تفسير سورة البلد من تفسير الجلالين 3

تفسير سورة البلد من تفسير الجلالين 3

الدرس في تفسير سورة البلد من تفسير الجلالين 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تفسير سورة البلد وهداية الله للإنسان

يتناول تفسير الآيات من سورة البلد حيث يبين الله نعمه على العباد بإعطائهم الحواس والهداية الدينية. يشرح معنى قوله تعالى 'وهديناه النجدين' أي طريق الخير والشر.

اقتحام العقبة واجتياز الطريق الصعب

يفسر معنى اقتحام العقبة وضرورة اجتياز الطريق الصعب للوصول إلى الجنة. يشير إلى أن اقتحام العقبة يحتاج إلى بذل جهود ومشقة في سبيل الطاعة لله.

أهمية الأعمال الصالحة في اجتياز العقبة

يشرح أهمية الأعمال الصالحة مثل فك الرقاب وإطعام المحتاجين في اجتياز العقبة. يبين أن إطعام اليتامى والمساكين من ذوي القربة له أجر مضاعف.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلا زن في سورة البلد، ولزن في قول ربنا عز وجل: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾، ثم قال سبحانه: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَجْدَيْنِ﴾، في الآيات الأول يمنُّ الله عز وجل على عباده بما أنعم عليهم من النعم الدنيوية من نعمة الحواس والأعضاء، ثم أشار ربنا عز وجل في هذه الآيات: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَجْدَيْنِ﴾ إلى نعمه الدينية. قال رحمه الله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَجْدَيْنِ﴾، قال: بيَّنَّا له طريق الخير والشر، هذا معنى الآية، نعم، وقع الخلاف في تفسيرها، لكن ما أشار إليه المؤلف رحمه الله تعالى هو الذي عليه جمع من الصحابة، أثير هذا عن ابن مسعود، وعن ابن عباس، وعن علي رضي الله تعالى، وعن جمع، كما قال الإمام البغوي رحمه الله تعالى: أكثر المفسرين على تفسير هذه الآية بأنه طريق الخير والشر، والحق والباطل، والهدى والضلالة، وهذه نعمة من نعم الله على عباده، أنه لم يخفي عليهم الطرق التي تؤدي إلى إصلاحهم أو التي تؤدي إلى هلاكهم، بل قال سبحانه وتعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَجْدَيْنِ﴾. وأصل النجد هو الشيء المرتفع، ويكأن طريق الخير واضح جلي يراه البعيد، وبالمثل طريق الشر واضح جلي يراه البعيد، لا يخفى على أحد، فلا يأتي آتٍ مثلًا ويدعي أنه ما يدري، كحال الذي يتحبط بالذنوب والمعاصي وبترك الواجبات والوقوع في المحرمات، ثم يتعذر ويتأسف، قال الله: ﴿مَا أَدْرِي﴾، أن هذا غلط، ما تدري، أو ذاك الذي يفرط في حق الله وفي حق خلقه، ثم يتعذر متأسفًا أنه ما عرف، لا أحد يمكن أن يحتج على الله عز وجل بالجهل، لأن الله عز وجل قد أوضح السبيل: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾، هديناه السبيل، السبيل واضح، لكن بعد ذلك الهوى، بعد ذلك الإعراض والتمرد، هذا أمر عائد إليك. أما أنك تحتج على ربك بأن الله ما أوضح لك الطريق، لا، تريد طريق الصلاح واضح، الصلاة، المساجد بيوت الله، الصلة، طاعات، قربات، نوافل، بحر، هذا هو طريق الخير، تريد طريق الشر واضح، الزنا، واللواط، والخمور، والمخدرات، والحشيش، والسب، والشتم، والغيبة، والنميمة، قس، هذا كله واضح وواضح، فقال سبحانه وتعالى ممتنًا على عباده: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَجْدَيْنِ﴾، فهذا الذي عليه أكثر العلماء. قال سبحانه: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾، قال: فهلا اقتحم العقبة، أي جاوزها، والعقبة هي الطريق الصعب الموصل للجبل، هذا هو العقبة، ولا زالت هذه المصطلحات تُستخدم، أنا أذهب إلى سفر وسأمر على عقبة، إذا قال عقبة، علم الناس أنه طريق صعب في جبل، فأخبر ربنا عز وجل عن هذا الإنسان: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾، هنا فسرها المؤلف، قال: فهلا اقتحم العقبة، هذا على قول من أقوال المفسرين، لا زال السياق واحدًا على من مضى ذكره، ذاك الكافر الذي يذكر ويغتر بقوته، أي ذاك المخذول الذي أنفق ماله: ﴿أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا﴾، أهلكه في عداوة محمد، أي هذا الإنسان الذي بذل المال الكثير في سبيل الصد عن الدين، فهل لا بذل ما له فيه؟ ما هو خير له من هذا؟ سيأتي ما هو الخير، إطعام المساكين، عتق الرقاب، فلو أنه فعل ذلك لكان خيرًا. فقيل: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾، أي أنه بذل جهده في هذا المقام، قيل هذا القول، وقيل: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾، لا هنا بمعنى نافية، أي أنه لم يقتحم العقبة، ولم يصل إلى هذا الأمر، وأن العقبة هي المشقة الذي يجدها الإنسان في سبيل الطاعة لربه عز وجل، بيان على أن طاعة الله وعبادة الله تحتاج إلى مشقة، تحتاج إلى بذل، تحتاج إلى فعل، قول، وصبر، ومصابرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، لكن صبر ومصابرة، فدين الله عز وجل كما جاء في الحديث: «الجنة قُفَّت بالمكاره»، بالمكاره، يحتاج الإنسان إلى بذل، فقيل في معنى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾، أي أنه لم يقتحم العقبة، لأن العقبة هي عبارة عن المسارع للطاعات، ويحتاج إلى جهد جهيد. قال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾، قال: ما أدراك، أي أعلمك، ما أعلمك يعني ما أدراك ما العقبة، وقد ذكرناها قديمًا على أن الآيات التي في القرآن تأتي بهذا الأسلوب: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾، فإن بعدها يخبر الله عنها وعن شيء من أمورها، وأما الآيات التي تأتي في قوله تعالى بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾، هذه لا يخبر الله عنها، هذه لا يخبر الله عنها بشيء، فأسلوب القرآن: ﴿مَا أَدْرَاكَ﴾ يخبر الله عنه، ﴿مَا يُدْرِيكَ﴾ لا يخبر الله عنه بشيء. فلما كانت هذه الآيات ها هنا: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾، هنا أخبر الله عز وجل عما يتعلق بهذه العقبة، قال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾، قال: التي يقتحمها تعظيمًا لشأنها، والجمل اعتراض، وبيّن سبب جوازها بقوله: سبب جوازها، أي هذه العقبة، يا من تريد أن يتخطاها، طبعًا اختلف العلماء ما هي العقبة أصلا؟ هل هو أمر حسي أم أمر معنوي؟ على أقوى من أهل علم من يرى أن العقبة هي أمر حقيقي، وهو جبل في جهنم، جبل في جهنم، جاء ذكره في قوله تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾، ويا من أراد أن ينجو من هذه العقبة، فعليك بعمل، وقيل أن العقبة ها هنا هي الصراط الذي يضرب على متن جهنم، فإن فيه صعود، إذا أردت أن الله ينجيك منه، عليك بهذه الأعمال. فقال المؤلف رحمه الله تعالى: وبين سبب جوازها، جوازها، أي مرور عليها، بقوله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾، هنا أشار ربنا عز وجل إلى الأعمال التي إن عملها الإنسان فإنه بإذن الله ينجو من هذه العقبة، الكأود، قول سبحانه وتعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾، طبعًا على قراءة المؤلف رحمه الله تعالى، كيف تقرأ الآية؟ تقرأ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾، فك، فعل ماضي، رقبة، مفعول به، فك رقبة، أو أطعم في يوم ذي مسغبة. فعلى قراءة المؤلف، وقد قرأ بها جماعة من القراء، أن الأفعال هنا أفعال ماضية، فك، وأطعم، وعلى قراءتنا، وهي قراءة الجمهور، يكون ماذا؟ مصدر، فيكون الآية عندنا: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾، فهذه فائدة أنك لا تستوحش إذا سمعت الآية تقرأ على هذا: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾، وهذا الذي عليه المؤلف الآن في نسخة يقرأ بهذا القراءة رحمه الله، فك، أي فعل ماضي، فك رقبة، وأطعم في يوم ذي مسغبة. قال رحمه الله تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾، قال: من الرق بأن أعتقها، من أعظم الأعمال، وهي التي تحتاج إلى مشقة عظيمة لفعلها وأدائها، والتي تتخلص بها عن كل الصعاب، أنك تحرص على عتق الرقاب، أن تعتق الرقاب، فك رقبة، وقد جاءت الأحاديث الكثيرة تدل على فضيلة فك الرقاب، وأخبر عليه الصلاة والسلام بأن من أعتق رقبة، من أعتق مؤمنًا أو رقبة مؤمن، كان فداؤه من النار يوم القيامة، يفديك هذه الرقبة تفديك عن النار. وفي فك الرقبة