الدرس في شرح القواعد المثلى 17، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح الشيخ ابن عثيمين أن الصفات الثبوتية لله تعالى هي صفات كمال ومدح، وكلما كثرت دلالاتها ظهر كمال الموصوف سبحانه. ويبين الفرق بين "ظهر" و"حصل" مؤكداً أن كمال الله ذاتي ثابت، وإنما يظهر للعبد بقدر معرفته بأسماء الله وصفاته، وهذا يورث الخشية والتعظيم.
تتفوق الصفات الثبوتية على السلبية لكثرتها ودلالتها على المدح والكمال، بينما تقتصر الصفات السلبية غالباً على العموم لبيان كمال الله المطلق ونفي المثل والكفء عنه، أو لنفي ما افتراه الكاذبون عليه.
يبيّن المقطع ثلاثة أسباب لذكر الصفات السلبية في القرآن: الرد على افتراءات الكفار كنسبة الولد والصاحبة لله، ودفع توهم النقص عن كمال الله كعدم إصابته بالتعب أو العبث في الخلق، وتأكيد كماله المطلق. كما يوضح أن الأيام الستة في الخلق هي أيام حقيقية كأيامنا وليست رمزية.
يُشير المتحدث إلى أن الرأي المرجح هو رأي الشيخ ابن العثيمين، ثم يعلن انتهاء الجلسة، وينسب ترجمة المحتوى إلى نانسي قنقر.
الحمد لله، وحمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال الشيخ العلامة الفقير محمد بن صالح العثيمين عليه رحمة الله في كتابه "القواعد المثلى"، وفي ذكره لقواعد الصفات: القاعدة الرابعة: الصفات الثبوتية صفات مدح وكمال، فكلما كثرت وتنوعت دلالتها ظهر من كمال الموصوف بها ما هو أكثر. ولهذا كانت الصفات الثبوتية التي أخبر الله بها عن نفسه أكثر بكثير من الصفات السلبية، كما هو معلوم. قوله: "الصفات الثبوتية"؛ تقدم معنا الثبوتية من الإثبات، وهو عدم النفي، كصفة العلم والحياة والقدرة والسمع والبصر. هذه الصفات الثبوتية فهي صفات مدح وكمال، كما تقدم معنا في القاعدة: أن صفات الله عز وجل صفات كمال بأي وجه، لا نقص فيها بأي وجه من الوجوه. تقدم معنا هذا في القاعدة. نعم، الثانية: الثبوتية ما ثبت الله تعالى لنفسه وعلى لسان رسوله، وكل صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه فهي صفات مدح وكمال. وأما قوله: "فكلما كثرت وتنوعت دلالتها ظهر من كمال الموصوف بها ما هو أكثر"، فقوله "كثرت" يعني أصبحت كثيرة، فهي ليست صفة ولا صفتين ولا ثلاثًا ولا عشرًا ولا نحو ذلك، بل صفات الله عز وجل لا يعلمها إلا الله. وكما جاء في الحديث: «أو استأثرت به في علم الغيب عندك»؛ هذا في الأسماء في الحديث المشهور: «اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك». ولكنه يدخل في الصفات؛ لأن كل اسم يتضمن صفة. فكما أن أسماء الله عز وجل كثيرة ولا يعلمها إلا هو سبحانه وتعالى، فكذلك صفات الله كثيرة لا يعلمها إلا الله. فكلما كثرت وتنوع، بمعنى: تنوع يعني تعددت معانيها؛ فمعنى العلم ليس هو معنى القدرة، ومعنى السمع ليس هو معنى البصر. فهي كثيرة، كلما كثرت وتنوعت دلالتها ظهر من كمال الموصوف بها ما هو أكثر. فكثرة الصفات وتنوع دلالتها يدل على كمال الموصوف، يدل على كمال الموصوف. ونبه الشيخ العثيمين هنا أنه قال: "ظهر من كمال الموصوف"، ولم يقل: "حصل للموصوف". وما الفرق بين العبارتين هنا؟ قال: "كلما كثرت وتنوعت دلالتها ظهر"، ولم يقل: "حصل للموصوف". وما الفرق بينهما؟ الفرق بينهما: أن كمال الله حاصل سواء علمنا أو لم نعلمه؛ كمال الله عز وجل حاصل. فلما تقول: "حصل للموصوف"، كأنه شيء كان لم يكن ثم وجد وحصل. لكن لما تقول: "ظهر"، بمعنى أن الكمال كان موجودًا ولكنه ظهر لنا بمعرفتنا لهذه الصفات، كثرتها وتنوعها. فلذلك ينال العبد من تعظيم الله وإجلال الله والخوف من الله بقدر معرفته بأسمائه وصفاته، بقدر معرفته بأسمائه وصفاته. فكلما علم العبد تلك الأسماء والصفات، كلما ظهر له من كمال ذلك الموصوف. ولذلك العلماء كانوا أكثر الناس خشية؛ لأنهم أعلم الناس بعد الأنبياء بالله عز وجل. فهذا معنى قوله: "ظهر من كمال الموصوف بها ما هو أكثر"، ما هو أكثر. والصفات الثبوتية أكثر من الصفات السلبية بكثير؛ الصفات الثبوتية أكثر من الصفات السلبية بكثير؛ لأن الصفات الثبوتية تدل على المدح. تدل على المدح. فأنت لو وقفت مثلًا أمام ملك من ملوك الدنيا، فقلت له: أنت كريم، وأنت جواد، وأنت شجاع، وأنت مقدام، وأنت حكيم، وبدأت تعدد له من صفات الثبوت، صفات الثبوتية، فهذا يعد ماذا؟ يعد كمالًا لهذا الملك، لهذا الملك. لكن لو وصفت هذا الملك بأوصاف سلبية، طيب، فقلت له مثلًا: أنت لست بجبان، ولست بسارق، ولست بزاني، ولست بخائن، ولست بظالم، ولست بغدار، يعني هل فيه كمال؟ هذا لا، ليس فيه كمال ككمال الصفات الثبوتية. فلذلك قال: صفات مدح وكمال، الصفات الثبوتية صفات مدح وكمال. ولذلك الصفات السلبية لم تذكر لله عز وجل في الغالب إلا على وجه العموم، لا على وجه التفصيل، كما سيأتي معنا قريبًا إن شاء الله في هذه القاعدة، في هذه القاعدة. في المهم: أن الصفات الثبوتية أكثر بكثير من الصفات السلبية؛ لأن الصفات الثبوتية تدل على المدح والكمال، بخلاف الصفات السلبية. وأما قوله: "ولهذا كانت الصفات الثبوتية التي أخبر الله بها عن نفسه أكثر بكثير من الصفات السلبية كما هو معلوم"، هذا تقدم معنا. قال: أما الصفات السلبية فلم تذكر غالبًا إلا في الأحوال التالية: يعني ذكرت في حالات قليلة، ولم تذكر مطلقًا، بل لسبب ذكرت، لسبب أو لعموم، كما سيأتي معنا. فقال: الأولى: بيان عموم كماله، كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]، ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 4]. ومعنى قوله: "بيان عموم كماله"، يعني أن هذه الصفة تذكر على وجه العموم لبيان كمال الله عز وجل. فمثلا هذه الآية: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، هنا نفي ماذا؟ المثلية عن الله، وهذا شيء عام. لم يقل: ليس كسمعه سمع، أو ليس كبصره بصر، أو ليس كيده يد. ما جعل السلب فيه تفصيل، إنما فيه عموم، فيه عموم. وهذا لبيان الكمال. وفي الآية الثانية: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، هنا نفى ماذا؟ الكفو عن الله عز وجل، وهو النظير، النظير والمثيل. وهذا أيضًا عموم، وهذا أيضًا عموم. فلم يقل: لم يكن له مثلًا قويًا أو إلهًا أو نحو ذلك، لم يفصل، إنما ذكر على وجه العموم. فهذا لبيان عموم كماله، فهو كامل سبحانه وتعالى، فلا يماثله شيء ولا يكافئه شيء سبحانه وتعالى. فهذا لبيان ماذا؟ لبيان العموم. فالنفي هنا مجمل، ليس مفصلًا، وهذا مدح. أما النفي المفصل فهو العيب، كما تقدم: النفي المفصل هو العيب، حتى عند ملوك الدنيا. فلو جئت عند ملك من ملوك الدنيا وقلت له: لم يسبقك ملك من الملوك، يعني في الملك، هذا عموم، صح؟ يعني مثلًا تقول له: ليس ملك قبلك أفضل منك، هذا عموم، فهذا يدل على الكمال. لكن لو قلت لهذا الملك: أنت لست بسارق، ولست بطباخ، ولست بعبد، ولست... هل هذا فيه مدح؟ هذا فيه عيب، أليس كذلك؟ أي نعم. فلله عز وجل المثل الأعلى. فإنما تذكر الصفات السلبية غالبًا في أحوال، وذكر منها: عموم كماله. الثانية: قال: الثانية: نفي ما ادعاه في حقه الكاذبون. يعني يأتي الكفار فيصفونه بصفة فينفيها الله سبحانه وتعالى عن نفسه. فإذن هذا لسبب، ليس مطلقًا. لم يذكر ربنا عز وجل هذه الصفة السلبية ابتداءً، وإنما ذكرها لسبب، وهو الرد على الكاذبين. مثل هذه الآية، كما في قوله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: 88-92]. فنفى عن نفسه الولد، لماذا؟ لأن الكفار نسبوا الولد إليه، نسبوا الولد إليه، فرد عليهم ربنا عز وجل في قوله: ﴿وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾. فهي صفة سلبية. ومثلها ومثله: نفي الصاحبة، يعني الزوجة. وهذا أيضًا ما ادعاه الكاذبون، الكفار في حق الله عز وجل، فرد الله عليهم بقوله: ﴿لَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ [الجن: 3]. واضح هذا الآن؟ هذا السبب، هذه الحال الثانية التي يعني غالبًا يذكر ربنا عز وجل من صفات السلبية. قال: الثالثة: دفع توهم نقص من كماله فيما يتعلق بهذا الأمر المعين. يعني يذكر هذه الصفة السلبية من أجل أن يدفع توهم نقص. ما معنى توهم نقص؟ يعني الله عز وجل على كل شيء قدير، فقد يتوهم متوهم في أمر، في أمر من أمر الله عز وجل، أن الله سبحانه وتعالى يصيبه ما يصيب الخلق، فينفي الله عز وجل عن نفسه ذلك. كما في الآية قال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الأنبياء: 16]. نفى عن نفسه هنا أن يخلق السماوات والأرض عبثًا دون حكم ودون غاية. فهذه صفة سلبية، لكنها ذكرت هنا لدفع توهم نقص. فما خلق الله عز وجل السماوات والأرض عبثًا، إنما خلقها لحكم. ومثله الآية الثانية: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾ [ق: 38]. قد يتوهم أن هذه السماوات العظيمة وهذه كذلك الأرضون العظيمة وما بينهما، خلق عظيم يحتاج إلى زمن طويل حتى يخلق. فنفى الله عز وجل هذا التوهم، فقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ﴾... وقال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ﴾... وقال: ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾. يعني ما مسنا من تعب، لكماله سبحانه وتعالى وقدرته وقوته سبحانه وتعالى. فنفى عن نفسه اللغوب، وهو التعب، فهي صفة سلبية، فذكرت هنا لدفع توهم نقص من كماله، وكمال قدرته، وكمال قوته. فهو القوي العزيز، وهو كذلك القادر على كل شيء سبحانه وتعالى. فإذا تبين من هذا أن الصفات السلبية قليلة، ولم تذكر ابتداءً، وإنما ذكرت لسبب: إما عموم كماله، وإما نفي ما ادعاه في حقه الكاذبون، وإما لدفع توهم نقص من كماله. أما الصفات الثبوتية فإنها تذكر ابتداءً؛ لأنها صفات مدح وكمال، لأنها صفات مدح وكمال. والصحيح في الأيام الواردة في هذه الآية: هي الأيام التي كأيامنا، والله عز وجل على كل شيء قدير، فهو الذي يقول للشيء: كن فيكون سبحانه وتعالى، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. ومن قال: إنها تعني غير الأيام التي هي كأيامنا، فليس معه دليل، ليس معه دليل. فبعضهم ذكر أنها تعني كأيام الآخرة، ستة أيام كأيام الآخرة، وأن اليوم كألف سنة من... يعني الأيام التي هي كأيامنا، هذا ليس عليه دليل. ظاهر الآية أن هذه الأيام كأيامنا، كأيامنا. وهذا ما رجحه الشيخ ابن العثيمين عليه رحمة الله. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر.