقول: يا عباد الله دعوا المال علي إذا كنت ميسور الحال، دعوا المال علي وما بينكم انتهوا عنهم من الآن، فهذا من الإصلاح. ثم قال عليه الصلاة والسلام بعدما علم بكنية وأراد أن يغيرها، قال عليه الصلاة والسلام: «فما لك من الولد؟» أي: كم معك من الأولاد؟ فقال هذا الصحابي الجليل: شريح ومسلم وعبد الله. فقال له نبينا عليه الصلاة والسلام: «فمن أكبرهم؟» من أكبر الأولاد من هؤلاء الثلاثة؟ فقال هذا الصحابي: شريح، شريح هو أكبر أولادي. فقال عليه الصلاة والسلام: «فأنت أبو شريح». وبهذا يستفاد إخواني في الله عدة مسائل. المسألة الأولى: التغيير للمنكر، لأن أبو الحكم هذه كنية ما تجوز، فبادر نبينا صلى الله عليه وسلم إلى تغييرها. وهكذا يا عبد الله كل من تسمى باسم لا يجوز، وللأسف نجد أن البلية قد طمت في مثل هذه الأزمان عندما ابتعد الناس عن التفق في دين الله، أنهم يأخذون الأسماء يمنة ويسرة، فربما تسموا بأسماء لا تجوز شرعا. فمن ابتلي بمثل هذه الأسماء ينبغي أن يفعل كما فعل نبينا، وهو أن يمتنع عنها، ثم بعد ذلك يأتي بالبديل كما فعل نبينا، غير هذه الكنية أبا الحكم إلى أبي شريح. يأتي بالبديل إن كان ميسرا. وفي ذلك مشروعية الكنية، فإن من الأمور المستحسنة أن الإنسان يتخذ له كنية: أبو فلان، أبو فلان ينادى بها. وهكذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم له كنية، وكنيته أبو القاسم رضي الله تعالى عنه. وهكذا كان الناس ولا زالوا يتنادون بالكنى، فهو أمر مشروع. كذلك من هذا الحديث فيه فائدة على أن الكنية إنما تكون بالنظر إلى أكبر أولادك، إذا كان عندك مجموعة من الأولاد، فانظر ليس انتخابا تنتخب من تشاء، لا، الحكم هنا للأسبقية، من هم أول أولادك ظهورا وهو أكبرهم سنة؟ هذا تتكنى بكنيته: أبو فلان، أبو فلان. طيب لو أن إنسانا ليس معه أولاد وإنما معه بنات؟ قال العلماء: الأمر بالمثل، ينادى ويكنى بأكبر بناته: يا أبا عائشة، يا أبا خديجة، يا أبا فلان، ما فيه شيء يكنى كما قال العلماء يكنى بأكبر بناته إن لم يوجد الأولاد. وهل هذا الحكم يجري مجرى النساء؟ نعم يجري في النساء، فالأم مثلا إذا كان عندها أولاد فإنها تنادى بأكبر أولادها: يا أم فلان، يا أم فلان. إن لم يكن عندها أولاد وعندها بنات فكذلك تنادى وتكنى بأكبر بناتها: يا أم فلان، يا أم فلان. هذا مما يذكره العلماء في هذا المقام. فالشاهد إخواني في الله أن المؤلف رحمه الله تعالى أورد هذا الحديث الذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم غير اسم هذا الصحابي لما تكنى بأبي الحكم، وكان هذا الاسم فيه من المزاحمة لله جل وعلا. فكان من احترام أسماء الله أنها لا توضع للبشر. ولهذا قوبل المؤلف رحمه الله تعالى على هذا الحديث بهذا العنوان: باب احترام أسماء الله تعالى وتغيير الاسم لأجل ذلك. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.