شرح أسماء الله الحسنى 36

الدرس في شرح أسماء الله الحسنى 36، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

معنى اسم الله الشاكر والشكور ووروده في القرآن

اسم الله الشاكر والشكور يفيدان قبول الله لأعمال عباده الصالحين ومضاعفة الأجر لهم، وقد وردا في القرآن الكريم في عدة مواضع.

محبة الله لشكر عباده وجزاء الشاكرين

الله يحب شكر عباده له رغم غناه عن شكرهم، وشكر العباد لأنفسهم لأن الله يوفقهم له ويتقبل منهم ويثيبهم، وأهل السنة يرون أن الله أوجب على نفسه الجزاء تفضلا.

مقتضيات الإيمان باسم الله الشاكر الشكور

اسم الله الشاكر الشكور يعني قبول القليل من العمل ومجازاة العبد عليه، ومن مقتضى الإيمان به أن يكون العبد شاكرا لله بقلبه ولسانه وجوارحه.

ختام بالدعاء والثناء على الله

يتضمن المقطع دعاء الله أن يجعلنا من عباده الشاكرين والمشكورين، مع خاتمة من الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، والحمد لله رب العالمين.

  • 15 جمادى الآخرة 1432هـ - 18/05/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فمن أسماء الله الحسنى التي ذكرها الشيخ العلامة محمد صالح بن عثيمين رحمه الله في كتابه "القواعد المثلى" اسم الله جل وعلا الشاكر، الشكور. فالشاكر اسم من أسماء الله جل وعلا، وكذلك الشكور اسم من أسماء الله جل وعلا الحسنى. وقد ورد اسم الله جل وعلا الشاكر في موضعين من كتاب الله جل وعلا، مقرونا ومقترنا باسمه جل وعلا العليم. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم﴾. وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما﴾. وأسمه جل وعلا الشكور ورد في أربعة مواضع، في ثلاثة مواضع ذكر اسمه جل وعلا الشكور مقترنا باسمه جل وعلا الغفور. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور﴾. وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور﴾. وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور﴾. وفي موضع اقترن اسم الله جل وعلا الشكور باسمه الحليم، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم إنه شكور حليم﴾. فهذه المواضع التي ذكر فيها اسم الله جل وعلا الشاكر، واسمه جل وعلا الشكور. ومن تأمل في هذه المواضع التي ذكر فيها اسم الله جل وعلا الشاكر واسم الله جل وعلا الشكور، يجد أنها كلها في مقام الامتنان من الله جل وعلا والفضل، والإخبار منه جل وعلا أنه تقبل أعمال الصالحين، وتقبل أعمال الشاكرين، وأثنى عليهم سبحانه وتعالى، وأنه أثابهم عليها وأثنى عليهم ثناء عظيما. ولذلك كان معنى اسم الله جل وعلا الشاكر، ومعنى اسم الله الشكور هو بهذه المعاني، أنه جل وعلا الشكور الذي يتقبل أعمال عباده، ويثيبهم عليها، ويضاعف لهم أعمالهم إلى حسنات عظيمة إذا هم أخلصوا. ولذلك قال ابن قيم رحمه الله تعالى في نونيته: «ولكن يحب شكورهم... وشكورهم لا لاحتياج منه للشكران وهو الشكور فلا يضيع سعيهم لكن يضاعفه بلا حسبان ما للعباد عليه حق واجب هو أوجب الأجر العظيم الشاني كلا ولا عمل لديه ضائع إن كان بالإخلاص والإحسان إن عذبوا فبعدله أو نعموا فبفضله والحمد للمنان». ومعنى هذا أن الله جل وعلا حين يحب شكور عباده له، وأن يشكروه ليس معنى ذلك لاحتياجه جل وعلا لهذا الشكران منهم، بل هو جل وعلا الغني سبحانه وتعالى، لكن يحب ذلك الشكور منهم، بأنه سبحانه وتعالى أمرهم بشكره جل وعلا، فإذا أطاعوه ففرح منهم جل وعلا، وهم إن شكروا إنما لأنفسهم شكرهم، لأنفسهم هو يوفقهم جل وعلا لشكره، وإذا شكروه جل وعلا هم المنتفعون بهذا الشكر الذي شكروا به الشاكر الشكور جل وعلا، فيوفقهم ثم يتقبل منهم ثم يثيبهم سبحانه وتعالى. وهذا الحق الذي جعله الله جل وعلا لهم وأوجبه على نفسه ليس هو حق واجب للعباد على الله تعالى، الله عن ذلك علوا كبيرا. وقد أضل في هذا المعتزلة حين قالوا حق واجب على الله جل وعلا لعباده إذا شكروه أن يثيبهم وأن يجازيهم، وعن أنه إذا لم يفعل ذلك فقد أخلف وعده ولم يأتي بالأمر في موضعه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. أهل السنة والجماعة يقولون: الله جل وعلا أوجب على نفسه لعباده تفضلا وتكرما وتمننا منه سبحانه وتعالى، وإلا فأعمالهم مهما فعلوا ومهما شكروا فإنهم لن يوافوا نعمة أنعم الله جل وعلا بها