الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 17، ألقاها
يروي الحديث أن يهودية أهدت للنبي شاة مسمومة، فأخبر النبي أنها مسمومة، مما يدل على كرامته. هذا يظهر صدق نبوته وكرامته عند الله.
دعت اليهودية النبي لتناول طعام مشوي مسموم، فأخبره الله بالسم وعفا عنه، وتوفي بعض أصحابه بسبب السم. هذا يبين غل اليهود وحقدهم على النبي.
القصة تبرز غل اليهود وكذبهم، بينما تظهر كرامة النبي وصدق نبوته وعفوه عن اليهودية. هذا يعكس صبر النبي وحلمه على أعدائه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الدارمي -رحمه الله- في مقدمة سننه: باب ما أكرم الله به النبي صلى الله عليه وسلم من كلام الموتى. قال: أخبرنا جعفر بن عون، قال: أخبرنا محمد بن عمر الليثي، عن أبي سلمة، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل الهدية ولا يقبل الصدقة، فأهدت له امرأة من يهود خيبر شاة مصلية -يعني مشوية-، فتناول منها، وتناول منها بشر بن البراء، ثم رفع النبي صلى الله عليه وسلم يده، ثم قال: «إن هذه تخبرني أنها مسمومة». فمات بشر بن البراء، فأرسل إليها النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «ما حملك على ما صنعتي؟» قالت: إن كنت نبيًا لم يضرك شيء، وإن كنت ملكًا أرحت الناس منك. قال: وفي مرضه ما زلت من الأكلة التي أكلت بخيبر، فهذا أوان انقطاع أبهري -الأبهر: عضو أو عرق من العروق-. وهذا الحديث بهذا السند مرسل، وأصل الحديث صحيح كما سيأتي في حديث جابر وأبي هريرة، فهو في صحيح البخاري. وأشهد منه قوله: «إن هذه تخبرني أنها مسمومة» -يعني الشاة الميتة- أخبرت النبي عليه الصلاة والسلام بأنها مسمومة أن يضع فيها السم. قال: أخبرنا الحكم، عن نافع، قال: أخبرنا شعيب، عن أبي حمزة، عن الزهري، قال: كان جابر بن عبد الله يحدث أن يهودية من أهل خيبر سمت شاة مصنية، ثم أهدتها للنبي صلى الله عليه وسلم، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم منها الذراع، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجبه الذراع. وفي رواية من روايات هذا الحديث -البخاري- ذكر أهل السيرة أنها سألت: أي شيء يعجبه؟ أو أعجب إليه؟ قالوا: الذراع، فأكثرت فيها من السم. قال: فأكل منها، وأكل الرهط من أصحابه معه، ثم قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «ارفعوا أيديكم». وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليهودية فدعاها، فقال لها: «أسممت هذه الشاة؟» قالت: نعم. ومن أخبرك؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أخبرتني هذه في يدي الذراع». قالت: نعم. قال: «فماذا أردت إلى ذلك؟» قالت: قلت: إن كان نبيًا لم يضره -يعني سيعصمه الله-، وإن لم يكن نبيًا استرحنا منه. فعفا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعاقبها، وتوفي بعض أصحابه الذين أكلوا من الشاة، وهو بشر بن البراء. واحتجم النبي صلى الله عليه وسلم على كاهله من أجل الذي أكل من الشاة، حجمه أبو هند مولى بني بياضة، بالقرن والشفرة، وهو من بني ثمامة، وهم حي من الأنصار. والزهري لم يسمع من جابر، لكن الحديث في الشواهد. قال: وأخبرنا عبد الله بن صالح -هو كاتب الليث، فيه ضعف-، قال: حدثني الليث، عن سعد، قال: حدثني سعيد، عن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: لما فتحنا خيبر، أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة فيها سم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اجمعوا لي من كان هاهنا من اليهود». فجمعوا له، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني سائلكم عن شيء، فهل أنتم صادقي عنه؟» قالوا: نعم يا أبا القاسم. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أبوكم؟» قالوا: أبونا فلان. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كذبتم، بل أبوكم فلان». قالوا: صدقت وبررت. فقال لهم: «هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟» قالوا: نعم، وإن كذبناك عرفت كذبنا. كما عرفت في آبائنا. قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فمن أهل النار؟» قالوا: نكون فيها يسيرًا، ثم تخلفونا فيها -يعني نخرج من النار، ثم تدخلون أنتم -يعني أهل الإسلام- محلنا بالنار-. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اخسأوا فيها، والله لا نخلفكم فيها أبدًا». ثم قال لهم: «هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟» قالوا: نعم. قال: «هل جعلتم في هذه الشاة سمًا؟» قالوا: نعم. قال: «ما حملكم على ذلك؟» قالوا: أردنا إن كنت كاذبًا أن نستريح منك، وإن كنت نبيًا لم يضرك». والحديث في صحيح البخاري من غير هذه الطريق. فكما سمعنا، أصل هذه القصة ثابتة. وفي هذه القصة بيان ما عليه اليهود من الغل والحقد على أهل الإسلام، حتى إنهم أرادوا قتل النبي عليه الصلاة والسلام عدة مرات، وفي هذه المرة أرادوا قتله بالسم، فعصمه الله جل وعلا. وهكذا أيضًا فيه أن اليهود أهل كذب؛ لأن اليهود أهل كذب، ولهذا كذبوا على النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الأسئلة التي سألها عنهم، إلا في الأخيرة حين سألهم عن وضع السم في الشاة، فقالوا: نعم، وإلا الأصل فيهم الكذب. وهكذا أيضًا فيه بيان ما أكرم الله عز وجل به نبيه عليه الصلاة والسلام من إخبار هذه الأشياء الميتة للنبي صلى الله عليه وسلم بما فيها من السم، وهذا من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام وصدق رسالته؛ أن يخاطب -يعني الجماد- الشيء الميت، يكلمه. وهو الشاهد من ذكر هذه الأحاديث في هذه القصة في هذا الباب: باب ما أكرم الله به النبي صلى الله عليه وسلم من كلام الموتى. وفيها أيضًا بيان عظيم خلق النبي عليه الصلاة والسلام، إذ أنه عفى عن هذه المرأة اليهودية التي أرادت قتله، عفى عنها. لكن لما مات بشر بن البراء بسبب هذا السم، دفع النبي عليه الصلاة والسلام -كما في روايات أخرى- إلى أوليائه فقتلت قصاصًا. وفيه كذلك أيضًا أن الحجامة قد تنفع من السم، ولهذا احتجم النبي صلى الله عليه وسلم على كاهله من أجل ما في هذه الشاة من السم. وربما أيضًا كان معروفًا عند أهل البوادي استعمال ما يقوم بمعنى الحجامة من إخراج الدم إذا أصيب الإنسان بالسم -كالأذى بحية أو نحوها-، فإنهم يسارعون إلى قطع الموضع الذي أصابه هذا السم، وقع فيه السم، ثم -يعني- يخرج الدم. وهذا يستخدم كعلاج أولي من أجل عدم انتشار السم في الجسم. صلى الله وسلم على أبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.