التعليق على كتاب كشف الشبهات 1

الدرس في التعليق على كتاب كشف الشبهات 1، ألقاها

نبذة عن حياة الإمام محمد بن عبد الوهاب ونشأته العلمية

نشأ الإمام محمد بن عبد الوهاب في بيت علم ودرس على يد أبيه وأعمامه، وقام برحلات لطلب العلم في عدة مناطق والتقى بعلماء أجلاء.

دعوة الإمام الإصلاحية ومقاومتها في نجد

دعا الإمام إلى التوحيد وإنكار الشركيات، وواجه مقاومة من علماء نجد بسبب انتشار الخرافات والبدع، وتعاون مع أمير العيينة ثم انتقل إلى الدرعية.

دعم الأمير محمد بن سعود للدعوة وتأسيس إمارة الدرعية

التقى الإمام بالأمير محمد بن سعود في الدرعية وتعاونا على نشر دعوة التوحيد، مما أدى إلى تأسيس إمارة التوحيد.

أهمية إخلاص الدعوة في تمكين الأنبياء

تمكين الأنبياء جاء نتيجة لإخلاصهم في دعوتهم إلى توحيد الله، مشددين على أهمية الإخلاص في نيل المكانة الرفيعة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن شاء الله نبدأ في القراءة في هذه الرسالة القيمة، وهي كتاب "كشف الشبهات" للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي، رحمه الله. وقبل أن نبدأ في قراءة مضمون الرسالة، نذكر نبذة وترجمة عن المؤلف، رحمه الله، حتى نتعرف على هذا الإمام العالم، الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي، رحمه الله. وسأذكر ترجمة المؤلف نقلًا من كلام الشيخ العلامة صالح الفوزان، حفظه الله. قال: فهو الشيخ الإمام المجدد، شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ابن سليمان ابن علي ابن مشرف التميمي النجدي. ولد رحمه الله في بلدة العيينة، وهي قرية في شمال الرياض، وكانت محل أسرته. نشأ في بيت علم، فأبوه كان القاضي في البلد، وجده الشيخ سليمان كان هو المفتي والمرجع للعلماء، وأعمامه كلهم علماء. فنشأ في بيت علم، ودرس على يد أبيه عبد الوهاب، وعلى أعمامه منذ صغره. فقد حفظ القرآن الكريم قبل أن يبلغ سن العاشرة، فاشتغل في طلب العلم، وحفظ القرآن على أبيه، وقرأ كتب التفسير والحديث حتى برع في العلم وهو صغير. وأعجب أبوه والعلماء من حوله بذكائه ونبوغه، وكان يناقش في المسائل العلمية حتى إنهم استفادوا من مناقشته، فاعترفوا له بالفضل. ثم إنه لم يكتف بهذا القدر من العلم، وإن كان في الخير، إلا أن العلم لا يشبع منه. فرحل لطلب العلم، وترك أهله ووطنه، وسافر إلى الحج. وبعد الحج ذهب إلى المدينة، والتقى بعلمائها في المسجد النبوي، خصوصًا الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف، وكان إمامًا في الفقه وأصوله، وهو من أهل نجد، من أهل المجمعة في سدير. وكذلك ابنه إبراهيم بن عبد الله، مؤلف كتاب "العذب الفائض شرح ألفية الفرائض". والتقى كذلك بالمحدث الشيخ محمد حياة السندي، وأخذ منه إجازة في مروياته من كتب الحديث. ثم رجع إلى بلاده، ولم يكتف بهذا، بل صار إلى بلاد الإحساء في شرق بلاد نجد، وفيها العلماء من حنابلة وشافعية ومالكية وحنفية، وأخذ عنهم، خصوصًا عن الحنابلة، ومنهم محمد بن فيروز وعبد الوهاب بن فيروز، أخذ عنهم الفقه. وأخذ عن عبد الله بن عبد اللطيف اللطيف الأحسائي. ولم يكتف