كتاب المعاملات 22

الدرس في كتاب المعاملات 22، ألقاها

تعريف الحجر وأدلته وأنواعه

يُعرَّف الحجر على أنه منع شخص من التصرف في ماله، ويستند إلى أدلة من القرآن الكريم مثل قوله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾. يتناول أنواع الحجر لمصلحة المحجور عليه أو لمصلحة الغير.

أحكام الحجر على الإنسان لمصلحة نفسه ومتى يزول

يتحدث عن أحكام الحجر على الإنسان لمصلحة نفسه، ويشرح أنواع الحجر ومتى يزول الحجر على الصغير. يبين أحكام التعدي على النفس أو المال وضمانات ذلك.

علامات البلوغ والرشد واختباره

يتناول علامات البلوغ عند الذكور والإناث، ويشرح مفهوم الرشد وكيفية اختباره للتحقق من صلاح التصرف في المال. يشمل ذلك الإنزال وظهور الشعر الخشن والحيض للإناث.

أمثلة على التصرف غير الرشيد بالمال

يُوضح أن التصرف غير الرشيد بالمال يشمل أفعالاً لا فائدة منها مثل إهدار المال أو اللعب به. هذا النوع من التصرف يُعتبر غير رشيد ولا يُحمد عليه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال مؤلفه -غفر الله له- الباب التاسع في الحجر، وفيه مسائل. قال: تعريف الحجر لغة: المنع، فيقال: يحجر على فلان، أي يمنع من التصرف. ومنه قول الله جل وعلا: ﴿لذي حجر﴾، أي لذي عقل، وسمي العقل حجرا لأنه يمنع صاحبه من الوقوع فيما يخالف العقل والعرف. قالوا: وفي الشرع، منع إنسان من تصرفه في ماله. هذا معنى الحجر، منع إنسان من تصرفه في ماله. إنسان عنده مال، فنأتي، فنحجر عليه، أي يمنع من التصرف، يريد أن يبيع، ما يستطيع، ممنوع، يشتري، ممنوع، يريد أن يهب، ممنوع. أنت محجور عليك، لا تصرف في مالك. هذا معنى الحجر، منع إنسان من التصرف في ماله. قال ثانيا: دلة مشروعيته، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾، أي أموالهم، لكن أضيف إلى الأولياء لأنهم قائمون عليها، مدبرون لها. هذا الخطاب للأولياء، الأولياء القائمون على من كان سفيها، كصبي أو مجنون أو يتيم، أو من كان لا يحسن التصرف. فمنع الله جل وعلا أن يؤتوا أموالهم، وأمر بالحجر عليهم. وقوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن أنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾، وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح -والنكاح يعني البلوغ- فإن أنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم. فالله عز وجل هنا أمر بامتحان اليتامى، الذين تحت ولاية الأيتام، الذين هم قائمون عليهم، عندهم أموالهم. فأمر الله جل وعلا أن يمتحنوا، فإذا توفر فيهم شرطان: الأول البلوغ، والثاني الرشد، فهنا تدفع لهم الأموال التي لهم. وإن لم توجد هذه الشروط، واختلى أحد الشرطين، فإنهم يمنعون من تصرف أموالهم، ويبقى الحجر عليهم. قال: وقوله تعالى: ﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ الآية. الشاهد قوله تعالى: ﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا﴾، قال بعد ذلك: ﴿فليملل وليه﴾، يعني جعل عليه من يقوم عليه بسبب وجود السفه، وهو عدم حسن التصرف، والضعف، يعني لكونه صغيرا أو مجنونا. فجعل الله جل وعلا التصرف في هذا الأمر لمن يقوم عليهم، وهذا فيه معنى الحجر عليهم. قال: فدلت هذه الآيات على جواز الحجر على السفيه واليتيم ومن في معناهما، كالمجنون والصغير، في أموالهم؛ لئلا تتعرض