القواعد والأصول الجامعة 12

الدرس في القواعد والأصول الجامعة 12، ألقاها

مفهوم التخفيف والتيسير في الأحكام الشرعية

التخفيف والتيسير في الأحكام الشرعية يأتي نتيجة للمشقة التي يواجهها العبد، حيث تُخفف الأحكام أو تُبدل لتسهيل أداء العبادات. هذا التيسير يشمل إسقاط الحكم أو تغيير صفة العبادة.

أسباب التيسير والتخفيف في الشريعة الإسلامية

أسباب التيسير تشمل المشقة والعسر، الجهل، الخطأ، النسيان، والإكراه، وتتنوع بين أسباب ذاتية تتعلق بالفرد وأخرى موضوعية مثل عموم البلوى. مرجع هذه الأسباب هو الأدلة الشرعية.

تطبيقات التخفيف في العبادات والمعاملات

التخفيف يظهر في حالات السفر والمرض، حيث يُرخص للمريض والتيمم بدل الوضوء، وقصر الصلاة، والفطر في رمضان للمسافر. كما يُكتب الأجر كاملاً لمن عجز عن العبادات بسبب عذر شرعي.

التيسير في حضور الجمعة والجماعة عند المشقة

إذا وجد عذر شرعي يمنع من حضور الجمعة والجماعة، يُرخص للشخص في تركهما مع كتابة الأجر له، مما يخفف العبء على المسلمين عند وجود مشقة حقيقية.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في كتابه "القواعد والأصول الجامعة"، في كلامه على قاعدة ثالثة: المشقة تجلب التيسير. قال: ثم إنه مع هذه السهولة في الأحكام، إذا عرض للعبد بعض الأعذار التي تعجزه أو تشق عليه مشقة شديدة، خفف عنه تخفيفا يناسب الحال. وهذا التخفيف الذي يخفف عنه له أحوال. فالتيسير الذي يكون بسبب وجود المشقة قد يكون بإسقاط الحكم، قد يكون بإسقاط الحكم، مثل سقوط صلاة الجماعة إذا كان الإنسان مريضا ويشق عليه أن يخرج إلى المسجد، فيسقط عليه وجوب الجماعة، ويصلي في بيته. وهكذا أيضا الجمعة، سقوط الجمعة، فهذا من أنواع التخفيف، إسقاط الحكم الواجب. قد يكون أيضا التخفيف بالإبدال، أن يكون بالإبدال، وهذا النوع الثاني من أنواع التخفيف، كالوضوء إذا لم يتيسر الماء أو تعذر استعماله، انتقل إلى التيمم، فالتيمم بدل عن الماء، فالتيسير والتخفيف هنا بالإبدال. والنوع الثالث من أنواع التخفيف النقص، وذلك مثل صلاة الرباعية ركعتين في السفر، فلكون السفر مظنة المشقة، خفف على المسلم في سفره بكثير من الأحكام، ومنها أنه يصلي الرباعية ركعتين، فحصل التيسير هنا والتخفيف بنقص الركعات. أيضا من أنواع التخفيف هو الرابع: التغيير في صفة العبادة، وذلك صلاة الخوف، وصلاة الخوف غير في صفتها لأجل التيسير. ومن أنواع التخفيف كذلك هو الخامس: الترخيص، الترخيص في استعمال ما هو محذور أو ممنوع، كلبس الحرير لمن به حكة، من به حكة يعني مرض جلدي كالجرب أو نحوه، أجاز الشرع أن يلبس الحرير، وهذا من التيسير والتخفيف. وهكذا أيضا من أنواع التخفيف الجمع بين الصلاتين، سواء جمع تقديم أو جمع تأخير، وسواء كان في السفر أو كان في الحضر عند وجود المشقة، كالمرض، فالمريض الذي يشق عليه أن يصلي كل صلاة في وقتها، يجوز له أن يجمع بين الصلاتين. هذه كلها من أنواع التخفيف. وأما أسباب التخفيف والتيسير، فذكر العلماء سبعة أسباب: الأول الجهل، الجهل من أسباب التخفيف، ولهذا إذا ارتكب الجاهل محذورا لم تبطل صلاته، إذا كان على سبيل الجهل، كمن صلى فتكلم في صلاته جاهلا، تكلم في صلاته جاهلا بحرمة الكلام، لم تبطل صلاته بسبب الجهل. وهكذا أيضا الخطأ، إذا حصل من إنسان خطأ عن غير قصد، فإنه لا يؤاخذ بما حصل منه. أما الجهل فمن