بهذا، وهذا كله يدل على علو همته في الطلب. قال أيضًا: بل ذهب أيضًا إلى العراق، إلى البصرة خاصة، وكانت آنذاك آهلة بالعلماء في الحديث والفقه، فأخذ عن علمائها، خصوصًا الشيخ محمد المجموع وغيره. وكان في كل تنقلاته إذا ظفر بكتاب من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، ومن كتب تلميذه ابن القيم، نسخه بقلمه. ونسخ كثيرًا من الكتب في الأحساء وفي البصرة، فتجمعت لديه مجموعة عظيمة من الكتب. وهذا أيضًا من علو همته في الطلب، إذا وجد كتابًا ينسخه بقلمه، وذلك بسبب قلة الكتب وشحتها في ذاك الزمن. قال: ثم إنه هم بالسفر إلى بلاد الشام، لما فيها من أهل العلم، خصوصًا من الحنابلة وأهل الحديث، ولكنه بعدما سار إليها شق عليه الطريق، وحصل عليه جوع وعطش، وكاد أن يهلك في الطريق. وأنتم تعلمون الإمكانات في ذلك الوقت، وبعد المسافة، يعني ضعف إمكانات السفر والرحلات البعيدة، فيقع الإنسان في أنواع من التعب والمشقة والجهد. قال: فرجع إلى البصرة، وعدل عن السفر إلى الشام. ثم رجع إلى نجد بعدما تسلح بالعلم، وبعدما حصل على مجموعة كبيرة من الكتب، إضافة إلى الكتب التي كانت عند أهله وعند أهل بلده. ثم اتجه إلى الدعوة والإصلاح ونشر العلم النافع. ولم يرضَ بأن يسكت ويترك الناس على ما هم عليه، بل أراد أن ينتشر علمه، أن يدعو إلى الله. فنظر في مجتمعه، فوجد فيه من الشرك والشر الأمور الكثيرة، فأخذته الغيرة على دين الله، والرحمة للمسلمين، ورأى أنه لا يسعه السكوت على هذا الوضع. وكان علماء نجد يعنون بالفقه، وهم في العقيدة على عقيدة المتكلمين من أشاعرة وغيرهم، ليس لهم عناية بعقيدة السلف، كما هو في الشام وفي مصر وغيرها من الأقطار. وكانت العقيدة المنتشرة فيها هي عقيدة الأشاعرة، مع ما عند كثير منهم من الإخلال بتوحيد الألوهية. وأما عقيدة السلف، فقل من يعنى بها، وطغت على الكثير منهم الخرافات والبدع والشرك في العبادة، المتمثل بعبادة القبور. هذا من الناحية العلمية. وأما من الناحية السياسية، فكانوا متفرقين، ليس لهم دولة تجمعهم، بل كل قرية لها أمير مستقل بها. فالعيينة فيها حاكم، والدرعية فيها حاكم، والرياض فيها حاكم، وكل قرية صغيرة فيها حاكم. وكانت بينهم حروب وسلب ونهب فيما بينهم، بين القرى والبادية. فمن الناحية السياسية كانت البلاد في قلق وتفرق، وفي تناحر وضياع، حتى إن أهل البلد الواحد يقاتل بعضهم بعضًا. وفي بلاد نجد عبادة القبور والاستغاثة بالأموات، فقد كانت عندهم قبور للصحابة، كقبر زيد بن الخطاب، رضي الله عنه، الذي استشهد مع جماعة من الصحابة في حرب مسيلمة الكذاب. وكانوا يستنجدون بها ويستغيثون بها، وعلى قبر زيد قبة، وكانوا يأتون إليها من بعيد، وهي مشهورة عندهم. وعندهم أشجار ونخيل يعتقدون فيها ويتبركون بها. بل كانت عندهم النحل الباطلة، مثل الصوفية ووحدة الوجود، في الرياض والخرج. هكذا كانت حالتهم الدينية. والعلماء الساكتون عن هذا الوضع، بل إن بعض العلماء يشجعون على هذه الخرافات ويؤيدونها. فلما رأى رحمه الله حال المسلمين، تحرك للدعوة إلى الله عز وجل، وقام يدعو إلى الله، ويدرس التوحيد، وينكر هذه الشركيات