الدرس في شرح المذكرة - مقرر السنة الثالثة 3، ألقاها
يناقش هذا الفصل أقسام الكلام المقيد إلى نص وظاهر ومجمل، ويشرح أحكام كل قسم. يُوضح أحكام التعامل مع كل قسم من هذه الأقسام.
يتناول هذا الفصل تعريف التأويل عند السلف والمفسرين، موضحًا أنه ينقسم إلى قسمين عند السلف. يُفصل مفهوم التأويل عند المتأخرين.
يشرح هذا الفصل مفهوم التأويل عند المتأخرين وأقسامه، وكيفية التعامل مع الدليل في التأويل. يُوضح أنواع التأويل المختلفة.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام الشنقيطي رحمه الله تعالى: قال المؤلف رحمه الله تعالى: النص والظاهر والمجمل، والكلام المقيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: نص وظاهر ومجمل. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: قال المؤلف رحمه الله تعالى: النص والظاهر والمجمل، قال: والكلام المقيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: نص وظاهر ومجمل. وهذا شروع منه رحمه الله تعالى في دلالات الألفاظ على معانيها، وقوة الدلالة على المعنى، فذكر رحمه الله تعالى أن من الألفاظ ما يكون نصًا في الدلالة على معناه، ومنها ما يكون ظاهرًا في الدلالة على المعنى، ومنه ما تكون دلالته مجملة، وهو المسمى بالمجمل. وسأتي معنا في كلام الشنقيطي رحمه الله تعالى. كذلك ذكر القسم الرابع، وهو المؤول، وهو الذي يقابل الظاهر. قال رحمه الله: وبرهان الحصر في الثلاثة أن الكلام إما أن يحتمل معنى واحدًا فقط، فهو النص، نحو قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾. يعني في قول الله جل وعلا: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾، هذا هل يحتمل غيره؟ يقول: لعله أراد إحدى عشر، لعله أراد تسعة، تسعة فقط. الجواب: لا، نص. هل يسمى ماذا؟ نص. ما هو النص؟ كما قال رحمه الله تعالى: أن يحتمل اللفظ معنى واحدًا فقط، معنى واحد فقط، أي دلالته على المعنى لا يدل إلا على ذلك المعنى. هل يسمى ماذا؟ يسمى النص. قال رحمه الله: وَإِنْ احْتَمَلَ مَعْنَيَيْنِ فَأَكْثَرَ فَلَابُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي أَحَدِهِمَا أَظْهَرُ مِنَ الْآخَرِ أَوْ لَا. طيب، هذا التقسيم الثاني، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ نَصًّا لَا يَحْتَمِلُ اللَّفْظُ لَا يَحْتَمِلُ مَعْنًى إِلَّا مَعْنًى وَاحِدًا. قال: وَإِمَّا أَنْ يَحْتَمِلَ اللَّفْظُ أَكْثَرَ مِنْ مَعْنًى. ثُمَّ هَذَا الْمُحْتَمَلُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ ظَاهِرًا فِي أَحَدِهِمَا وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ أَظْهَرَ فِي أَحَدِهِمَا فَهُوَ الظَّاهِرُ، وَمُقَابِلُهُ الْمُحْتَمَلُ الْمَرْجُوحُ كَالْأَسَدِ، فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ، وَمُحْتَمَلٌ فِي الرَّجُلِ الشُجَاعِ. وَإِنْ كَانَ لَا تَرْجِيحَ لَهُ فِي أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ أَوِ الْمَعَانِي فَهُوَ الْمُجْمَلُ، كَالْعَيْنِ وَالْقِرَاءَةِ وَنَحْوِهِمَا. إِذَنْ عَلَى مَا ذَكَرَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إِمَّا أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ دَالًّا عَلَى مَعْنًى لَا يَدُلُ عَلَى مَعْنًى سِوَاهُ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ دَالًّا عَلَى أَكْثَرَ مِنْ مَعْنًى. فَهَذَا لَا يَخْلُو مِنْ أَحْوَالٍ. الْحَالَةُ الْأُولَى: أَنْ يَكُونَ فِي أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ أَظْهَرُ مِنَ الْآخَرِ، فَالظَّاهِرُ يُسَمَّى ظَاهِرًا، وَالْآخَرُ يُسَمَّى مُؤَوَلًا أَوْ مَرْجُوحًا. وَإِمَّا أَنْ يَتَسَاوَى الِاحْتِمَالَانِ، إِذَا تَسَاوَى الِاحْتِمَالَانِ سُمِّيَ مُجْمَلًا، إِذْ لَا ظُهُورَ لِأَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ عَنْ الْآخَرِ. مُجْمَلًا، أَيْ شُبِهَ مُجْمَلًا. قال رحمه الله: وَحُكْمُ النَّصِ أَنْ لَا يُعْدَلَ عَنْهُ إِلَّا بِنَسْخٍ. هَذِهِ الْآنَ أَحْكَامٌ، بَعْدَ أَنْ عَلِمْنَا وَتَصَوَّرْنَا وَعَرَفْنَا حُدُودَ النَّصِ وَالظَّاهِرِ وَالْمُؤَوَلِ، وَكَذَلِكَ الْمُجْمَلُ. الْآنَ أَتَى رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَحْكَامِ ذَلِكَ. فَقَالَ: وَحُكْمُ النَّصِ أَنْ لَا يُعْدَلَ عَنْهُ إِلَّا بِنَسْخٍ، أَيْ إِذَا جَاءَ نَصٌّ مِثْلُ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾، يَجِبُ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ النَّصِ، لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ سِوَاهُ، إِلَّا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ: أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا، أَنْ يَأْتِيَ نَاسِخٌ. فَنَنْتَقِلُ مِنْ ذَلِكَ النَّصِ إِلَى الدَّلِيلِ النَّاسِخِ لِذَلِكَ النَّصِ. هَذِهِ الْحَالَةُ الْأُولَى. قال رحمه الله: حُكْمُ الظَّاهِرِ أَنْ لَا يُعْدَلَ عَنْهُ إِلَّا بِدَلِيلٍ عَلَى قَصْدِ الْمُحْتَمَلِ الْمَرْجُوحِ، وَذَلِكَ هُوَ التَّأْوِيلُ. وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ. طَيِّب، أَيِ الْأَصْلُ؟ الْأَصْلُ فِي الظَّاهِرِ أَنْ يُعْمَلَ بِهِ، وَأَنْ يُبْقَى عَلَيْهِ. هَذَا هُوَ الْأَصْلُ. وَلَا يُخْرَجُ عَنْ الظَّاهِرِ إِلَّا بِدَلِيلٍ عَلَى قَصْدِ الْمُحْتَمَلِ الْمَرْجُوحِ، وَذَلِكَ هُوَ التَّأْوِيلُ. الْمَعْنَى الْمَرْجُوحُ أَنْ يُرْجَعَ إِلَيْهِ، لَكِنْ بِدَلِيلٍ. بَدَلِيلٍ، لَابُدَّ مِنْ دَلِيلٍ. إِذَا مَا كَانَ هُنَاكَ دَلِيلٌ فَلَا يُصَارُ إِلَيْهِ. قال رحمه الله: حُكْمُ الْمُجْمَلِ أَنْ يُتَوَقَّفَ عَنْ الْعَمَلِ بِهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ عَلَى تَعْيِينِ الْمُرَادِ. وَكَذَلِكَ الْمُجْمَلُ، الْمُجْمَلُ يَقُولُ: حُكْمُ الْمُجْمَلِ أَنْ يُتَوَقَّفَ عَنْ الْعَمَلِ بِهِ، أَيْ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِأَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ إِلَّا بِدَلِيلٍ. لِأَنَّ الْعَمَلَ بِأَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ تَحَكُّمٌ بِغَيْرِ مَا بُرْهَانٍ وَاضِحٍ. وَهَذَا لَا يَجُوزُ. ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾. ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. فَهَذَا مِنَ الْقَوْلِ عَلَى اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَهُوَ مُحَرَّمٌ، بَلْ وَمِنَ الْكَبَائِرِ. قال رحمه الله: وَالتَّأْوِيلُ فِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ هُوَ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ الْمُتَبَادَرِ مِنْهُ إِلَى مُحْتَمَلٍ مَرْجُوحٍ بِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. طَيِّب، هَذَا هُوَ التَّأْوِيلُ فِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ. وَقَوْلُهُ: فِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ، إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ التَّأْوِيلَ فِي غَيْرِ اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ لَهُ مَعَانٍ أُخْرَى. وَاضِحٌ جَمَاعَةُ. فالتأويل عند السلف -وهو الذي نزل به الكتاب ودلت عليه السنة- ينقسم إلى قسمين: تأويل بمعنى ما يؤول إليه الشيء، وهو بمعنى ظهور الشيء وحقيقة الشيء. وَهُوَ فِي الْأَخْبَارِ: أَنْ يَقَعَ مَا أُخْبِرَ بِهِ. وَفِي الْأَوَامِرِ: أَنْ يُعْمَلَ بِمَا أُمِرَ بِهِ. فَمِنْ الْأَخْبَارِ: قَوْلُ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾، ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِذَا وَقَعَ. وَرُؤْيَا هَذَا تَأْوِيلٌ مَاذَا؟ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا بِهِ. وَمِنْهُ أَيْضًا قَوْلُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِأَبِيهِ حِينَمَا رَأَى الرُّؤْيَا وَهُوَ صَغِيرٌ: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾. ثُمَّ لَمَّا حَصَلَ لَهُ مَا حَصَلَ، ثُمَّ صَارَ مَلِكًا عَلَى أَهْلِ مِصْرَ، وَجَاءَ وَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبَوَاهُ وَإِخْوَتُهُ فَسَجَدُوا. قَالَ مَاذَا؟ قَالَ: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾. هَذَا تَأْوِيلٌ، أَيْ حَقِيقَةٌ وَمَآلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ، أَيْ وَقَعَ. وَرُؤْيَا عَيَانًا مَا رَأَيْتُهُ مِنْ أَمْرِ الرُّؤْيَا. هَذَا فِي الْأَخْبَارِ. وَفِي الْأَوَامِرِ -كَمَا تَقَدَّمَ- أَنْ يُمْتَثَلَ الْأَمْرُ. وَمِنْهُ قَوْلُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَأَرْضَاهَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ وَرُكُوعِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَحَمْدُكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي. قَالَتْ: كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ. أَيْ يَتَأَوَّلُ قَوْلَ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. فَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَبِّحُ وَيَسْتَغْفِرُ. يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ. الْمَعْنَى الثَّانِي: بِمَعْنَى الْبَيَانِ. وَالتَّأْوِيلُ عِنْدَ السَّلَفِ بِمَعْنَى الْبَيَانِ. وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِابْنِ عَبَّاسٍ -كَمَا فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ-: "اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ". وَهَذَا جَاءَ فِي صَحِيحَيْنِ، وَجَاءَ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ: "اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ". وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. الشَّاهِدُ: "وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ". قَالَ الْعُلَمَاءُ: أَيْ التَّفْسِيرَ وَالْبَيَانَ. وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَئِمَةِ الْمُفَسِّرِينَ، كَابْنِ جَرِيرٍ وَغَيْرِهِ: تَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا كَذَا وَكَذَا. تَأْوِيلٌ، أَيْ تَفْسِيرٌ وَتَبْيِينٌ وَتَوْضِيحٌ وَتَجْلِيَةٌ لِلْمَعَانِي. هَذَانِ مَعْنَيَانِ كَانَ عِنْدَ السَّلَفِ، هُوَ الَّذِي نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ. وَالْمَعْنَى الثَّالِثُ: هُوَ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَهُوَ التَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْعَلَامَةُ الشِّنْقِيطِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: وَالتَّأْوِيلُ فِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ هُوَ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ الْمُتَبَادَرِ مِنْهُ إِلَى مُحْتَمَلٍ مَرْجُوحٍ بِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. هَذَا يُسَمَّى مَاذَا؟ هَذَا يُسَمَّى عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ تَأْوِيلًا. واضح مع التنبيه على أن المتأخرين خلطوا في باب التأويل، فظنوا أن التأويل الذي كان عند السلف هو التأويل الذي عند الخلف من المتأخرين. فإذا سمعوا تأويلًا أيضًا أنه صرف اللفظ عن ظاهره. واضح جماعة، الأمر ليس كذلك. قال رحمه الله: وَمِثَالُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: "الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقْبِهِ". فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي ثُبُوتِ الشُفْعَةِ لِلْجَارِ مُطْلَقًا، مُحْتَمِلًا احْتِمَالًا مَرْجُوحًا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ خُصُوصَ الشَّرِيكِ الْمُقَاسِمِ. إِلَّا أَنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ الْمَرْجُوحَ دَلَّ عَلَيْهِ الدَلِيلُ، وَهُوَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: "فَإِذَا ضُرِبَتِ الْحُدُودُ وَصُرِفَتِ الطُرُقُ فَلَا شُفْعَةَ". طَيِّب، قَوْلُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: مِثَالُهُ "الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقْبِهِ". قَالَ: فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي ثُبُوتِ الشُفْعَةِ لِلْجَارِ مُطْلَقًا. مَا مَعْنَى مُطْلَقًا؟ أَيْ سَوَاءٌ كَانَ جَارًا مُشَارِكًا أَوْ لَمْ يَكُنْ جَارًا مُشَارِكًا، ضُرِبَتِ الْحُدُودُ بَيْنَهُمَا أَوْ لَمْ تُضْرَبِ الْحُدُودُ بَيْنَهُمَا. عَامٌ، هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ فِي قَوْلِهِ: "الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقْبِهِ". هَذَا ظَاهِرٌ فِي مَاذَا؟ فِي كُلِّ جَارٍ. وَمَرْجُوحٌ فِي مَاذَا؟ فِي الشَّرِيكِ الْمُقَاسِمِ. مَنْ هُوَ الشَّرِيكُ الْمُقَاسِمُ؟ الشَّرِيكُ الْمُقَاسِمُ هُوَ الَّذِي يَشْتَرِكُ مَعَ غَيْرِهِ فِي مَالٍ لَمْ يُقْسَمْ بَعْدُ. مِثْلُ مَاذَا؟ مِثْلًا أَخَوَيْنِ وَرِثَا دَارًا مِنْ أَبِيهِمَا، أَوْ أَرْضًا مِنْ أَبِيهِمَا. بَقِيَتْ يَزْرَعَانِ فِيهَا. جَاءَ أَحَدُ الْأَخَوَيْنِ يُرِيدُ أَنْ يَبِيعَ نَصِيبَهُ لِغَيْرِ أَخِيهِ، أَوْ بَاعَ نَصِيبَهُ لِغَيْرِ أَخِيهِ. هَلْ لِأَخِيهِ أَنْ يُفْسِدَ ذَلِكَ الْبَيْعَ وَأَنْ يَمْنَعَهُ؟ الْجَوَابُ: نَعَمْ. لِأَنَّهُمْ أَحَقُّوا بِمَاذَا؟ بِالشُفْعَةِ. أَحَقُّوا بِالشُفْعَةِ. مَتَى؟ مَا دَامَتِ الشَّرِكَةُ مَاذَا؟ مَوْجُودَةً. يَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إِلَّا أَنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ الْمَرْجُوحَ دَلَّ عَلَيْهِ الدَلِيلُ، وَهُوَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: "فَإِذَا ضُرِبَتِ الْحُدُودُ وَصُرِفَتِ الطُرُقُ فَلَا شُفْعَةَ". هَذَا مَنْطُوقُ الْحَدِيثِ. مَفْهُومُهُ: إِذَا لَمْ تُضْرَبِ الْحُدُودُ وَلَمْ تُصْرَفِ الطُرُقُ فَمَاذَا؟ فَالشُفْعَةُ بَاقِيَةٌ. الشُفْعَةُ بَاقِيَةٌ. مَتَى؟ إِذَا كَانَ مُخْتَلِطًا. إِذَا حَصَلَ التَّقْسِيمُ وَكُلُّ وَاحِدٍ انْفَصَلَ بِحَقِّهِ، ضُرِبَتِ الْحُدُودُ. وَكَذَلِكَ صُرِفَتِ الطُرُقُ. فَمَاذَا؟ فَلَا شُفْعَةَ. وَاضِحٌ هَذَا جَمَاعَةُ. يَعْنِي دَارًا مَثَلًا قَابِلَةً لِلْقِسْمَةِ. يُقَالُ: شُفْعَةٌ ثَابِتَةٌ. لَكِنْ لَوْ أَنَّهُمْ اخْتَصَمُوا. قَالَ أَحَدُهُمَا: نَقْسِمُ الْبَيْتَ بِالنِّصْفِ. الْجِهَةُ الْيُمْنَى لِي، وَالْجِهَةُ الْيُسْرَى لَكَ. إِذَا بَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ. هَلْ لِلْآخَرِ أَنْ يَقُولَ: لِي حَقُّ الشُفْعَةِ؟ الْجَوَابُ: مَاذَا؟ لَا. إِذَا ضُرِبَتِ الْحُدُودُ وَصُرِفَتِ الطُرُقُ فَلَا شُفْعَةَ. قَبْلَ هَذَا هَلْ لَهُ حَقُّ الشُفْعَةِ أَمْ لَا؟ لَهُ حَقُّ الشُفْعَةِ. وَاضِحٌ جَمَاعَةُ. إِذَنْ خَرَجَ مِنَ الظَّاهِرِ إِلَى الْمَعْنَى الْمَرْجُوحِ بِمَاذَا؟ بِدَلِيلٍ. هَذَا يُسَمَّى مَاذَا عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ؟ يُسَمَّى تَأْوِيلًا. قال رحمه الله: وَلَا بُدَّ فِي دَلِيلِ التَّأْوِيلِ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَغْلَبَ عَلَى الظَّنِ مِنَ الظَّاهِرِ الَّذِي صُرِفَ عَنْهُ. مِنْ أَنْ يَكُونَ أَغْلَبَ عَلَى الظَّنِ مِنَ الظَّاهِرِ الَّذِي صُرِفَ عَنْهُ اللَّفْظُ بِالتَّأْوِيلِ. وَالِاحْتِمَالُ الْبَعِيدُ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ قَوِيٍّ -كَمَا مَثَّلْنَا-. وَالِاحْتِمَالُ الْقَرِيبُ يَكْفِيهِ دَلِيلٌ يَجْعَلُهُ أَغْلَبَ عَلَى الظَّنِ مِنَ الظَّاهِرِ. وَالْمُتَوَسِّطُ مِنْهُ. وَلِكُلِّ مَسْأَلَةٍ مِنْ هَذَا ذَوْقٌ خَاصٌ. فَلَا حَقَّ بِتَفْصِيلِ ذَلِكَ فِي الْفُرُوعِ. يَعْنِي مَقْصُودُهُ: وَلِكُلِّ مَسْأَلَةٍ مِنْ هَذَا ذَوْقٌ خَاصٌ. أَيْ بُرْهَانٌ وَتَفْصِيلٌ خَاصٌ يَعْرِفُهُ الْمُجْتَهِدُ بِالتَّجْرِبَةِ وَبِالْمُمَارَسَةِ. وَاضِحٌ جَمَاعَةُ. مَعْنَاهُ: أَنَّ لَيْسَ كُلَّ مَسْأَلَةٍ دَلِيلُهَا وَاحِدٌ. لَيْسَ كُلُّ مَسْأَلَةٍ دَلِيلُهَا مَاذَا؟ وَاحِدٌ. أَحْيَانًا تَجِدُ الْمُجْتَهِدَ يَقُولُ: الظَّاهِرُ كَذَا وَكَذَا. الْبَقَاءُ عَلَى الظَّاهِرِ. تَأْتِي مَسْأَلَةٌ قَدْ تَكُونُ مُقَارِبَةً لَهَا. لَكِنْ يُرَجِّحُ مَاذَا؟ أَنْ لَا يَكُونَ الظَّاهِرُ مُرَادًا، بَلْ يُرَجِّحُ الْقَوْلُ بِالتَّأْوِيلِ. هَلْ قَالَ عَنْهُ هَوَاءً؟ الْجَوَابُ: لَا. لَكِنْ بِمَاذَا؟ بِأَدِلَّةٍ وَقَرَائِنَ وَبَرَاهِينَ رَجَّحَتْ عِنْدَهُ الْجَانِبَ الْآخَرَ. فَهُوَ كَمَا ذَكَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَّ هَذَا لِكُلِّ مَسْأَلَةٍ مَاذَا؟ خَاصِيَةٌ. وَلِكُلِّ مَسْأَلَةٍ اعْتِبَارٌ يَخُصُّهَا. فَلَيْسَتِ الْمَسَائِلُ الْخَلَقِيَّةُ، بَلْ وَالْمَسَائِلُ الشَّرْعِيَّةُ -كَمَا يُقَالُ-: لَيْسَتْ هِيَ مِثْلَ مَا يُقَالُ فِي الْحِسَابِ: وَاحِدٌ زَائِدٌ وَاحِدٌ يُسَاوِي كَمْ؟ اثْنَيْنِ. طَيِّب، لَيْسَتْ كَذَلِكَ. بَلْ تَحْتَاجُ الْإِنْسَانُ إِلَى مَاذَا؟ أَحْيَانًا قَدْ يَكُونُ ظَاهِرًا. لَكِنْ يُخْرَجُ عَنِ الظَّاهِرِ بِمَاذَا؟ بِقَرَائِنَ. وَأَحْيَانًا تَأْتِي قَرَائِنُ لَا يُعْمَلُ بِهَا. لِمَاذَا؟ لِأَنَّهُ يَرَى أَنَّ دَلِيلَ الظَّاهِرِ أَقْوَى. وَاضِحٌ جَمَاعَةُ. فَهُوَ لَيْسَ مُجَرَّدَ مَاذَا؟ لَيْسَ مُجَرَّدَ تَحَكُّمٍ هَوَاءً -وَكَمَا يُقَالُ: أَذْوَاقٌ-. وَإِنَّمَا هِيَ مَاذَا؟ تَحْكِيمُ أَدِلَّةٍ وَبَرَاهِينَ وَقَرَائِنَ. مَتَى قَوِيَ عِنْدَهُ الْبُرْهَانُ؟ وَقَوِيَ عِنْدَهُ الدَلِيلُ؟ ذَهَبَ إِلَيْهِ. وَمَتَى؟ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ؟ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ. قال رحمه الله: وَعَلِمَ أَنَّ النَّصَّ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى الظَّاهِرِ أَيْضًا، وَيُطْلَقُ عَلَى الْوَحْيِ. وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ مَا دَلَّ. وَاخْتَارَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ الْإِطْلَاقَ الْمَذْكُورَ أَوَّلًا. طَيِّب، هَذَا تَنْبِيهٌ حَسَنٌ مِنْ الْعَلَامَةِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. يَقُولُ بِأَنَّ النَّصَّ رُبَّمَا يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ مَاذَا؟ الظَّاهِرُ. مَتَى؟ يَأْتِي مِثْلًا إِنْسَانٌ يَقُولُ: مَا حُكْمُهُ كَذَا؟ يَقُولُ: هُوَ ثَابِتٌ أَوْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌ أَوْ مَكْرُوهٌ أَوْ مُحَرَّمٌ بِالنَّصِ وَالْإِجْمَاعِ. وَاضِحَةٌ جَمَاعَةُ. يَقُولُ: بِالنَّصِ وَالْإِجْمَاعِ. وَالنَّصُّ يَقُولُ: دَلِيلُهُ كَذَا وَكَذَا. وَاضِحَةٌ جَمَاعَةُ. عَمَلَاءُ النَّصِّ دَلِيلُهُ كَذَا وَكَذَا. تَنْظُرُ إِلَى النَّصِّ: يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ. تَنْظُرُ إِلَى النَّصِّ: يَحْتَمِلُ مَاذَا؟ غَيْرَ. لَيْسَ نَصًّا فِي الْمَسْأَلَةِ. يَحْتَمِلُ مَاذَا؟ غَيْرَ. عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ: "إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَقْعُدْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ". يَأْتِي إِنْسَانٌ يَقُولُ: دُخُولُ الْمَسْجِدِ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ وَاجِبَةٌ بِالنَّصِ. مَا هُوَ النَّصُ؟ هَذَا الْحَدِيثُ. حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ. أَلَيْسَ هَذَا نَصًّا أَمْ ظَاهِرًا يَا جَمَاعَةُ؟ ظَاهِرٌ. ظَاهِرٌ. وَاضِحٌ. فَأَشْهَدُ أَنَّهُ يُطْلَقُ النَّصُ وَيُرَادُ بِهِ مَاذَا؟ الظَّاهِرُ. قَالَ: وَيُطْلَقُ النَّصُ وَيُرَادُ بِهِ مَاذَا؟ الْوَحْيُ. مَا مَعْنَى الْوَحْيِ؟ أَيْ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ. فَقَالَ: هَذَا ثَابِتٌ بِالنَّصِ وَالْإِجْمَاعِ. مَا هُوَ النَّصُ؟ إِمَّا آيَةٌ وَإِمَّا حَدِيثٌ. وَاضِحٌ. إِذَنْ يُطْلَقُ النَّصُ حَقِيقَةً عَلَى مَا دَعَا النَّصُّ الْمَعْرُوفُ اصْطِلَاحًا عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ. وَقَدْ يُطْلَقُ النَّصُ وَيُرَادُ بِهِ مَاذَا؟ الدَلِيلُ. وَاضِحَةٌ جَمَاعَةُ. وَقَدْ يُطْلَقُ النَّصُ وَيُرَادُ بِهِ مَاذَا؟ الْوَحْيُ خَاصَّةً. أَيْ مَا نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ أَوْ نَطَقَتْ بِهِ السُّنَّةُ. قال رحمه الله: تَنْبِيهٌ: لَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفُ لِلتَّأْوِيلِ بِدَلِيلٍ يَظُنُّهُ الْمُعَوَّلُ دَلِيلًا، وَلَيْسَ بِدَلِيلٍ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. وَلَا لِلتَّأْوِيلِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ أَصْلًا. إِذَنْ التَّأْوِيلُ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ. وَاضِحَةٌ جَمَاعَةُ. مَا هُوَ التَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ؟ هُوَ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ إِلَى مَعْنًى مَرْجُوحٍ بِقَرِينَةٍ. فَإِذَا كَانَتِ الْقَرِينَةُ صَحِيحَةً فَهُوَ تَأْوِيلٌ مَاذَا؟ صَحِيحٌ. الْآنَ بَقِيَّةُ نَوْعَانِ: إِذَا ك