عليهم، لكنه فضله سبحانه وتعالى وكرمه، وهو جل وعلا يوجب على نفسه ما شاء ويحرم على نفسه ما شاء. قال ابن قيم رحمه الله تعالى: «ما للعباد عليه حق واجب هو أوجب الأجر العظيم الشاني أي هو الذي أوجب على نفسه سبحانه وتعالى لعباده هذا الأجر». وكذلك ضاعف لهم سبحانه وتعالى الأعمال والثواب، وهكذا ليس هناك من أعمال العباد ضائع عند الله جل وعلا، بل كل عمل يعمله العبد فإن الله جل وعلا لا يضيعه، فلا ضائع من الأعمال عند الله جل وعلا إذا أخلص العبد في هذا العمل وأحسن في هذا العمل. وأما الثواب والعقاب فمن عاقبه الله جل وعلا فذلك بعدله، إذا عذب العباد فهو بعدله سبحانه وتعالى لأنه جل وعلا حرم الظلم على نفسه، ومن أنعم عليه جل وعلا فهذا التنعيم بفضله جل وعلا، فهو إن عذب فذلك مقتضى عدله، وإن أثاب فذلك محض فضله سبحانه وتعالى، لأنه لا يدخل الجنة أحد بعمله، وإنما برحمة الله جل وعلا وفضله كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «اعلموا أنه لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله»، قالوا: «ولا أنت يا رسول الله؟» قال: «ولا أنا إلا يتغمدني الله برحمة منه وفضل». فالأعمال أسباب لدخول الجنة وليست الأعمال هي العوض، والجنة عوض للأعمال، الأسباب التي يفعلها العباد هي أسباب لدخول الجنة وليست الجنة عوضا لهذه الأعمال، لأن نعمة من نعم رب العالمين جل وعلا لو وزنت مقام تلك الأعمال التي عملها العباد فإنها لا تساوي شيئا. وقال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى عليه في شرحه لاسم الله الشاكر الشكور: «قال الشاكر الشكور هو الذي يقبل القليل من العمل ويجازي على القليل من العمل ويغفر الكثير من الزلل الذي يقبل القليل من العمل ويغفر الكثير من الزلل ويضاعف للمخلصين أعمالهم بغير حساب، وهو الذي يشكر الشاكرين ويدكر من ذكره ومن تقرب إليه بشيء من الأعمال تقرب الله منه أكثر». قال ابن قيم رحمه الله تعالى: «لما احتمل يوسف عليه الصلاة والسلام ضيق السجن شكر الله جل وعلا له ذلك، فمكن له في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء». ولما قدم الأنبياء والرسل أعراضهم لله جل وعلا فنال أعداؤهم منهم فشتموهم وسبوهم، أثنى عليهم في الملكوت الأعلى ورفع ذكرهم، وصل عليهم وملائكته وأخلصهم بذكر وأخلصهم بخالصة ذكر الدار. ومن مقتضى الإيمان والتعبد لله جل وعلا باسمه الشاكر والشكور أولا أن يكون العبد من الشاكرين لله جل وعلا، الشاكرين لله جل وعلا بقلوبهم بالاعتراف القلبي بنعم الله جل وعلا، والاعتراف باللسان تحدث بنعم الله جل وعلا، وهذا الاعتراف بالجوارح أفادتكم النعمة مني ثلاثة يدي ولساني والضمير المحجبا. فالعبد يشكر ربه بقلبه ويشكر ربه جل وعلا بلسانه ويشكر ربه جل وعلا بجوارحه كلها، فالاعتراف واللسان التحدث وبالجوارح بتسخيرها في طاعة الله جل وعلا. وهكذا كذلك من مقتضى الإيمان باسم الله جل وعلا الشكور والتعبد الله جل وعلا باسمه الشكور أن لا يستصغر العبد العمل، لا يستصغر العبد العمل إذا جعل الله جل وعلا هو الشاكر، وأن الله جل وعلا هو الشكور، معنى ذلك أنه جل وعلا لا يترك عملا ولو قليلا منك يا عبد الله، بل يثيبك عليه. فكيف بعد ذلك أنت تستصغر الأعمال؟ لا تستصغر عملا يا عبد الله، فرب عمل استصغرته كان هو السبب في دخولك الجنة حيث كان معه الإخلاص وكان معه الصدق وكان معه الإحسان. ومن مقتضى الإيمان والتعبد لله جل وعلا باسمه الشاكر الشكور أن يجد العبد في قلبه لذة حين يعمل الطاعات والصالحات، وانشراحا في الصدر. قال ابن قيم رحمه الله تعالى: «وسمعته شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى قدس الله روحه يقول: من لم يجد لذة بعد عمله الطاعات في قلبه وانشراحا في صدره فليتهم قلبه، لأن الشاكر الشكور جل وعلا لا بد أن يثيب العبد على عمله، لا بد أن يثيب العبد على عمله إثابة عاجلة في الدنيا وهو ما يجده من اللذة في قلبه والانشراح في صدره، فمن لم يجد ذلك فليتهم قلبه فإن عمله مدخول». نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من عباده الشاكرين، وأن يجعلنا من عباده المشكورين الذين شكر الله جل وعلا لهم أعمالهم وتقبلها منهم وأثابهم عليها، إنه الشاكر الشكور جل وعلا. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.