شرح بواعث الخلاص من الذنوب 7

شرح بواعث الخلاص من الذنوب 7

الدرس في شرح بواعث الخلاص من الذنوب 7، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

الباعث الحادي عشر: لذة الطاعة تقوي الهمة في مجاهدة الهوى

يشرح المقطع الباعث الحادي عشر من بواعث الخلاص من الذنوب عند ابن القيم، وهو أن تذوق لذة الطاعة والظفر على الهوى يقوي همة العبد في مواصلة المجاهدة. ويضرب المثل بطلب العلم، فمن ذاق حلاوته صبر على مشقته، بخلاف من لم يذق طعمه فيعزف عنه، مشيراً إلى حكمة الله في مداولة النصر بين الحق والباطل لاختبار القلوب.

أثر المجاهدة في تقوية العزيمة على الطاعة والعمل

يوضح المقطع أن المجاهدة المستمرة في الأعمال الشاقة والطاعات تقوي قدرة الإنسان على أدائها، بينما تركها يضعف الدافع الديني ويقوي الشهوة. ويضرب المثل بالحمال الذي يقوى بحمل الأثقال مقابل البزاز والخياط، مستدلاً بآيات المجاهدة وحديث عقد الشيطان على قافية النائم لبيان أن ذكر الله والوضوء والصلاة تحل تلك العقد وتورث الهداية.

أهمية المجاهدة في العلم والعبادة وأنواعها الأربع

يؤكد المقطع على خطورة الانصراف عن حلق العلم ويشبه ذلك بالغنم القاصية التي يفترسها الذئب، ويستعرض حديث الاستيقاظ للصلاة وربط الكسل بتسلط الشيطان. ثم يوضح ابن القيم أن أكمل الناس هداية أعظمهم جهاداً، ويذكر أربع مراتب للجهاد: جهاد النفس، الهوى، الشيطان، والدنيا، ومن جاهدها هداه الله سبل رضوانه.

الخاتمة والدعاء الختامي

يختتم المتحدث كلامه بالصلاة على النبي محمد وآله، ويحمد الله رب العالمين، مفوضاً العلم لله تعالى. وتكون هذه الخاتمة ختاماً للمجلس العلمي والدعوي.