للضياع والفساد؛ لأنه إذا كانت الأموال في أيديهم سيعبثون بها. تخيل مجنون معه أموال، يتصرف فيها، سيضيعها، أو صبي صغير، أو كذلك أيضا سفيه، ما يحسن التصرف في المال، سيلعب به. الناس في البيع والشراء يخادعونه ويغشونه، ولا تدفع إليهم إلا إذا تحقق رشدهم. وللولي أن يتصرف في أموالهم إذا دعت المصلحة لذلك، كما سيأتي ذكر الأدلة على ذلك، ونقم إن شاء الله بعد الأذان. قال ثالثا: أنواعه، الحجر على نوعين: النوع الأول، الحجر لمصلحة المحجور عليه، كالحجر على الصبي والسفيه والمجنون، قال تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾. فهؤلاء يحجر عليهم لمصلحتهم؛ حتى يحفظ لهم المال، ولا يضيع عليهم، ولا يفسد، فيبقى لهم حتى إذا ذهب عنهم سبب الحجر، سلمت الأموال إليهم. فالحجر هنا لمصلحتهم. قال: النوع الثاني، الحجر على الإنسان لمصلحة غيره، كالحجر على المفلس، فيمنع من التصرف في ماله؛ لئلا يضر بأصحاب الديون، وهذا يسمى بالحجر لسفه لفلس. الحجر لفلس، فالحجر إما لسفه، وإما لفلس، أن يكون الرجل مفلسا، وكثرت عليه الديون، وقل ماله عن سدادها، حجر عليه لفلسه، فيقال: حجر لفلس. والأول حجر لسفه؛ لكون هذا المحجور عليه سفيها. قال: والحجر على المريض مرض الموت فيما زاد على الثلث من ماله لحق الورثة، هذا أيضا من الحجر لمصلحة الغير. المريض مرض الموت، الإنسان في حال حياته وصحته، يتصرف في ماله بما شاء، إن شاء تصدق بماله كله، وإن شاء بنصفه، وإن شاء بثلثه. فإذا مرض الموت، هنا يمنع من التصرف في ماله في جميع ماله، إلا قدر الثلث، يسمح له بالتصرف في ماله قدر الثلث؛ حفاظا على حق الورثة. فهنا الحجر عليه لمصلحة الورثة. قال: وكذلك العبد يحجر عليه لحق سيده، فلا يصح تصرفه بغير إذن سيده. أيضا الحجر على العبد المملوك لمصلحة السيد، فلا يتصرف العبد إلا بإذن سيده. لهذا جعل الشرع ما يملكه العبد هو للسيد. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لمن باع عبدا له مال، فماله للذي باعه» -يعني السيد- فكل ما يملكه العبد فهو لسيده. ولذلك فليس للعبد أن يتصرف إلا بما أذن له سيده. هذا نوع من الحجر لمصلحة السيد. إذن الحجر على نوعين: حجر لمصلحة الإنسان نفسه، وهو الحجر لسفه. وحجر لمصلحة الغير، وهو الحجر لفلس، ومنه الحجر على المريض مرض الموت في التصرف فيما زاد على الثلث، والحجر على العبد لمصلحة السيد. قال: مسألة الثانية، الأحكام المتعلقة بالنوع الأول من الحجر، وهو الحجر على الإنسان لمصلحة نفسه. أولا: إذا تعدى المحجور عليه لصغره ونحوه -يعني لصغره أو لجنونه أو لسفه- على نفس أو مال بجناية، فإنه يضمن، ويتحمل ما يترتب على ذلك من غرامة؛ لأن المتعدى عليه لم يفرط، ولم يأذن بذلك. وأما إذا دفع ماله إلى صغير أو سفيه أو مجنون، فأتلفه، لم يضمنه؛ لأنه سلطة عليه برضاه، فهو مفرط. يقول: إذا تعدى المحجور عليه لسفه على نفس أو مال بجناية، تعدى على نفس بأن جرح إنسانا أو قتله، فإنه يضمن. يضمن إذا كان بسبب الصغر أو الجنون، يضمن الدية. وإن كان عاقلا بالغا، فإنه عليه القصاص إن طلب أولياء المقتول؛ وذلك لأنه يعتبر معتديا. ولأن حقوق الخلق قائمة على المشاحة، وأوجب الشرع القصاص وأدية وغيرها من هذه الحقوق؛ حفاظا على الأنفس. ولأن الخطاب فيها من خطاب الوضع، فلا ينظر إلى كون الجاني مكلفا أو غير مكلف، فإنه يضمن على جهة