أدلته قصة معاوية رضي الله عنه، لما صلى مع النبي عليه الصلاة والسلام وتكلم في صلاته، تكلم في الصلاة لما حمد أو عطس أحد القوم فحمد الله فشمته، وفي الصلاة فرفع القوم إليه أرصار، قال: واثكل لأميه، فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم ليسكتوه، فسكت. ثم النبي صلى الله عليه وسلم بعد فراغ الصلاة علمه أن الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي ذكر الله وقراءة القرآن، ولم يأمر بإعادة الصلاة لأنه كان جاهلا. ومثل المصلي في صلاته الذي كان يصلي صلاة بغير اطمئنان فيها، كان جاهلا، لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بإعادة الصلوات الماضية. كذلك أيضا من أسباب التخفيف الخطأ، إذا حصل من إنسان شيء على سبيل الخطأ، فإنه لا يؤاخذ به، ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. وفي حديث أنس في قصة بإخبار النبي صلى الله عليه وسلم بمحبة الله عز وجل من عبده أن يتوب إليه، قال: الرجل الذي ضاعت عليه راحلته ثم وجدها، فقال مشدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ مشدة الفرح، هذه الكلمة كفر، لكن لم يؤاخذ بها لأنها حصلت على سبيل الخطأ. وهكذا أيضا النسيان من أسباب التخفيف والتيسير، النسيان إذا نسي الإنسان، فنام مثلا نسي الصلاة ناسيا، فليس عليه إثم، لكن عليه أن يصلي، أن يعيد الصلاة، أن يصليها متى ذكر. لكن بالنسبة للإثم ليس عليه شيء. كذلك أيضا من أسباب التخفيف والتيسير الإكراه، الإكراه إذا أكره على كلمة الكفر أو على فعل شيء محرم، كأخذ مال لمعصوم مكرها، فليس عليه شيء من حيث الإثم. أما من حيث الضمان فيضمن حقوق الناس في الأموال. وكذلك أيضا إذا تكلم كلمة الكفر، قلبه مطمئن بالإيمان، فليس عليه شيء من كفر بالله مع إيمان، إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان. كذلك أيضا من أسباب التيسير والتخفيف وجود المشقة والعسر، ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾. وهكذا أيضا عموم البلوى، الشيء الذي تعم به البلوى، يحصل به التيسير. ومن ذلك على سبيل المثال الصور، الصور مما عمت بها البلوى، معلوم أن الصورة ذات الأرواح محرمة، لأن الإنسان يريد يشتري بضاعة أو أكل أو شيء من ذلك، يريد بها صور، يريد صور، لو أراد أن يتحرج منها أو يتحرز أو يبتعد، يجد مشقة عظيمة، فهنا يشتريها بما فيها من صورة، والإثم على من وضعها. كذلك النقود، النقود الآن فيها صور، كيف يفعل بها؟ هل يمزقها أو يضعها مثلا خارج المسجد إذا أراد أن يدخل المسجد حتى يصلي، فستسرق، وهنا تحصل مشقة شديدة، فهذا أمر عمت به البلوى، فيحصل فيه التيسير، يحصل فيه التيسير. وما استطاع أن يزيله يزيله، الصورة مثلا في شيء من الأطعمة أو نحو ذلك، بعد أن يشتريها ممكن يطمسها، أما الفلوس قد يشق عليه، قد يشق عليه مشقة عظيمة إذا أراد أن يطمس الصورة منها، فلذلك يحصل في ذلك التيسير. أيضا من أسباب التخفيف النقص الطبيعي، ويراد به أن يكون الإنسان صبيا أو مجنونا، أي غير مكلف. إذا كان صبي، فالصبي خفف عنه بكثير من الأحكام، وهكذا المجنون الذي لا عقل له، سقطت عنه كثير من التكاليف، من باب التيسير عليه، لأنه لا يعقل ولا يدرك الفرائض والواجبات التي أمر الله سبحانه وتعالى بها. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «رفع القلم عن ثلاث، عن الصبي حتى يحتلم، عن المجنون حتى يفيق». فهذه من أسباب التخفيف. ثم مرجع هذه أسباب التخفيف والتيسير ليس إلى الأهواء والأذواق، وإنما مرجع ذلك إلى الأدلة الشرعية، مرجع ذلك إلى الأدلة الشرعية. ويلحق بها ما كان مثلها. فقوله: "خفف عنه تخفيفا يناسب الحال"، هل هذا بالذوق أو بالدليل الشرعي؟ الجواب: بالدليل الشرعي. وما كان مثله، مثلا الجمع بين الصلاتين، هذا مما جاءت به الشريعة، مما جاءت به الشريعة، وأجازت للمسلم أن يجمع بين الصلاتين إذا وجد العذر، كالسفر أو المرض. طيب إذا أراد إنسان أن يجمع بين الصلاتين من أجل التخزين، يقول: أن يناسبني أن أجمع بين الصلاتين حتى أخزن مرتاح، هل له ذلك؟ الجواب: لا، نقول: هذا مخالف للشرع، وأنت لا مشقة عليك أن تصلي الصلاة في وقتها، ولا عذر لك، هذا ليس بعذر، أنك تترك الصلاة في وقتها من أجل التخزين. طيب والمشقة هنا منتفية. لكن لو قالت امرأة مثلا: أنا سأسافر، وهذا المركب ما سيقف ما سيقف إلا بعد خروج وقت الصلاة، مثلا سفرها قبل العصر، وما ستصل إلا بعد العشاء، مثلا، والمركب ما سيقف ما سيقف، كيف تفعل؟ هل تجمع بين الظهر والعصر وهي في الحضر قبل أن تسافر؟ أم أن نقول: لا، صلي الظهر في بيتك، ثم العصر تصليها، أو صلي مثلا وأنت جالسة في كرسيك؟ لا، هنا يلزمها أن تجمع لوجود العذر، وجود المشقة، فنقول: اجمعي بين الصلاتين في الحضر من غير قصر، ثم تسافرين. هذا الذي يريده المؤلف بقوله: "بما يناسب الحال". وأيضا يحمل قوله: "بما يناسب الحال" على أنواع التخفيف، فقد يكون التخفيف بالإسقاط، قد يكون بالبدل، قد يكون بالنقص، كما ذكرنا في أسباب التخفيف. قال: "فيصلي المريض الفريضة قائما، فإن عجز صلى قاعدا، فإن عجز فعلى جنبه، ويومئ بالركوع والسجود". هذا كما في حديث عمران بن حسين رضي الله عنه، قال النبي عليه الصلاة والسلام له: «صلي قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب». هذا من التيسير والتخفيف، الأصل أن المسلم يصلي قائما، هذا الواجب، فإذا عجز عن القيام، جاز له أن يصلي قاعدا، عجز عن الجلوس، جاز له أن يصلي على جنبه، ويجعل ركوعه وسجوده بالإيماء، يعني بالرأس، يومئ برأسه، ويجعل السجود أخفض من الركوع، هذا من التيسير. قال: "ويصلي بطهارة الماء، فإن شق عليه صلى بالتيمم". هنا الآن النوع الأول من أنواع التخفيف: إسقاط، وهذا النوع الثاني: إبدال، الأصل أن يتوضأ بالماء، فإن شق عليه، مثلا الماء موجود لكنه ما يستطيع يستعمله، بكونه مريض ويشق عليه استعمال الماء ويضره، نقول: تيمم وصلي بالتيمم، ﴿فإن لم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا﴾. وهو في هذه الحالة يكون كالعادم للماء، هذا من التيسير. قال: "وكذلك رخص السفر تتفرع عن هذا الأصل، لأن المسافر مظنة المشقة". السفر مظنة المشقة، أو إن قال: أن المسافر بالنسبة إلى الفاعل الذي حصل منه السفر، فسفره مظنة المشقة، لا، بس حينئذ ممكن أن تستقيم العبارة، لأن المسافر مظنة المشقة، لكن كان المناسب والذي تستقيم به العبارة أحسن: السفر، لأن السفر مظنة المشقة. قال: "فأبيح له قصر الرباعية إلى ركعتين، والجمع بين الصلاتين، والفطر في رمضان، والمسح ثلاثة أيام بلياليها على الخفين". السفر مظنة المشقة، فالرخص التي رخص بها للمسافر ليس لأجل المشقة وإنما لأجل السفر، لأجل السفر، الله عز وجل يقول: ﴿فإن كنتم مرضى أو على سفر فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا﴾. ويقول جل وعلا: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾. فالرخص في السفر لأجل السفر، والمشقة هي مظنونة في السفر، يعني الغالب في السفر أن يكون فيه مشقة، لكن قد تنتفي المشقة، قد تنتفي المشقة، ويسافر الإنسان سفرا بعيدا من غير المشقة، يعني ما فيه تعب، بأريح الوسائل الحديثة من مركوبات برية أو جوية أو بحرية، فهل يترخص برخص السفر؟ الجواب: نعم، يترخص، لأن العلة في الترخص هو السفر، وأما المشقة فهي مظنة مظنة السفر. فيباح للمسافر أن يقصر الرباعية ويصليها ركعتين، وهذا من أنواع التخفيف: النقص. قال: "والجمع بين الصلاتين"، وهذا الجمع يجمع بين الصلاتين: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، سواء جمع تقديم أو تأخير. قال: "والفطر في رمضان"، الفطر في رمضان، وهذا إسقاط، يسقط عنه وجوب صوم رمضان بسبب السفر. قال: "والمسح ثلاثة أيام بلياليها على الخفين"، كما في حديث صفوان بن عسال في سنن الترمذي، وفي حديث علي رضي الله عنه بالصحيح، وغيره من الأحاديث الكثيرة المتواترة في المسح على الخفين، أن المسافر يمسح ثلاثة أيام بلياليها، هذا من التيسير والتخفيف. قال: "ومن مرض أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحا مقيما". وهذا كما جاء في حديث عتبة بن موسى في البخاري، أن من مرض صحيحا، يعني ما كان يعمل في حال صحته قبل أن يمرض، وما كان يعمل في حال إقامته قبل أن يسافر، يكتب له الأجر كاملا، يعني إذا كان مثلا في حال الحضر يصلي الرواتب ويصوم ويقرأ القرآن، ثم سافر، وفي السفر يشغل الإنسان، فلا يصلي الرواتب، ومن السنة أنه لا يصليها في السفر، كذلك يشغل عن قراءة القرآن كما كان يقرأ في حال حضره وإقامته، أو كذلك أيضا يفطر وهو كان يصوم، يكتب له الأجر كاملا. وهكذا إذا مرض بعد صحة، وكان في صحة يفعل هذه العبادات، ثم مرض وعجز عنها، يكتب له الأجر كاملا. الحديث في عتبة بن موسى انتقده بعض الحفاظ كالإمام دار قطني رحمه الله في التتبع، وتم الانتقاد، لكن معناه صحيح، تدل عليه عمومات الأدلة، كقوله عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات». وقوله في حديث جابر: «إن معكم رجالا ما سرتم مسيرا ولقطعتم واديا إلا وهم معكم، حبسهم العذر». ونحو ذلك من الأحاديث. فالمشقة تجلب التيسير، لما شق عليهم فعل هذه العبادات وعجزوا عنها مع قصدهم ونيتهم وإرادتهم على فعلها، كتب لهم الأجر كاملا. قالوا: ويتفرع عن هذا الأصل الأعذار المسقطة لحضور الجمعة والجماعة. كذلك الأعذار المسقطة لحضور الجمعة والجماعة، إذا حصل للإنسان عذر يسقط به الجمعة والجماعة، فإنه يكتب له الأجر، كالمطر مثلا من الأعذار، المطر من الأعذار. وفي حديث ابن عباس في البخاري، لما صعد المنبر يوم جمعة، وكان يوم مطير، بلغ المؤذن في أذانه: "حي على الصلاة"، قال: "قل: صلوا في رحالكم". فلما رأى الناس استنكروا ذلك، قال: "قد فعل ذلك من هو خير مني، رسول الله صلى الله عليه وسلم". وذلك لأن المشقة تجذب التيسير، فلما شق على الإنسان حضور الجمعة والجماعة، رخص له في تركهما، ويكتب له الأجر، يكتب له الأجر بسبب العذر، كالمرض مثلا، والسفر، ونحوها من الأعذار، كالمطر أو، الريح الشديدة في الليل، ونحو ذلك من الأعذار. طيب نكتفي بهذا القدر إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على