  • 13 جمادى الأولى 1446هـ - 14/11/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فالشيخ أبو معاذ حفظه الله تعالى يعتذر عن درس اليوم، ومن باب استغلال الوقت نواصل في القراءة في رسالة الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى «بواعث الخلاص من الذنوب»، لعل الله عز وجل أن يعيننا على أنفسنا، وأن يجنبنا أسباب المعاصي والذنوب التي قد تكون سبباً لغضب الرب تبارك وتعالى. وكنا في الدرس الماضي تذاكرنا اثنين من البواعث التي ذكرهما الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى. الباعث الأول: الخوف من مباغتة الأجل، وهو ما عبر عنه ابن القيم رحمه الله تعالى بمشهد المغافصة والمعاجلة. وقلنا: المغافصة هو الأخذ على غرة، يعني أن يؤخذ الشخص فجأة، فيعاجله الأجل أو يحل به العقوبة من الله عز وجل، فيحال بينه وبين ما يشتهي من لذات الدنيا، وهكذا أيضاً لذات الآخرة. الباعث الثاني: ما يتعلق بمشهد البلاء والعافية. فالذنوب هي أعظم وأخطر بلاء يصيب هذا الإنسان، ولهذا أهل البلاء في الحقيقة هم أهل الذنوب والمعاصي، وأهل العافية الحقيقية هم أهل الطاعات والأعمال الصالحات. ومن أعظم البلاء الذي يبتلى به العبد هو البلاء الذي يكون في الدين، «ولا تجعل مصيبتنا في ديننا». وكان عليه الصلاة والسلام يسأل ربه عز وجل العافية في الدين، العافية في الدين. قال رحمه الله تعالى: «الحادي عشر: أن يعود باعث الدين ودواعيه، مصارعة الهوى ومقاومته على التدريج، قليلاً قليلاً، حتى يدرك لذة الظفر، فتقوى حينئذ همته». فإن من ذاق لذة شيء قويت همته في تحصيله، فإن من ذاق لذة شيء قويت همته في تحصيله. وهذا يا إخوان من الأمور الملاحظة، أن الإنسان إذا أحس بلذة الشيء قويت همته في تحصيل هذا الشيء والسعي في طلبه وتحقيقه، بخلاف ما لو لم يذق حلاوة هذا الشيء وثمرته، فكان ذاك من أعظم الأمور التي تبعث الكسل وتضعف الهمم. ومن حكمة الله عز وجل في الصراع بين الحق والباطل أنه لا يجعل الباطل على الدوام والاستمرار منتصراً وقوياً، لأن همة أهل الحق ستضعف، وهكذا قواهم ستذوب. وهكذا أيضاً لم يجعل راية الحق وأهل الحق على الدوام والاستمرار منتصرة، لأنه عندها لا يقع من البلاء والامتحان على أهل الحق ما يتحقق به اختبار ما في قلوبهم من الإيمان. لكن الحق والباطل في سجال، فتارة يعلو الحق، وتارة يبتل الله عز وجل أهل الحق بظهور الباطل، فكل ذلك من حكمة الله عز وجل. قال: «فإن من ذاق لذة شيء قويت همته في تحصيله». ومن ذلكم يا إخوان العلم، فمن وجد لذة العلم وحلاوة العلم كان ذلك دافعاً إلى أن يجد ويجتهد في تحصيله، سيصبر على مجالس العلم، وسيصبر على تعب تحصيل العلم والسهر من أجل نيل العلم إلى غير ذلك، بخلاف من لم يجد للعلم طعماً ومذاقاً طيباً، فلربما يكون ذلك سبباً في عزوفه وزهده عن العلم ومجالسه. وهكذا يقال في غيرها. العامل الذي يعمل في البناء، والمزارع الذي يزرع الأرض ويحرثها، إذا لم يعطَ مقابل ولم يعطَ أجراً على عمله وجهده، الغالب أنه يكسل ويفتر، وقد ينقطع عن هذا العمل، بخلاف ما لو أعطي أجره، أعطي الأجير أجره قبل أن يجف عرقه، كما في حديث ابن عمر عند ابن ماجه، وحسنه الإمام الألباني رحمه الله تعالى. فجميع المجالات ومنها الإقبال على الطاعات والبعد عن الذنوب والمحرمات، فمن ذاق لذة شيء قويت همته في تحصيله. قال: «والاعتياد لممارسة الأعمال الشاقة يزيد القوى التي تصدر عنها تلك الأعمال». ولذلك نجد قوى الحمالين وأرباب الصنائع الشاقة تتزايد، بخلاف البزاز. من البزاز؟ قال: بخلاف البزاز. نعم يا أبا الفاروق، تعرف البزاز؟ يا خان، عبد العزيز، من البزاز؟ الذي يبيع البز، الذي يبيع البز، الأقمشة ونحوها. قال: بخلاف البزاز والخياط. أما الخياط فواضحة. نعم يا خان، حماس، من الخياط؟ الخياط، طيب. أحسنت. نعم يا خان، حبيب، من الخياط؟ الذي يخيط الملابس، الذي يخيط الملابس، وهذه من الحرف القديمة التي عمل بها الناس، عمل بها الناس. قال: «ونحوهما». لك أن تأتي بماذا؟ بإنسان بزاز يبيع ملابس، وتأتي بآخر حمال يحمل الأثقال، كيس إسمنت، كيف سيحمله الحمال؟ نعم، كيف سيحمله الحمال؟ بكل سهولة، صح. لكن البزاز لو تأتي له بكيس عشر كيلو سيتعب من حمله خمس دقائق. لماذا؟ ذاك الحمال قد جاهد نفسه على حمل الأثقال والصبر على ذلك، بينما البزاز والخياط، وهكذا أيضاً غيرهم ممن لم يجاهدوا أنفسهم على حمل الأثقال والعمل الشاق، تجد أنهم ماذا؟ أنهم لا يستطيعون ذلك، أنهم لا يستطيعون ذلك. قال: «ومن ترك المجاهدة بالكلية ضعف فيه باعث الدين، وقوي فيه باعث الشهوة، ومتى عود نفسه مخالفة الهوى غلبه متى أراد، وسبق معنا قول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69]، لاحظ: مجاهدة، بعد المجاهدة تأتي النتيجة والثمرة. قال الله عز وجل: ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾، وكما في قوله عز وجل: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: 76]. إذن المجاهدة، المجاهدة مطلوبة. صلاة الجماعة يا إخوان، هذه ألا تحتاج من العبد منا إلى مجاهدة؟ يؤذن المؤذن لصلاة الفجر، الصلاة خير من النوم، والشخص لربما لربما بدأ يذوق راحة النوم وبرد النوم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يعقد الشيطان على قافية أحدكم ثلاث عقد: نم وراءك ليل طويل». قال: «فإذا استيقظ فذكر الله»، ماذا حصل؟ إذا استيقظ فذكر الله انحلت عقدة. هذه العقد يا إخوان تجعل الشخص يشعر بثقل للقيام بالطاعة، إذن لا بد من مجاهدة. قال: «فإذا استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، وإذا توضأ»، وإذا توضأ ما الذي يحصل؟ إذا ذكر الله انحلت عقدة، وإذا توضأ... أحسنت، انحلت العقدة الثانية. طيب، متى تنحل العقدة الثالثة يا أبا سالم؟ متى تنحل العقدة الثالثة؟ إذا قام وصلى. من باب الفائدة يا إخوان: كلما شرد الشخص عن حلقة العلم كلما... ماذا عندك يا أخي؟ كلما شرد الشخص عن حلقة العلم كلما... الجواب عندك. كلما... يعني زاد التركيز أو تغلب على الشيطان والهوى، أو العكس؟ العكس. نعم، أحسن، يحصل العكس يا إخوان. وفي الحديث الذي ضعفه جماعة من أهل العلم: «إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية». ماذا؟ الذئب إذا جاء إلى القطيع ما يهجم على وسط القطيع أو مقدمته، يرجع للوراء، فيجد واحدة عرجاء أو واحدة ضعيفة لا تستطيع أن تجري، أو واحدة مغرورة عنيدة تحاول الابتعاد عن القطيع، فهذه صيد الذئب. «إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية»، لكن الحديث لا يصح. طيب، فماذا؟ «فإذا صلى انحلت العقدة الثالثة، فأصبح نشيطاً طيب النفس». وإلا الذي لا يذكر الله ولا يتوضأ ولا يصلي، وإنما لربما تطلع الشمس ولم يصلي بعده، هذا ماذا يصبح؟ نعم، أحسنت، خبيث النفس كسلان. وقد ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم رجل بات أو نام حتى أصبح، يعني صلى الناس، خرجوا، طلعت الشمس، وصاحبنا لم يقم بعده ويصلي. فماذا قال عليه الصلاة والسلام؟ ماذا قال في هذا الرجل يا أبا العباس؟ شخص لا يستيقظ إلا على حرارة الشمس، ما هذا؟ هذا... هذا رجل، لكنه ماذا؟ كسلان. لا أشك في كسله، لكن هناك أمر خطير يا عبد الرحمن، ما حاله؟ شخص ينام حتى تطلع الشمس، هذا ما علاقته بالشيطان؟ أحسنت، ذاك بال الشيطان في أذنه. من يا إخوان يرضى أن يكون أذنه مرحاضاً للشيطان وموضعاً لسكب البول؟ لا شك أنه لا يرضى أحد بذلك. إذن هذا مقام المجاهدة، هذا مقام المجاهدة. وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى كما في كتابه «الفوائد»: قال: «أكمل الناس هداية أعظمهم جهاداً». قال: «وأفرض الجهاد: جهاد النفس، وجهاد الهوى، وجهاد الشيطان، وجهاد الدنيا». مر معنا أن هؤلاء أربع، كلهم يحتاج من الشخص إلى مجاهدة. يجاهد النفس، ﴿وَإِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: 53]. وكان عليه الصلاة والسلام في خطبة الحاجة يقول: «ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من شرور أنفسنا، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين، يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأن كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين». وهكذا الهوى، الهوى يا إخوان إذا لم يجاهده الإنسان، هوى بصاحبه في بؤر الفساد ومستنقعات الشر، حتى يهوي به بعد ذلك في نار جهنم. لكن من جعل هواه تبعاً لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فهذا الموفق. وهكذا جهاد الشيطان: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: 6]، فاتخذوه عدواً. وهكذا جهاد الدنيا: «فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء». قال: «فمن جاهد هذه الأربعة في الله هداه الله سبل رضاه الموصل إلى جنته، ومن ترك الجهاد فاته من الهدى بحسب ما عطل من الجهاد، بحسب ما عطل من الجهاد». فنسأل الله عز وجل أن يعيننا على أنفسنا، وأن يرزقنا الهمم العالية، وأن يوفقنا لكل خير، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.