الدرس في قصة صالح عليه السلام 4، هلاك ثمود . ونُبذة عن ديارهم . ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
قتل قوم ثمود الناقة فأمهلهم صالح عليه السلام ثلاثة أيام ثم جاءهم العذاب على شكل صيحة عظيمة أبادتهم. العذاب كان نتيجة استعجالهم للعذاب ورفضهم لدعوة صالح عليه السلام.
نزل على قوم ثمود عذابان، الصيحة والرجفة، فأصبحوا جثثا هامدة، بينما نجى الله صالحا والذين آمنوا معه. كان قوم ثمود ينحتون الجبال للسكنى ويبنون القصور في السهول.
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن دخول ديار قوم ثمود إلا وهم باكون، وأمر بإراقة الماء واستخدام العجين كعلف للدواب. هذا يدل على اعتبار ديار المعذبين عبرة.
يختتم الحديث عن قصة صالح عليه السلام وعذاب قومه، ويتم التوجه إلى الله بالدعاء والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، استمرارا إخواني في الله فيما نحن فيه في قصة صالح عليه السلام، ومضى معنا ما يتعلق بأمر مقتل الناقة، وكيف أن القوم تواطأوا على قتلها، وأشرنا إلى الأسباب وإلى الدوافع وإلى كيفية القتل، وما كان من تحذير صالح عليه السلام من ذلك. بعد ذلك قام صالح عليه السلام بتوعد قومه بالعذاب لأنهم استعجلوا العذاب، فقالوا: ﴿فأتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين﴾. مما أحب أن أذكره في هذا المقام أن مسألة مقتل الناقة وما كان من نزول العذاب على أهلها على ثمود، أن هذه الأمور متتابعة، لم يكن هناك فاصل زمني. على سبيل المثال، حتى أكون معكم واضحا على ما يذكر في كتب التفاسير، على أن مقتل الناقة متى وقع؟ وقع يوم الأربعاء، فأمهلهم صالح عليه السلام ثلاثة أيام، ما هي؟ الخميس، الجمعة، السبت، متى نزل العذاب؟ الأحد، فهي حوادث متتابعة متوالية لم تترك لهم فرصة لأنهم استعجلوا العذاب. ففي يوم الأربعاء سنمشي على ما يذكره المفسرون كابن كثير وغيره، أن يوم الأربعاء وقعت مقتل الناقة، حينها حذرهم صالح من أن الله عز وجل سيعذبهم، قامت تسعة وتواطئوا استكمالا لجريمتهم الأولى، أنهم يستكملونها بالقضاء على صالح، فأبطل الله كيدهم. جاءت قصص لكن ليس عليها إسناد صحيح أن الله أهلكهم وأن الله فبطهم، فكان هذا اليوم الأول قتل الناقة، وكان فيه التدبير لقتل صالح، وفي هذا اليوم حذرهم صالح بعذاب الله، فكان اليوم الأول كما قلنا يوم الخميس، فأصبح الناس في هذا اليوم وقد تغيرت وجوههم، كانت وجوههم كما قال أهل التفسير مصفرة فيها صفرة واضحة الكل يراها في أخيه. هذا في يوم الخميس، في يوم الجمعة تغير لون البشرة إلى الحمراء، فحمرت البشرة وأصبحت الحمراء واضحة جلية، وفي يوم السبت اسودت فأصبحت الوجوه مسودة، وبهذا اليوم الثالث انتهت المدة، لأن صالح عليه السلام قال لهم لما عقروها: ﴿تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب﴾. فمر الخميس والجمعة والسبت، والأمر سيأتي هو العذاب، طبعا ما كانوا يدرون ما الذي سيكون نازل عليهم، فجاءهم العذاب متى؟ قد ذكرنا قديما أن السنة سنة الله عز وجل في عذاب الكافرين وفي إنزال العقاب أن يكون صباحا، فساء صباح المنذرين، هذا دائما سنة الله. على أن العذاب ينزل صباحا بكرة، وهكذا هؤلاء ما إن شرقت شمس الأحد على قول الكثير من المفسرين حتى جاء العذاب واستأصلهم جميعا. تأتي المسألة، الله عز وجل أنزل عليهم العذاب كما قال سبحانه وتعالى: ﴿فعقروها فأصبحوا نادمين﴾، فأخذهم العذاب، ما هو العذاب الذي أرسله الله إلى قوم ثمود؟ العذاب في الحقيقة هو عبارة عن عذابين تم في آن واحد، جاء ذكره في كتاب الله جل وعلا. العذاب الأول أولا الصيحة، كما قال سبحانه: ﴿وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في دارهم جاثمين﴾، فجاءتهم صيحة عظيمة لم يستمع لها أحد إلا صعق، وهكذا في قوله تعالى: ﴿إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتضر﴾، صيحة واحدة أرسلها الله على هذه القرى من قرى ثمود فأبادهم جميعا. وصفهم الله كهشيم المحتضر، قيل في تعريف الهشيم المحتضر هو الشجر اليابس والزرع إذا يبس ويلقى للدواب، مثل عندنا القضب وهكذا يبس فيرمى للدواب تأكل منه وتدوس عليه، أصبحت ماذا؟ لا تملك حراكا، هذه الأجساد والأجسام والتي كانت قبل لحظات عتاه جبابرة يترفعون على دعوة صالح بل ويستهزئون به وبربه، هاهم أصبحوا هشيم كالشجر اليابس الذي لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا. إذن هذا هو العذاب الأول وهو الصيحة، وأما العذاب الثاني الذي نزل في نفس الوقت وهي الرجفة، ونعني بالرجفة زلزلة شديدة، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى واصفا عذاب قوم ثمود قال: ﴿فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين﴾. فقوله سبحانه وتعالى: ﴿فأخذتهم الرجفة﴾، فعلى إثر هذه الزلزلة جثوا، والجثو قال علماء: أنهم نزلوا على ركبهم وعلى وجوههم، فأصبحوا مكببين على الأرض ولا يملكون حراكا، مع وجود الصيحة أزاحهم الله وأزالهم الله عن بكرة أبيهم. ولهذا ذكر ابن كثير رحمه الله وتعالى جمعا بين هذين العذابين، أن الصيحة جاءت من فوقهم، وأن الرجفة جاءت من أسفلهم، فأهلكهم الله سبحانه وتعالى، وقد وصف ربنا عز وجل هذا العذاب بقوله: ﴿فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها﴾، من معنى فسواها أي أن العقوبة ساوت الجميع الصغير والكبير والذكر والأنثى، الكل أخذه الله عز وجل بهذا العذاب. فقوله: ﴿ولا يخاف عقباها﴾، اختلف العلماء في الضمير من هذا الذي لا يخاف، ذهب الضحاك والسدي إلى أن الضمير يعود إلى عاقر الناقة الذي أورد نفسه وأهل بلده، أن أدخلهم في أمر لم يكونوا على تأمل في عاقبة أمرهم، ولا يخاف عقباها أي فعلها وما خاف من عاقبتها. لو أنه دار بهذه العاقبة لما تجرأ عليها، لكن ما خاف، قيل هذا، لكن أكثر المفسرين عن ابن عباس وعن غيره، أن الضمير يعود إلى الله سبحانه وتعالى، بأن الله هو الذي دمر وهو الذي دمدم على أهل الأرض وعلى أهل ثمود، هذا الذي صار وهذا الذي كان، لكن ماذا؟ سبحانه هو الذي فعل وهو جل في علاه من قوته لا يخاف، لا يخاف جل وعلا ما يفعله بالعباد، فمن ذا الذي يخيفه سبحانه وتعالى وهو رب الأرباب جل في علاه. وأما صالح فقد نجاه الله عز وجل كما قال ربنا: ﴿فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا﴾، نجاهم الله، قيل أن ذلك بأن الله أخرجهم بأمر من صالح، أخرجوا إلى مكان آمن فلم تنلهم الصيحة ولم تأخذهم الرجفة. وكان من كلام صالح عليه السلام بعدما رأى هذه العاقبة الوخيمة على قومه، وما حل بهم، وما كان من رميهم جثث هامدة كالهشيم، أن قال: «يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين». بهذا إخواني في الله انتهينا من قصة صالح عليه السلام، هنا أحب أن أتمم الموضوع ببعض المسائل السريعة المتعلقة بثمود، المسألة الأولى في قول ربنا عز وجل: ﴿وثمود الذين جابوا الصخر بالواد﴾، نقرأها ما معناها؟ ثمود وهم قوم صالح جابوا، كانوا يقطعون الجبال التي في الوديان، وما القصد من هذا القطع؟ السكنة، إذ أنهم كانوا في وادي وكان هذا الوادي جبليا، فكانوا ينحتون الجبال بيوتا، وكانوا أول من صنع هذا، من قوتهم أنهم يأتون إلى الجبل فينحتون إلى داخله، ينحتون فيجعلون فيها الغرف والأماكن والضيافة ومحل إقامتهم داخل الجبل. هذا كان صنعة ثمود، وهذا الذي عناه الله بقوله: ﴿وثمود الذين جابوا الصخر بالواد﴾، ومن باب التفصيل يقول علماء: أن ديار ثمود كانت على قسمين، ديار تبنى في أيام الصيف، وهم الذين يخرجون بها من الوادي، وكانوا يبقون متى؟ يبقون على السهول، وهذا في الصيف، لماذا؟ طالبين للهواء وبرودة الجو. فكانوا يصعدون إلى السهول ويتخذون البيوت والقصور كما قال سبحانه وتعالى: ﴿تتخذون من سهولها قصورا﴾، هذا في الصيف، فإذا حل عليهم الشتاء بالبرد القارص، ما تنفع هذه القصور العالية في السهول، ماذا فعلوا؟ نزلوا إلى الوادي وسكنوا في الجبال. طبعا المعالم التاريخية تثبت على أن هذه القصور التي في السهول ذهبت آثارها ومعالمها، ما الذي بقي؟ بقيت الجبال المنحوتة في الوادي، هذه لا زالت لها معالم ظاهرة إلى هذه الأزمان كما يذكر. الفائدة الثانية التي أذكرها ما يتعلق بهذه المساكن وهذه الآثار الباقية لقوم ثمود، فقد جاء عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقرى ثمود، فقام الناس واستسقوا الماء من هذه المنطقة أثناء مرورهم، استسقوا الماء وهكذا عجنوا وأخذوا الماء وجعلوه عجين طعاما لهم، يعجنون دقيقهم حتى يأكلون منه. فلما علم نبينا بفعلهم وما فعلوا، ماذا أمرهم؟ أمرهم بأن يريقوا القدور، الأواني والأوعية والقدور التي جلب بها الماء والمترعة بالمياه يرمى ما فيها، وأما العجين الذي عجن به بهذا الماء يكون علفا للدواب، ما أحد يأكل منه، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، أن يصيبكم مثل ما أصابهم». أي لا يمكن أن تفعلوا ذلك أن تدخلوا إلا على هذه الحال، مررتم أبكوا أو تباكوا وإلا لا تدخلوا، تمروا على هذه تحولوا إلى مكان آخر، لماذا؟ ما العبرة؟ قال: «حتى لا يصيبكم مثل ما أصابهم»، ونبينا مر على هذه المنطقة كما يقول علماء في السنة العاشرة في مروره على تبوك، على منطقة تبوك، لأن كما ذكرنا في أوائل الدروس أن ثمود تكمن في هذا المكان بين الحجاز وبين الشام في أرض تبوك قريبا منها. فمر نبينا فلما وقع هذا الظرف من أصحابه منعهم منعا باتا، ومن هنا إخواني في الله نستفيد فائدتين عظيمتين، الفائدة الأولى الخطأ الجسيم الذي يقع فيه بعض الناس ممن لربما يتمكن من الذهاب إلى هذه الأماكن بالذات ويجعلها محلا للسياحة، سبحان الله سياحة، نعم جعلت سياحة، أماكن سياحية، معالم حضارية، التصوير والسلف، وكذلك الجولان والهدايا وتوزع الأفراح والأطعمة والمطاعم والمشارب، حتى أصبح هناك مهرجان، هذا لا يجوز، ما يجوز أبدا. لأن هذه أماكن لأناس قد عذبهم الله ينبغي أن تكون عبرة مدى الأزمان والأجيال، ما تنقلب إلى مهرجانات، فهذا من الأخطاء الجسيمة، والأمر الثاني أن هذه الأماكن في هذه المناطق الموبوءة كما جاء في الحديث، ما يستفاد من مائها، فنبي نهى عن الاستسقاء بمائها، وأن من استقى من مائها يراق، يراق. وذكر العلماء في زمن قريب أن قرى في تلك المنطقة نزحوا إلى الحجر، هي منطقة ثمود، نزحوا إلى قريبة من حجر، وحين استعانوا بالماء، الناس بالمياه لمواشيهم ولزروعهم، فحين أصدر المفتي العام وهو الشيخ محمد إبراهيم آل الشيخ رحمه الله، وأصدر فتوى ورسلها إلى السلطان، مبينا أن هذا حرام وأن هذا لا يجوز. فهذا إخواني في الله من الأمور التي ينبغي أن تعلم، وفائدة أخيرة إخواني في الله أختم بها، وهي لفتة إلى فصيل ناقة صالح، مرة معنا أن الفصيل وهو صغير الناقة كان له دور في قصة ناقة صالح، وجوده وغيابه الله أعلم ما كان، كما قلنا أكثر روايات القرآن لم يذكر ذلك، لم يذكر قصة فصيل ناقة صالح. الكتب التاريخية تعرج على هذه الشخصية، قيل أنه هرب وقيل أنه مات، لكن مما أحب أن أختم به المجلس، أن من العلماء عندما تكلم عن قول الله عز وجل: ﴿وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم﴾، وهذه الدابة من علامات الساعة الكبرى ستخرج آخر الزمان، ما هذه الدابة؟ هنا تأتي الفائدة، أن من العلماء من ذهب وقال: فصيل ناقة صالح هي الدابة التي سيخرجها الله في آخر الزمان، وهذا قول اجتهادي قال به جماعة من أهل العلم، وانتصر إليه الإمام القرطبي رحمه الله تعالى، حيث قال في بحثه: «وأولى الأقوال أي عندما ذكر الخلاف في هذه الدابة من علامات الساعة الكبرى، قال: وأولى الأقوال أنه فصيل ناقة صالح عليه السلام، وهو أصحها» والله أعلم. وأكل العلم إلى الله عز وجل، هذه إخواني في الله مما أختم به قصة صالح وما كان مع قومه وما كان من عذابهم إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.