والخرافات، ويقرر منهج السلف الصالح. فتكون عنده تلاميذ من الدرعية والعيينة، ممن أراد الله له الخير. ثم إنه اتصل بأمير العيينة، وعرض عليه الدعوة، فقبل منه الأمير، ووعده بالمناصرة في أول الأمر. وهدم قبة زيد بن الخطاب، حيث طلب من الأمير هدمها، لأنه لا يمكن أن يهدمها إلا من له سلطة، أما الفرد فلا يستطيع ذلك. فاستجاب له الأمير، وهذا من عمله رحمه الله بالتوحيد واهتمامه به. فدعا إلى توحيد الله جل وعلا، وأيضًا حاول تطبيق ما أمر الله سبحانه وتعالى به ورسوله من هدم معالم الشرك الوثنية. فطبق ذلك مستعينًا بأمير تلك البلاد، حتى يكون عنده جالب قوي من نفوذ السلطة وقوتها. قال: وجاءت إلى الشيخ امرأة اعترفت بالزنا، وطلبت منه أن يقيم عليها الحد، فردها حتى كررت عليه الطلب، مثل ما فعلت الغامدية، رضي الله عنها، في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فأقام عليها الحد ورجمها. فلما بلغ أمير الإحساء هدم القبة وأنه رجم المرأة، أرسل إلى أمير العيينة، وقال: إما أن تطرد هذا المطوع، وإلا قطعت عنك المساعدة. وهذه الكلمة يستعملها الناس في حق من كان مستقيمًا ومتمسكًا بالكتاب والسنة، فيلقبونه بالمطوع، وهي كلمة تصغير، وكلمة تصغير واحتقار. فمثل هذه الكلمة لا تجوز أن يقولها المسلم لأخيه. "المطوع" يعني معروف أن التطوع الشيء المستحب الذي ليس بواجب. فلما يقول الشاص لغيره "مطوع"، يعني كأنه يفعل شيء ليس بواجب عليه، وإنما يتطوع بذلك. وهذا لا شك أنه معنى باطل. وأيضًا ما فيه من التنقص وقز الاستحقار. قال: إما أن تطرد هذا المطوع، وإلا قطعت عنك المساعدة التي أرسلها إليك. قال: فجاء الأمير إلى الشيخ، وعرض عليه الأمر، وقال: إنه لا أقدر. فهداه الشيخ، ووعده بالخير، وأن يتوكل على الله، وأن الرزق بيد الله، وأن هذه عقيدة التوحيد من قام بها فإن الله يعينه وينصره. لكن الأمير أصر على خروج الشيخ من بلده، فخرج الشيخ من العيينة في وقت القيلولة، أي وقت الظهيرة، وقت الراحة. قال: وذهب إلى الدرعية، وكان له فيها تلميذ من خيار التلاميذ، يقال له ابن سويلم. فذهب الشيخ من العيينة إلى الدرعية، ليس معه إلا المروحة اليدوية، يهوي بها على وجهه وهو يمشي، ويقول: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، يردد هذه الآية وهو يمشي. فلما وصل إلى تلميذه في الدرعية، أصاب التلميذ خوف وقلق من مجيء الشيخ، لأنه يخشى على نفسه وعلى الشيخ من أهل البلد، لأنهم متحاذرون من هذا الشيخ. فهدأه الشيخ، وقال: لا يخطر في بالك شيء أبدًا، توكل على الله جل وعلا، فهو ينصر من نصره. وهذا من عظيم توكله على الله جل وعلا، وحسن ظنه بالله سبحانه وتعالى، أنه يقوم بما أوجب الله سبحانه وتعالى عليه، وما ينبغي ويجب أن يقوم به من كان مثله من أهل العلم، من الدعوة إلى توحيد الله جل وعلا، والتحذير من الشرك، والصبر على الأذى في ذلك. قال: وفيما هم كذلك، علمت زوجة أمير الدرعية، وكانت امرأة صالحة، فعرضت على زوجها الأمير محمد بن سعود أن يناصر هذا الشيخ الذي جاء، وأنه نعمة من الله ساقها إليه، فالبدار باغتنامها. فأدخلت عليه الطمأنينة، وحب الدعوة، وحب هذا العالم. وانظروا كيف كان موقف هذه المرأة الصالحة، بتوفيق الله سبحانه وتعالى لها، كان سببًا في توجيه زوجها ونصحه أن يحمي الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله، ويكون درعًا له في نشر دعوته وحمايته، حتى كانت قيامه معه، أو كان قيامه معه سبب رفعته في الدنيا، وكذلك أيضًا أن نسأل الله جل وعلا أن يرفعه في الآخرة. قال: فأدخلت عليه طمأنينة، وحب الدعوة، وحب هذا العالم. فقال الأمير لزوجته: يأتيني، يعني زوجها الأمير محمد بن سعود، قال لزوجته: إذن يأتيني، أي شيخ محمد بن عبد الوهاب. فقالت زوجته: بل اذهب أنت إليه، لأنك إذا أرسلت إليه وقلت: يأتيني، ربما يقول الناس: طلبه من أجل أن يبطش به، لأنه مطلوب ومطلوب من بلاد العيينة التي كان فيها، فسيظن هذا الظن. قال: لكنك إذا ذهبت إليه يكون هذا عزًا له ولك. فذهب إليه الأمير في بيت التلميذ، وسلم عليه، وسأله عن قدومه. فشرح له الشيخ، وبين له أنه ليس عنده إلا دعوة الرسل، صلوات الله وسلام عليهم، وهي الدعوة إلى كلمة التوحيد، وهي "لا إله إلا الله". وشرح معناها، وبين له أنها عقيدة الرسل. فقال الأمير: أبشر بالنصر والتأييد. وقال له الشيخ: أبشر بالعز والتمكين، لأن هذه الكلمة "لا إله إلا الله" من قام بها فإن الله يمكن له. فقال له الأمير: لكني أشترط عليك شرطًا. قال: وما هو؟ قال: أن تتركني وما آخذ من الناس. قال الشيخ: لعل الله يغنيك عن هذا، ويفتح لك باب رزق من عنده. فتفرق على هذا، وقام الشيخ بالدعوة، وقام الأمير بالمناصرة. ثم توافد الطلاب على الدرعية، وصار لشيخ مكانة فيها، فكان هو الإمام في الصلاة، والمفتي، والقاضي. فتكونت إمارة للتوحيد في بلاد الدرعية من ذلك الوقت. وأرسل الشيخ رسائل إلى أهل البلدان والقرى، يدعوهم إلى الله والدخول في عقيدة التوحيد، وترك البدع والخرافات. فمنهم من استجاب وانضم إلى الدعوة بدون جهاد وبدون قتال، ومنهم من مانعه وعانده، فقاتل جنود التوحيد بقيادة الأمير محمد بن سعود، وريادة الشيخ محمد بن عبد الوهاب. قاتلوا من عاند وعارض، وامتدت الدعوة في بلاد نجد، وسلمت له البلاد ومن حولها، حتى أمير العيينة التي كان له موقف مع الشيخ دخل في ولاية محمد بن سعود. وكذلك دخلت الرياض بعد قتال شديد، امتدت إلى الخرج وما وراء الخرج، وإلى الشمال والجنوب، حتى عمت من حدود الشام شمالًا إلى حدود اليمن جنوبًا، ومن البحر الأحمر إلى الخليج العربي شرقًا، كلها صارت تحت ولاية الدرعية، بادية وحاضرة. وأفاء الله على الناس في الدرعية الخير والرزق والغنى والثروة، وقامت بها أسواق تجارية، واستنارت بالعلم والقوة، ببركة هذه الدعوة السلفية التي دعوة الرسل عليهم السلام. وهذا الذي حصى له، رحمه الله، تصديقًا أو يصدقه ما أخبر الله سبحانه وتعالى به في قوله جل وعلا: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾. فحصل له هذا التمكين، وهذه المكانة والرفعة بسبب إخلاصه، ودعوته إلى توحيد الله جل وعلا. أما ما يتعلق بالكتاب والقراءة فيه، فإن شاء الله يكون في درس آخر. نكتفي بهذا القدر. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على