الإطلاق، سواء كان الضمان بالقصاص أو كان الضمان بالدية. وهكذا أيضا؛ لأجل ذلك ضمن المخطئ في القتل، مع أنه غير متعمد، لكن هذا من خطاب الوضع: أن من قتل يضمن، وإن كان خطأ. فإذا حصلت الجناية من المحجور عليه، فإنه يضمن. إذا كانت التعدي في مال، إذا كانت تعديا في مال، مثلا جاء صغير وأخذ مال إنسان، فاشترى به شيئا أو مزقه، فإنه يضمن؛ لأنه متعدي، والمتعدى عليه ما مكنه من ماله، فهنا عليه الضمان. جاء مجنون وأخذ مال إنسان، فأتلفه، فإنه يضمن. طيب إذا مكن المعتدى عليه هذا السفيه من ماله، فأتلفه، فهنا لا ضمان. لو جاء صغير إلى إنسان وقال: أعطني مالا، أعطني مثلا ألف ريال، أعطاه ألفا، أخذها وذهب، أو مثلا أخذها ومزقها، هل يضمن الآن هذا الصبي الذي مزق هذه الألف؟ الجواب: لا في هذه الحالة؛ لماذا؟ لأن المعتدى عليه هو الذي فرط، وعطاه من هو محجور عليه، لا يستحق أن يعطى أموالا. فلما فرط يتحمل هو تلف المال؛ لأنه مكنه بنفسه. طيب قال: مجنون لشخص: أعطني مالا، أقرضني مالا، أعطني مثلا خمسمائة ريال، أعطاه وذهب بها. قال: أريد حقي الخمسمائة. نقول: إذا كانت موجودة فهي لك، إذا كانت موجودة نعطيه إياها، وإن لم تكن موجودة، قد صرفها أو أتلفها أو مزقها، نقول: ليس لك شيء؛ لماذا؟ لأنك أنت مفرط، أعطيت المال من لا يستحق أن يعطى، وهو محجور عليه. إذن هنا يكون الضمان فيما إذا تعدى المحجور عليه من غير تفريط من المعتدى عليه. وأما إن فرط المعتدى عليه بتمكين هذا السفيه من ماله، فإنه لا يضمن إذا أتلفه. قال ثانيا: يزول الحجر على الصغير بأمرين: الأمر الأول البلوغ، ويعرف ذلك بعلامات، وهي: إنزال المني، أو إنبات الشعر الخشن حول القبل، أو بلوغه الخامسة عشرة، أو الحيض في حق الجارية. هذه أول الأمور التي يزول بها الحجر على الصغير ببيئة البلوغ، أن يبلغ سن البلوغ. ما هي علامات البلوغ؟ قال: يعرف ذلك بعلامات، وهي إنزال المني، إذا نزل منه المني، احتلم ونزل منه المني، فهو بالغ. والدليل على ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام بحديث علي وعائشة رضي الله عنهما: «رفع القلم عن ثلاثة، وعن الصبي حتى يحتلم». قال: أو إنبات الشعر الخشن، هذه العلامة الثانية من علامات البلوغ، وهي إنبات الشعر الخشن حول القبل، إذا ظهر هذا الشعر الخشن، هذا معنى أنه قد بلغ. وإن لم يظهر الشعر آخر في بقية المواضع، أو لو ظهر الشعر بغير هذا الموضع، كالشنب مثلا الشعر الخفيف، وما يظهر في الشنب قبل ظهور هذا الشعر الخشن، فليس يبالغ. الذي يعتبر في البلوغ هو الشعر الخشن الذي في القبل. واستدل أهل العلم بما ورد في الصحيح البخاري في قصة بني قريضة، حين حكم سعد المعاذ رضي الله عنه بقتل مقاتلتهم، أي من قاتل منهم، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يكشف عن عورات، فمن أنبت قتل، ومن لم ينبت لم يقتل. فدل ذلك على أن هذا الإنبات علامة على البلوغ، وبهذا استدل أهل العلم على ذلك. قال: أو بلوغه الخامسة عشرة، هذه علامة ثالثة، أن يبلغ الصبي سن الخامس عشر، فإذا بلغ سن الخامس عشر فهو بالغ. واستدل أهل العلم بحديث ابن عمر في الصحيحين، قال: «عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم وأنا ابن يوم أحد، وأنا ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزني. وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة، فأجازني». فقال