الدرس في ما يستقبل به رمضان 5، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يؤكد على أهمية صدق العزيمة والنية في استقبال رمضان والاستعداد للعبادات. يشير إلى أن العزيمة الصادقة يمكن أن تؤجر عليها حتى لو لم يتمكن الشخص من تنفيذها.
يشرح أن النية الصادقة مع العزم على فعل الخير تؤهل للثواب حتى لو لم يتم التنفيذ بسبب عذر قاهر، مستنداً إلى أحاديث نبوية تؤكد ذلك.
يتضمن الدعاء بأن ينفع الله بما قيل ويصلي على النبي وآله وصحبه، ويظهر التوجه الديني والاعتماد على الله.
نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، عباد الله، إخواني في الله، لازلنا في هذا المقام في ذكر ما يستقبل به رمضان، فما يفصلنا عنه سوى ليالٍ وأيام، وإن مما أذكره في هذا المقام ما يكون من صدق العزيمة، فإن ذلك من أعظم ما يستقبل به رمضان، فحوى هذا المقام أن الواحد منا، إخواني في الله، يحدث نفسه إن بلغه الله جل وعلا رمضان ليفعل كذا وكذا من الطاعات والعبادات، من الصلاة والقيام والنفق والبر والإحسان، ويحدث نفسه بهذا بعزيمة صادقة، بحيث لا يحول بينه وبين فعل هذه النية سوء أن يدخل في الأمر. وفائدة صدق العزيمة، إخواني في الله، أن الواحد لو قدر له أنه ما أتى رمضان بكامل قواه، كان يبتلى بعذر من مرض ونحوه، وجاءه الظروف التي تمنعه من أن يأتي بالأعمال، فربنا عز وجل حينها يؤجره على نيته؛ لأن الأعمال بالنيات، كما قال عليه الصلاة والسلام. وهذه مسألة، إخواني في الله، يغفل عنها كثير من الناس، ولهذا قال الإمام يحيى بن أبي كثير: «تعلموا النية؛ فإنها أبلغ من العمل». النية تحتاج إلى فقه، تحتاج إلى تعلم، مسائلها كثيرة، مسائلها عظيمة. أتدري يا عبد الله أن رب عمل عظيم حقرته النية، ورب عمل حقير عظمته وكبرته النية؟ النية، يا عبد الله، هي التي بإمكانك أن تفرق بين العبادة وبين العادة، فقط في أمر هو من جنس واحد، الذي يفصل بين العادة والعبادة هي النية. فمسائلها كثيرة، يهمني في هذا الباب أن نتعلم أن من فقه النيات أن العبد يؤجره ربنا جل وعلا على نيته وإن لم يعمل. ولهذا قال يحيى بن أبي كثير: «تعلم النية؛ فإنها أبلغ من العمل»، لربما تؤجر على النية من الحسنات والأجور الكثيرات ما لا تؤجر عليه بالأعمال التي تقوم بها بالجوارح. وقد دلت الأدلة الكثيرة الدالة على هذه المسألة، كما جاء في مسند الإمام أحمد، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «من سأل الله الشهادة بصدق، بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه». تخيل رجل مات على فراشه بين أهله وأحبابه، ثم يوم القيامة إذ به يبعث مع الشهداء. قد يقول قائل: كيف هذا؟ هذا قد وارينا جثمانه في بلادنا، مات على فراشه، وحملنا وغسلنا وكفناه ودفناه في بلادنا، فكيف يحشر مع الشهداء؟ ما الذي بلغه هذه المنزلة؟ ما كان من أمر نيته، إذ كان حريصًا على الشهادة في سبيل الله، لكن ما استطاع لها سبيلًا، فأعطاه الله جل وعلا على نيته. من سأل الله الشهادة بصدق، بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه، هذا هو الشاهد، يا عبد الله، أنك تفعل النية، فتعزم العزم الأكيد على أنك تفعل كذا وكذا. ولهذا جاء كذلك في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «إن بالمدينة رجالًا ما سرتم مسيرًا ولا سلكتم واديًا إلا شركوكم في الأجر». عجيب! أنتم الآن الذي قطعتم هذه المفاوز، وصعدتم الجبال وهبطتم الأودية، وسرتم هذه المسالك بين الفيافي والصحاري، أنتم الذي فعلتموه من التعب والأجر، والذي نلتموه من الأجر. هناك أناس بالمدينة لا زالوا في بلادهم، لا زالوا عند أهاليهم، «إن بالمدينة رجالًا ما سرتم مسيرًا ولا سلكتم واديا إلا شركوكم الأجر»، حبسهم العذر، العذر حال بينهم وبين الخروج معكم، لربما قلّ عندهم النفقة وهو حريص على أن يخرج، ما استطاع أن يخرج، ولربما تقطع قلبه أسى وحسرات أن تحلف مع المتخلفين، أو أنه أصابه المرض الذي يحول بينه وبين الخروج، فلما جاء المانع، لكن مع وجود صدق العزيمة، النية القوية الذي فيها الحرص، أعطاه الله جل وعلا ما نوى، أعطاه الله عز وجل على قدر نيته. ويؤيد هذا الحديث أي يؤيد هذا المعنى كذلكم ما جاء في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله كتب الحسنات وكتب السيئات، ثم بيّن ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله جل وعلا عنده حسنة كاملة». تأمل إلى هذه المسألة: رجل هم بماذا؟ هم بحسنة، لكن بالمقابل ما وفق إلى عملها، ما عملها في أرض الواقع، ليس لها أثر، أثر هذا العمل في قلب الرجل، هذا أثر نوى وعزم وهم وأراد، هم أن يعمل حسنة من الأعمال الصالحات، لكن ما عملها لظرف، لمانع منعهم من ذلكم. قال عليه الصلاة والسلام: «كتبها الله عنده حسنة»، يؤجر على ذلك، لن يذهب، تذهب عليه هذه النية سدى. وقد علق الحافظ ابن رجب على هذا الحديث في قول نبينا: «من هم»، قال: وهذا الهم هو العزيمة المصممة، المعزيمة المصممة الذي فيها الحرص على العمل، ليست الخاطرة. وهذا الذي ينبغي أن نبينه للناس، بعض الناس يسمع هذا الكلام يقول: الله طيب، هذا بالنية نؤجر، فيبقى الواحد منا يقول: خلاص أنا أنوي إن شاء الله من رمضان هذا أني سأصلي كذا وكذا، هذه ليست نية، هذه أمنية، هذه أماني ما تؤجر عليها، هذه خواطر نفس تذهب عليك وتروح، لا يكتبه الله عليك لا عمل صالح ولا سيء. نتكلم عن النيات، النيات فيها عزم، فيها حرص، والذي يعلم بها هو ربها، رب النفس سبحانه، بل الإنسان على نفسه بصير، ولو ألقى معاذيره. يعلم ربنا في نفس كل منا من الحريص، إذا كنت يا عبد الله صادقًا في نيتك، يظهر هذا في أيام رمضان، إنه فقه إليه بعض الناس ينوي وينوي وينوي، وإذا دخل رمضان إذ به يتفاهى ويلعب ويمرح. يقول له يا عبد الله: أنت ذكرت لأنك تنوي عشرين، خمس ختمات وكذا، والله أخي ما استطعت، لكن أسأل الله يؤجرني على نيتي، هذا ما فيها نية، فيها أجر يا عبد الله، لو كان الأمر كذلك لكل الخلق، لكل الخلق فعلوا هذا، جلسوا في زوايا المسجد، ثم نوى ووضع يد على خلف قفاه ورجل على رجل، ثم يتمنى هذه الأمنيات ويمني على الله الأمان، ويريد من أن الله يؤجره على هذه التمنيات، لا يا عبد الله، هذا عبث. الذي يؤجرك الله عز وجل عليه هي الهمة، النية، وما يعبر عنها العلماء بصدق العزيمة، أنك تعزم بصدق، حالك كحال الرجل المندفع، مندفع، حال بينه وبينه شيء، إذا رفع هذا الشيء تنطلق، فإذا ما رفع هذا الحاجز عنك أنت تؤجر بأن هذا الدافع موجود، هذا الذي يعبر عنه العلماء بصدق العزيمة، وهو الذي جاء بالأحاديث بالهم، أنك تهم همًا لا يحول بينك وبين العمل إلا أن يوجد، فهذا إخواني في الله فرصة على أن الإنسان من الآن يكون صادقًا مع الله وينوي أن الله إن بلغه رمضان يفعل كذا وكذا من الطاعات والعبادة الذي سيحرص عليها، بحيث إذا جاءه ظرف ما استطاع أعطاه الله على نيته. وهذا مما ييد هذا المعنى كذلك ما رواه أبو داود في سننه من حديث أبي أمامة، قال عليه الصلاة والسلام: «من آوى إلى فراشه ونوى أن يقوم من الليل فيصلي، فغلبته عيناه حتى أصبح، كتب الله له ما نوى». تخيل رجل أوى إلى فراشه وهو قد عقد النية على أنه يقوم من الليل فيصلي ما كتب الله له من القيام، لكن غلبته عيناه تعب، وما شعر إلا وقد أذن الفجر، قال عليه الصلاة والسلام: «فله ما نوى»، كتب الله لك يا عبد الله ما كان من نيتك. فالأدلة، إخواني في الله، كثيرة متكاثرة على أن المسلم يستغل مسألة النية في أن تعينه في الأعمال، ولهذا قال سعيد بن المسيب: «من نوى أن يصلي أو يصوم أو يحج أو يعتمر فحيل بينه وبين ذلك، بلغه الله ما نوى»، يبلغك الله جل وعلا ما أردت أي من الأجر والثواب. فهذا إخواني في الله مما ينبغي أن نستغل به هذا المقام قبل دخول هذا الشهر المفضال، أن نحدث أنفسنا إن بلغنا الله رمضان أننا نتزود فيه من الأعمال، فإذا جاء ما يمنعنا من هذا الإقدام، فيكفينا ما كان في النيات، فيؤجرنا الله عز وجل على ما كان في الجنان. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.