تكون إما بأن أنك أنت عندك رقبة فتعتقها لوجه الله، أو أنك تشتري رقاب الغير، تأتي عند أحد من الناس: عبدك، أنا سأشتري، ثم تشتري وتعتق لوجه الله، هذا هو فك رقبة، وأدخل العلماء في فك الرقبة فك الأسير، فك الأسير، الأسير إذا كان بيد الكفار، والكافر ما سيفكه إلا بفدية، هنا من تبنى دفع الفدية يدخل في هذا الحكم، كما قال العلماء. قال: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾، قال: من الرقب أن أعتقها، قال: «أو إطعام في يوم ذي مسغبة»، مجاعة، العمل الثاني، وهو من الأعمال العظيمة عند الله عز وجل، الإطعام، إطعام ذوي الناس، وهذا وهذه من أفضل الأعمال، أحدث كثير منها، منها ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: «يا أيها الناس، أفشوا السلام، وصلوا الأرحام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام»، فذكر نبينا على أن إطعام الطعام من أعظم الأسباب في دخول الجنان. هنا في قول ربنا عز وجل: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾، يعظم الأجر أن يكون هذا الإطعام في مسغبة، مسغبة ومجاعة تحل الكوارث على بلاد المسلمين، تأتي المجاعة، القحط، والجفاف، والجد، فهنا إذا قام أحد وأطعم الطعام في هذه الساعة، هذه من خيرة الأعمال، وقد جاء ذلك في السنن، من حديث ابن عمر، قال عليه الصلاة والسلام: «أحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعة»، تطرد عنه جوعة، فالإنسان في ملابسة الجوع، تأتي أنت وتغيثه بطعام، هذه من أعظم الأعمال. فقال سبحانه: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾، ثم قال سبحانه: ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾، أي وأن هذا الأمر منك، الإطعام، الإطعام في وقت الحاجة، نوع الصدقة، إطعام وقت الصدقة عند الحاجة، بقي من الذي يعطى له الإطعام؟ أشار ربنا إلى صنفين: اليتامى والمساكين، بأوصاف ضيقة: ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾، اليتيم هو من فقد أباه قبل البلوغ، هذا قيد اليتيم، كل من فقد أباه قبل البلوغ، من فقد أمه ما يسمى يتيم، ومن وصل إلى سن البلوغ ما يسمى يتيم، اليتيم الطفل إذا فقد أباه قبل البلوغ، هذا يتيم. فهذا اليتيم أجره مضاعف، وخاص إذا كان من ذوي قرابتك، من ذوي قرابتك، قال عليه الصلاة والسلام: «الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم صدقة وصلة»، وعلى ذي الرحم صدقة وصلة، فإذا كانت الإنفاق على ذوي القربة من المساكين، فالأجر مضاعف، وهكذا اليتيم، فكونك تتحسس اليتامى من ذوي قرابتك، وهو بحاجة إلى إنفاقك، فهذه عظيمة، الشأن العظيم الذي خصك الله عز وجل به أن تطعم يتيما قريبًا، مسكينًا، أي في حال مسغبة. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾، أو أنك تطعم وقت الحاجة، تطعم مسكين، وهو الفقير المحتاج، ولما كانت المسكنة تتفاوت، المسكنة تتراوح، ذاك مسكين، وذاك مسكين، لكن فرق بين المسكنة عند هذا وعند ذاك، أشار ربنا إلى أضعف الناس مسكنة، فقال سبحانه: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾، متربة، أي محل التراب، بمعنى أن مسكين ما يملك إلا التراب، ما معنى أي ما يملك شيء، ما عنده بيت، ما عنده مال، ما عنده رصيد، ما عنده شيء يدخره، ما عنده شيء يأكله، وهذا يوجد في أحيانًا، تجد بعض الناس كالنازح، يأتي ترك أهله وماله وبيته لاجئ، ما عنده شيء، هذا مسكين، مسكنة، فهذا الإعانة لهذا المسكين على هذا الوصف، ذا مسكنة، ذا متربة، الذي ما يملك إلا التراب، الإنفاق عليه من أعظم الأمور الحسان. قال: وفي قراءة بدل الفعلين مصدران مرفوعان، الآن المؤلف سيتكلم عن قراءتنا نحن، قال: وفي قراءتنا بدل الفعلين، فعل أطعم، وفعل فك، قال: مصدران مرفوعان، وهي قراءتنا: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾، قال: مضاف الأول لرقبة، وينون الثاني، فيقدر قبل العقبة اقتحام، والقراءة المذكورة بيانية، والأمر كما قال ابن كثير رحمه الله تعالى، لما أشار إلى القراءتين بالفعل والمصدرية، قال: والمعنى متقارب. أكتفي إلى هذا الحد، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.