أهل العلم: لم يجز في يوم أحد؛ لأنه كان دون سن البلوغ، وفي يوم الخندق كان بالغا فأجازه. وجاء في رواية عند البيهقي قال: «فلم يرني بلغت»، فلم يرني بلغت. ثم في يوم الخندق قال: «رآني بلغت». وهذه صريحة في أن النبي عليه الصلاة والسلام اعتبرها -يعني علامة للبلوغ- فحدث بذلك عمر بن عبد العزيز رحمه الله، فجعل ذلك حد البلوغ، وكتب بذلك إلى عماله. هذه ثلاث علامات، هذه ثلاث علامات يشترك فيها الرجل والذكر والأنثى: إنزال المني، وظهور الشعر الخشن في القبل، وبلوغ خمس عشرة سنة. ولا يشترط اجتماعها، لو ظهرت واحدة فهو بالغ، وإن لم تظهر البقية. وتزيد الجارية -يعني الأنثى- بالحيض، بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار». المراد بصلاة حائض -يعني من يأتيها الحيض- لأن ذلك علامة على بلوغها. قال: الأمر الثاني الرشد، وهو الصلاح في المال، لقوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن أنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾. ويعرف رشده بالامتحان، فيمنح شيئا من التصرف، ويترك يتصرف مرارا في المال، فإن لم يغبن غبنا فاحشا، ولم ينفق ماله في حرام أو فيما لا فائدة فيه، كان ذلك دليل رشده. هذا الأمر الثاني الذي به يزول الحجر على الصغير: الرشد. والرشد في هذا الموضع هو الصلاح في المال، يعني حسن التصرف في المال. ويختلف هذا المعنى باختلاف -يعني معنى الرشد- قد يختلف على حسب ما يستعمل. فمثلا الرشد في ولاية النكاح: أن يكون هذا الولي يريد لها صلاحها، ويعرف الكفء الذي تزوج به المرأة. الرشد في الدين: الاستقامة مثلا على دين الله جل وعلا. وهكذا الرشد في الأموال: حسن التصرف فيها. قال الله عز وجل: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن أنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾. كرر معنى أن الله جل وعلا اشترط شرطين إذا توفرت هذان الشرطان، أعطي لمن حجر عليه من اليتامى وغيرهم أموالهم: البلوغ، والأمر الثاني الرشد. كيف نعرف أنه رشيد؟ قال: بالامتحان. كيف نمتحنه؟ نعطيه شيئا من المال، نقول: خذ هذا المال تصرف فيه، اشتري لك شيئا، أو مثلا تاجر فيه. فانظر إن أحسن التصرف في البيع والشراء، ولم يغبن غبنا فاحشا -يعني ماذا؟ بيشتري شيء بمئة، يساوي مئة. اشتراء بألف، نقول: هذا ليس برشيد. أو يبيع ما يساوي خمسة آلاف بألف ريال، هذا ما يحسن التصرف. أما إذا أحسن التصرف، وإن حصل شيء من الغبن اليسير -يعني في زيادة الثمن أو نقصانه- مثلا سلعة تباع بخمسة آلاف، باعها بأربع ألف وخمسمائة، لا بأس، هذا شيء يسير، ونحو ذلك. فإذا كان في أكثر من مرة يبيع ويشتري، وتصرف، ولا يغبن غبنا فاحشا، فحينئذ نعلم أنه رشيد، فنعطيه أمواله: خذ هذه أموالك تصرف فيها. وأما رأينا أنه ما يحسن، يغبن، ويتلاعب به، ويغش، ويخادع، فحينئذ نبقيه على الحجر. أو كذلك التصرف يذهب يأخذ هذه الأموال ويشتري بها محرمات، ويشتري بها -يعني أمور منهي عنها- ويبعثرها في الفسق، فمثل هذا يحجر عليه. أو كذلك بشيء لا فائدة فيه، كأن يأخذ هذا المال ويلعب به، ويطيره في الهواء، جاءت الريح فأخذت -يعني مئة ريال مما عنده- فرأها تطير، أعجبه المنظر، رمى الأولى والثانية والثالثة، وينظر إليها وهي تطير في الهواء، هذا ليس برشيد. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على