الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 6، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
العمل يكون عبادة إذا توفر فيه شرطان: كمال الحب لله وكمال الذل له، وقد ذكر القرآن الكريم هذه الشروط في عدة آيات. استدل العلماء على أهمية هذين الشرطين في العبادة الحقة.
استدل العلماء مثل شيخ الإسلام وابن القيم والسعدي على أن العبادة الحقة تتطلب الجمع بين المحبة والذل لله تعالى. بدون هاتين الصفتين، لا تعتبر العبادة صحيحة. يتحدث عن أهمية الذل والخشوع في العبادة.
العبادة تكون قائمة على كمال الذل مع كمال المحبة، وهناك علامات لمحبة العبد لله تعالى، وهي محبة ما يحبه الله، واجتناب ما يسخطه، وطاعة أوامره، ومعاداة أعدائه. الحب في الله والبغض في الله من أوثق عرى الإيمان.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال مؤلفنا -رحمه الله تعالى-: متى يكون العمل عبادة؟ وهذا السؤال هو تتمة للسؤال الذي قد مضى بالأمس، عندما سأل المؤلف -رحمه الله تعالى-: ما العبادة؟ فذكرنا الوصف الذي يكون عليه العمل، وهو اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، هذا من حيث العمل. وهنا: متى يكون العمل عبادة؟ هذا يتعلق بالعامل، أي: ما هو الوصف الذي ينبغي أن يتصف به المتعبد لله حتى يكون عبادة؟ حتى يكون فعله عبادة؟ متى يكون العمل عبادة؟ وبعضهم يعبر عن هذه المسألة بأركان العبادة، ما هي أركان العبادة؟ قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: إذا كمل فيه شيئان، وهما: كمال الحب وكمال الذل. قال الله تعالى: ﴿والذين آمنوا أشد حبا لله﴾، وقال تعالى: ﴿والذين هم من خشية ربهم مشفقون﴾، قال: وقد جمع الله تعالى بين ذلك في قوله: ﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين﴾. استدل المؤلف -رحمه الله تعالى- بهذه الأدلة على أن الوصف الذي ينبغي أن يكون عليه العامل حتى يكون عابدًا لله سبحانه وتعالى: أن يتصف بصفتي المحبة والذل، ليست المحبة فقط، بل غاية المحبة، وليس أي ذل، بل كمال الذل، هذا الذي ينبغي أن يتصف به الشخص حتى يكون عابدًا لله سبحانه وتعالى. وهذه الشروط قد نبه عليها العلماء، فشيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في بعض المواطن، عندما تكلم عن تعريف العبادة، أشار إلى هذا الضابط، فقال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-: "لكن العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى المحبة، فلابد للشخص إذا أدى العمل الذي يتقرب به إلى الله عز وجل أن يتصف بهاتين الصفتين: بصفة المحبة وبصفة الذل". وقد عبر عن ذلك ابن القيم -رحمه الله تعالى- في النونية، عندما أتى بتلكم الأبيات الشعرية، ويذكر فيها عقيدة أهل السنة والجماعة، عبر عن هذين الركنين بقوله -رحمه الله تعالى-: "وَعِبَادَةُ الرَّحْمَنِ غَايَةُ حُبِّهِ ... مَعَ ذُلِّ عَابِدِهِ هُمَا قُطْبَانِ". قال إمام السعدي -رحمه الله تعالى-: "فمتى خلت العبادة من هذين الأمرين أو من أحدهما، فليست عبادة". إذن ما هما؟ أنت يا عبد الله إذا تقربت إلى الله سبحانه وتعالى، عليك أن تكون في غاية من الذل، فلا تكون متكبرًا تؤدي العبادة تؤديها على مضض وأنت تأنف أن تعبد الله، لا، وإنما تعبد الله وأنت في ذل، بل غاية الذل، تخضع لله سبحانه وتعالى، تعرف أنك عبد ذليل لله، وأن الله أمرك بعبادته. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: وقد جمع الله تعالى بين ذلك في قوله: ﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين﴾، هنا الأعمال الصالحة، هذه العبادات التي كان الصالحون ولزالوا يتقربون بها إلى الله، لكن على أي وصف؟ قال: ﴿ويدعوننا رغبا ورهبا﴾، بالرغبة وهي المحبة، وبالرهبة وهي الذل والخشوع، فهذا هو يكون هكذا تكون صفات عباد الرحمن الذين تعبدون الله عز وجل، تكون العبادات قائمة على هذين الركنين: على كمال الذل مع كمال المحبة. ثم سأل المؤلف -رحمه الله تعالى-: ما علامة محبة العبد ربه عز وجل؟ وهذا السؤال يناسب ذكر وطرح في هذا المقام، لأن كما قلنا العبادة تكون مع المحبة وتكون مع الذل، فكيف يتأتى للعبد أنه قد أحب الله؟ قال -رحمه الله تعالى-: "علامة ذلك أن يحب ما يحبه الله تعالى، ويبغض ما يسخطه، فيتمثل أوامره ويجتنب مناهيه، ويوالي أولياءه ويعادي أعداءه". ولذا كان أوثق عرى الإيمان: الحب في الله والبغض في الله، هذه علامة تعتبر من أعظم أشهر العلامات التي تدل يا عبد الله على أنك محب، وبه مفرق بين المحب الصادق لربه وبين المدعي الذي يدعيها بطرف لسانه. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.