الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 70، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
استهل المحاضر بشرح حديث أنس في الصحيحين مبيناً أن نفي العدوى والطيرة نفي للاستقلال بالتأثير لا للوجود، وفصّل في حكم الطيرة بأنها شرك أكبر إن اعتقد المتشائم أن المتشاءم منه ينفع ويضر بذاته، أو شرك أصغر إن اتخذه سبباً فقط، وميّز بينها وبين الفأل الحسن الذي ينشط العبد على الخير دون تعلق قلبي بالسبب.
انتقل المحاضر لبيان أن الفرق الجوهري بين الطيرة والفأل هو تعلق القلب بالسبب وضعف التوكل في الأولى، مقابل الاستبشار مع العزيمة والتوكل في الثانية، واستدل بحديث ابن مسعود «الطيارة شرك... ولكن الله يذهبه بالتوكل» موضحاً أن التوكل الصادق هو اعتماد القلب على الله مع الأخذ بالأسباب الشرعية دون التعلق بها.
فصّل المحاضر في كفارة من ردته الطيرة عن حاجته بأنها شرك، وكفارته الدعاء المأثور: «اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك»، مع شرح معانيه وبيان أن الشر لا يُنسب لفعل الله بل للمفعول، وأن الطيرة لا ترد قدراً وتكون من وساوس الشيطان.
أعلن المحاضر في ختام الجلسة تأجيل المسائل المتبقية إلى الدرس القادم لانتهاء الوقت، واكتفى بما تم طرحه مختتماً الجلسة.
الحمد لله، الحمد كثيرا طيبا مباركا فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. وبعد، قال الشيخ العلامة المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى: "ولهما عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل». قالوا: وما الفأل؟ قال: «الكلمة الطيبة»". وقوله: "ولهما" يعني البخاري ومسلم، فهذا الحديث في الصحيحين. وتقدم معنا ما معنى "لا عدوى"، وقلنا: ما معنى "لا عدوى"؟ نفيه ماذا؟ نفيه التأثير وليس الوجود، فالعدوى موجودة تمام، لكن النفي هنا نفي التأثير، يعني لا تؤثر بذاتها وإنما بإذن الله عز وجل. وعرفنا معنى "ولا طيرة": نفي التشاؤم. وهنا يجرنا هذا الحديث إلى مسألة، وهي: ما حكم الطيرة وهو التشاؤم؟ أن هنا المؤلف غالبا ما جاء في التطير فلم يجزم بشيء، فلم يجزم بشيء. فالطيارة تنقسم إلى قسمين: فقد تكون شركا أكبر، وقد تكون شركا أصغر. فمن اعتقد أن الشيء المتشاءم منه بذاته ونفسه هو الذي يرد الخير أو يدفع الشر فهذا شرك أكبر. إذا اعتقد أن الطير هذا بذاته ونفسه هو الذي يمنعه من السفر أو من الزواج أو نحو ذلك فهذا شرك أكبر. وأما من اعتقد أن عدم ذهابه فقط سبب، هذا الطير أو ذاك التشاؤم سبب وليس بذاته الذي ينفع ويضر، فهذا شرك أصغر. لأن القاعدة التي عندنا: كل ما ليس بسبب شرعي ولا قدري فمن اتخذه فقد وقع في الشرك الأصغر. والغالب أن أهل التشاؤم يتشاؤمون به كسبب، كسبب، فهذا يكون من الشرك الأصغر، يكون من الشرك الأصغر. وأما قوله: "ويعجبني الفأل"، فسر العلماء الفأل في هذا الموضع: كل ما ينشط الإنسان على شيء محمود من قول أو فعل، مرئي أو مسموع. الفأل: كل ما ينشط الإنسان على شيء محمود من قول أو فعل، مرئي أو مسموع. ولذلك جاء في هذا الحديث تفسير الفأل، فلما قيل للنبي عليه الصلاة والسلام: وما الفأل؟ قال: «الكلمة الطيبة». وهذا على سبيل المثال لا الحصر، يعني أن من الفأل الكلمة الطيبة، والكلمة الطيبة من الفأل لما فيها من إدخال السرور على النفس والانبساط والمضي قدما لما يسعى إليه الإنسان، لأنها تؤثر عليه وتزيده طمأنينة وتزيده إقبالا وإقداما. على سبيل المثال: لو أردت أن تسافر لطلب الرزق في بلد ما، فقال لك قائل: توكل على الله، هذه بلد طيبة وناس عندهم حب مثلا للأمين وكذا، صدرك سينشرح لهذا الكلام، صح؟ وستطمئن لهذا الكلام الطيب، فهذا يشجعك على الذهاب، صح؟ يشجعك على السفر، يشجعك على السفر. فهذا هو المراد به الفأل، المراد بالفأل الكلمة الطيبة هذا كمثال، وإلا فكل ما ينشط الإنسان على شيء محمود سواء منقول أو فعل مرئي أو مسموع فهو من الفأل. فمثلا: لو أردت أن تشتري سيارة، أردت أن تشتري سيارة، فرأيت في هذه السيارة النظافة واللمعان والسعة، فلا شك أن هذا ينشطك على شرائها، هذا ينشطك على شرائها، فهذا من الفأل، فينشطك على شيء محمود، وقس على هذا. فهذا هو معنى الفأل. وقوله: "يعجبني" يعني يسرني، "يعجبني" يسرني الفأل. ووجه الشاهد منه: «ولا طيرة». وقال أبو داود بسند صحيح عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: ذكرت الطيرة، ذكرت الطيرة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «أحسنها الفأل، ولا ترد مسلما. فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك». قوله: "ذكرت الطيرة"، إما ذكرت على سبيل الإجمال والعموم، وإما ذكر أن أناسا يتطيرون، المهم أن الطيرة ذكرت عند النبي عليه الصلاة والسلام، فقال عليه الصلاة والسلام: «أحسنها الفأل». قد يشكل هذا ويقول: هل الفأل من الطيرة حتى يقول النبي عليه الصلاة والسلام: أحسنها؟ و"ها" هنا عائد على الطيرة. فالجواب: لا، لا يريد أن الفأل من الطيرة المذمومة التي يتعلق صاحبها بهذا السبب فيكون سببا في إقدامه أو إحجامه أو في قلقه واضطرابه. لأن الطيرة لا يخلو صاحبها من أمرين اثنين: الأمر الأول: إما أن يمتنع، إما أن يمتنع، إذا مثلا هيج طيرا فذهب الطير ذات الشمال فيتشاءم من هذا، صح؟ فلا يبالي يعني يمشي، فإنه يحجم، يقول: خلاص، طالما أن راح ذات الشمال ما لي ما لي صلاح في هذا السفر، تمام. هذا من الطير، إحدى الأمور التي تكون بها الطيرة المذمومة. والأمر الآخر: يذهب ذات الشمال فيمضي في سفره، لكن يبقى في ماذا؟ في خوف وقلق، وهذا أهون من الأول، وكلاهما قد دخلا في الطير. طيب، فهذا هو المذموم. أما الفأل، عد من الطيرة وشبه بالطيرة من حيث الإقدام فيما توجه إليه، فكما تقدم: لو إنسان أتى لك بكلمة طيبة فأنت شرح صدره لهذا الكلام فتقدم على السفر، لكن ما تتعلق بهذه الكلمة، إنما هذا يزيدك نشاطا وإقداما، أنت قد ناوي، ناوي يعني عازم، عازم، لكن هذا يزيدك نشاطا وفألا، فيختلف، لا تتعلق بهذا السبب. فشبه الفأل بالطيرة من حيث الإقدام فيما توجه إليه، وإلا فبين الطيرة والفأل فرق. فالطيرة توجب تعلق الإنسان بالمتطير به، يتعلق بهذا السبب، أما صاحب الفأل فلا يتعلق بهذه الكلمة، ولا يعلق سفره وعدمه أو قلقه واضطرابه على هذه الكلمة، على هذه الكلمة، فبينهما فرق. فإذا قوله: «أحسنها الفأل»، شبه الفأل بالطيرة من حيث الإقدام فقط. والفرق بين الطيرة والفأل كما تقدم: الطيرة يتعلق صاحبها بالمتطير به ويجعله هو الأساس في الإقدام أو الإحجام، في الإقدام أو الإحجام، واضح هذا الآن؟ فصاحب الطيرة عنده ضعف في التوكل، عنده ضعف في التوكل. أما صاحب الفأل فليس عنده ضعف في التوكل، وإنما زادته هذه الكلمة أو ذاك الوصف أو ذاك الفعل نشاطا وهمة وعزما، واضح هذا الآن؟ فلا إشكال في ذلك. ولذلك قال: «ولا ترد مسلما»، يعني الطيرة، الطيرة ما ترد مسلما. استدل العلماء بهذا على مفهوم المخالفة، وهو أن من ردته الطيرة فهو ليس بمسلم. لكن هذا على التفصيل المتقدم: إذا كان يعتقد أن هذا المتطير به بذاته هو الذي منعه فهذا كفر، وأما إذا جعله سببا فهو شرك أصغر. قال: «فإذا رأى أحدكم ما يكره»، يعني إذا وقع شيء من الطيرة في قلب أحدكم، وهذا قد يقع كما سيأتي من كلام ابن مسعود، وما منا إلا قد... إنسان أحيانا يقع في نفسه شيء من التطير أو التشاؤم، لكن لا يتمادى في ذلك ويقطعه مباشرة. كيف يقطعه؟ في هذا الحديث يقول: «اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت». ومعنى "لا يأتي" يعني لا يقدرها ولا يخلقها ولا يوجدها للعبد إلا أنت، أي إلا الله سبحانه وتعالى، فهذا معنى "لا يأتي". وأما قوله: "بالحسنات"، فسرت الحسنات هنا: ما يستحسن المرء وقوعه، ما يستحسن المرء وقوعه، فيحسن في عينه وفي فعله، فيشمل هنا ما يستحسن المرء من الأمور الشرعية أو الأمور الدنيوية. فالحسنات هنا تشمل الأمور الشرعية والأمور الدنيوية. إن كل ما يستحسن العبد فالأمور الشرعية كالصلاة يفرح المسلم بالصلاة، صح؟ فلا يأتي بالحسنات بمعنى التوفيق لهذه العبادة إلا الله. السفر للحج هذه عبادة شرعية، صح؟ لا يأتي بها إلا من؟ إلا الله، مش هذا الطير ولا هذا اليوم ولا ذاك الشهر ولا ذاك الإنسان، إنما هو الله. طيب، فهذه حسنات شرعية. وتكون الحسنات الدنيوية كالمال والولد والسيارة والبيت والشاة والغنيمة ونحو ذلك، كل هذا من من؟ من الله، لا يأتي بالحسنات إلا الله. فالحسنات هنا ليس المراد بها الأجور وإنما يراد بها ما يستحسن المرء وقوعها، فلا يأتي بما يحب المرء إلا الله، وما يستحسن المرء إلا الله. تقول هذا. «ولا يدفع السيئات إلا أنت»، والسيئة كذلك: ما يسوء المرء وقوعه وينفر منه، سواء كان حالا أو مآلا، فلا يدفع عنك المرض ولا الشر ولا السوء ولا الفقر ولا شيء من ذلك إلا من؟ إلا الله، واضح هذا الآن؟ «ولا حول ولا قوة إلا بك»، أي إلا بالله. فالباء هنا السببية، يعني أنا عندي حول وقوة، لكن أنا متخل عن هذا الحول والقوة، لأن إذا لم يعنني ربي على ما أقوم به لم أستطع القيام به، فهذا فيه تخلي العبد عن حوله وقوته، فلا أتحول من عمل إلى عمل إلا بالله، ولا قوة لي على أي عمل إلا بالله، واضح هذا؟ وهذا معنى «إياك نعبد وإياك نستعين»، إياك نعبد وإياك نستعين. ووجه الشاهد من هذا واضح: «لا ترد مسلما»، هذه الطيرة لا ترد مسلما. وقال: "وله من حديث ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعا: «الطيارة شرك، الطيارة شرك، وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل»". رواه أبو داود والترمذي، والصحيح جعل آخره من قول ابن مسعود. هذا الحديث صحيح، يعني صحيح، عند العلامة الألباني عليه رحمة الله. فقوله: «الطيارة شرك، الطيارة شرك»، كما تقدم هذا تأكيد للمعنى، هذا تأكيد باللفظ، الطيارة شرك، الطيارة شرك، الجملة الثانية تأكيد للأولى. وقوله: "شرك" يعني من الشرك، لأنه نكرة هنا، ما قال: "الطيارة الشرك"، إنما قال: "الطيارة شرك"، فدل على أنها من الشرك. وتقدم معنا أن هذا الشرك قد يكون أكبر وقد يكون أصغر. فإذا اعتقد أن هذا المتطير به بذاته هو الذي ينفع أو يضر فهذا شرك أكبر، وأما إن جعله سببا فهو شرك أصغر. وقوله: "وما منا إلا"، بعضهم جعله من قول النبي صلى الله عليه وسلم، لكن الترمذي وغيره من علماء الحديث جعلوا هذا من قول ابن مسعود: "وما منا إلا". ومعنى "وما منا إلا" يعني وما منا أحد إلا ويتطير، أو "وما منا إلا متطير". "وما منا" "وما منا" خبر، والمبتدأ محذوف، والمبتدأ ماذا؟ محذوف، يعني "وما منا أحد إلا" ويقع في نفسه شيء من التطير، من التطير في نفسه، لكن يقطعه بماذا؟ يقطعه بالتوكل. «ولكن الله يذهبه بالتوكل». رواه أبو داود والترمذي، والصحيح جعل آخره من قول ابن مسعود. هذا الحديث صحيح، يعني صحيح، عند العلامة الألباني عليه رحمة الله. فكله علاج للطيرة، كله هذا علاج للطيرة. من وقع في نفسه شيء من الطيرة فيذهب ذلك بالتوكل. ومعنى التوكل: صدق اعتماد القلب على الله عز وجل مع اتخاذ الأسباب الشرعية وعدم التعلق بها، هذا هو التوكل. فإذا مثلا وقع في نفسك شيء من ذلك، قل: توكلت على الله، فالله هو الذي يعتمد عليه، لا يعتمد على طير ولا على يوم ولا على شهر ولا على سنة ولا على شيء، فتذهب ذلك بماذا؟ بالتوكل على الله سبحانه وتعالى. هذا معنى "وما منا إلا"، يعني إلا يقع منه شيء من التشاؤم في نفسه، ولكن عليه أن يتوكل على الله حتى يذهب ما به من تطير. وقال الإمام أحمد من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: «من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك». هذا الحديث أيضا من الصحيح، عند الشيخ الألباني. قال: فما كفارة ذلك؟ قال: «أن تقول: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك». هذا أيضا من علاج الوقوع في شيء من الطيرة. «من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك»، أراد سفرا فرأى رجلا أعرج فبطل السفر، ردته عن حاجته، هذا شرك. أراد أن يفتح دكانه فرأى أعمى، فقال: هذا اليوم نحس، بطلنا في دكان وأغلق دكان، هذا ردته هذه الطيرة عن حاجته، ردته عن حاجته، فهذا من التشاؤم، واضح؟ فهذا وقع في الشرك، جعل هذا سببا وليس بسبب. طيب، إذا قيل له: ما يجوز، هذا شرك، فما كفارة ذلك؟ كيف يخلص نفسه؟ الحمد لله، كيف يخلص نفسه من هذه المصيبة، من هذا التطير؟ «فما كفارة ذلك؟ قال: أن يقول: اللهم لا خير إلا خيرك»، يعني لا يأتي بالخير إلا أنت، ليس هذا الأعمى ولا ذاك الأعرج ولا هذا الطير ولا ذاك الشهر ولا نحو ذلك، واضح؟ «لا خير إلا خيرك»، الخير منك لا من فلان أو علان. «ولا طير إلا طيرك»، ومعنى "ولا طير إلا طيرك": أي أن الطيور، أي أن الطيور كلها ملكك، فهي لا تفعل شيئا، وإنما هي مسخرة، وإنما هي مسخرة. هذا احتمال. واحتمال آخر: أن المراد "ولا طير إلا طيرك"، أي ما يتشاءم به الإنسان، فكل ما يحدث للإنسان من التشاؤم والحواس المكروهة فإنها من الله، فإنها من من؟ من الله، فيشمل الطير وغيره من الإنسان أو الحيوان أو الأشهر أو نحو ذلك، فالمراد به التشاؤم فيما يكره، فهذا الشر إنما هو من الله. لكن لا ينسب الشر إلى الله عز وجل، لا ينسب إلى فعله، إنما ينسب إلى المفعول، لأن الله عز وجل لا يفعل الشر، الله عز وجل لا يفعل، والشر ليس إليك، وإنما الشر في المفعول، لأن الشر الذي يقدره الله في الحقيقة هو خير لهذا الإنسان، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، فهذا ظاهره شر، لكن ماذا في الحقيقة؟ هو خير للإنسان، فيكون سببا لرجوعه. إنسان كافر أو فاسق فيحدث له حادث أو نحو ذلك فيهتدي ويقوم من أهل الاستقامة، إذن هذا الحادث خير له أو شر؟ هذا خير له في الحقيقة، صح؟ كان سبب لهدايته. وكما قال الله عز وجل: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، وغير ذلك. فالشر لا ينسب من فعل الله وإنما إلى المفعول. فقولوا: "ولا طير إلا طيرك"، يعني الحوادث المكروهة فهي من الله عز وجل، ليس من هذا الطير ولا من ذاك الأعرج ولا من ذاك الأعمى، فهمتم هذا الآن؟ «ولا إله غيرك»، يعني لا معبود سواك، لأن الإله بمعنى المعبود، ولا معبود بحق إلا أنت، ولا إله غيرك. ووجه الشاهد واضح: من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك. بل قالوا كذلك: من لم ترده الطيرة، مضى في حاجته، لكن أصبح عنده قلق وخوف، صار عنده ماذا؟ قلق وخوف، فهذا يعني يكون متطيرا، وإن كان أهون من الأول. فالطيرة لا خير فيها، ولا ترد أمر الله سبحانه وتعالى. يذكر أن أعمى كان في الطريق، فجاء أحد الملوك يريد سفرا، فرأى هذا الأعمى فتشاءم منه، فقال لحراسه: خذوه وضعوه في السجن. فأخذوا هذا الأعمى ووضعوه في السجن، وذهب هذا الأمير إلى سفره من قطع، لكن صار قلقا لأنه تشاءم بهذا الأعمى. طيب، فلما رجع من سفره ذهب عند هذا الأعمى وقال له: خلاص أخرج. قال له: كيف أخرج؟ لماذا سجنتني؟ ماذا بي؟ قال له: تشاءمت منك. قال له: وما الذي حصل لك؟ قال: ما حصل شيء. قال: إذن أنا أحق بأن أتشاءم منك، لأنني خرجت فسجنت لما رأيتني، وأما أنت رأيتني فما صار لك شيء، فإذن أنت المشؤوم، مش أنا المشؤوم، أنت ما حصل لك شيء، لكن أنا سجنتني وكذا، إذن أنت أحق أن تكون يعني ممن يتشاءم منه، ليس أنا. وهذا دليل على أن التشاؤم من الشيطان. وقال: «إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك»، يعني ما أمضاك أو ردك، يعني كانت سببا في إحجامك أو إمساكك، في إحجامك أو كذلك إقدامك. «إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك». وربما كما تقدم يقع شيء في النفس، طيب. نؤجل هذه المسائل إلى الدرس القادم، إن الوقت قد جاء، فنكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى.