الدرس في شرح لامية ابن الوردي 15، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
ينصح ابن الوردي بمجانبة السلطان والحذر من بطشه لأن الولاة غالباً ظالمون ولا يُحاسبون. الخروج على الحاكم أو مخاصمته يجلب مفاسد عظيمة والشرع يحث على السكون والصبر عند الفتنة.
يحذر النص من منابدة ولاة الأمور وينصح بشدة بتجنب تولي القضاء مستدلاً بحديث القضاة الثلاثة. السلف كانوا يفرون من القضاء لعظم أمانته وخطورة التبعة فيه.
القضاء إمامة وأمانة عظيمة حذر منها النبي وهرب منها السلف لكونها موضع فتنة. العلماء يرون جواز قبولها بل وجوبها أحياناً إذا عم الفساد واحتاج الأمر إلى من يقيم العدل.
أشار المتحدث إلى أن المسألة المطروحة تحتاج إلى تفصيل وليست مطلقة. ثم اختتم الجلسة معلناً الاكتفاء بهذا القدر مع ذكر اسم المترجمة نانسي قنقر.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال ابن الوردي رحمه الله تعالى في منظومته اللامية: جانب السلطان واحذر بطشه لا تخاصم من إذا قال فعل قوله جانب: فعل أمر من المجانبة، يعني: اجتنب السلطان. والمراد بالسلطان: الحاكم والوالي. وقوله: "واحذر بطشه"، البطش: الأخذ بالشدة والقوة. والمعنى: أترك السلطان وتباعد عنه، ولا تقرب منه إلا بقدر الحاجة والضرورة. وأهل العلم إذ يحذرون من الدخول على السلطان؛ لأن الغالب في الولاة الظلم والبطش، هذا الغالب إلا من رحم الله، لا سيما في هذه الأزمان المتأخرة التي كثر فيها الظلم والبطش. فيقول الناظم هذا في زمانه، فكيف في زماننا هذا؟ من باب أولى، من باب أولى. فلذلك كان السلف لا يحبون الدخول على السلطان إلا لحاجة أو ضرورة. ما هي هذه الحاجة؟ مثلاً: شفاعة، كأن تكون لك منزلة أو مكانة عند هذا السلطان، فتدخل عليه من أجل أن تشفع لضعيف لمسلم، فهذا لا بأس به. أو كذلك تدخل عليه من أجل النصيحة. ولذلك ليس كل من دخل على السلطان يساء به الظن، لا، هذا ليس بصواب. وإنما من دخل على السلطان ليس لحاجة ولا ضرورة، وإنما تزلفاً وتقرباً وطمعاً في شيء من حطام هذه الدنيا، فهذا هو المذموم، وهذا الذي عناه الناظم رحمه الله. وقوله: "واحذر بطشه"، يعني: احذر أن يبطش بك، لأن الغالب في السلطان القدرة والقوة، فاحذر أن يبطش بك أو أن يؤذيك. ولذلك قال: "لا تخاصم من إذا قال فعل". تخاصم: يعني من المخاصمة، وهي المجادلة والمنازعة مع السلطان. يقول له: لا تنازعه، ولا تخاصمه، ولا تعانده، فهو في موضع القوة والبطش والقدرة، وأنت في موضع الضعف. فيقول: لا تخاصم ذلك السلطان الذي إذا قال قولاً فعل على طبق ما قال، ولم يفكر في العواقب، لأنه سلطان لا أحد يعاقبه ولا أحد يحاكمه، فهو يفعل ما يشاء. "من إذا قال فعل": إذا قال شيئاً فعل، ولا يرده أحد. ومجانبة إغضاب السلطان والحذر من بطشه وقوته في الخطاب مما كان عليه السلف، لا سيما في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فما كان السلف يرون الخروج على السلطان وإظهار عيوبه، لأن هذا ليس من منهج السلف، وفي ذلك مفاسد عظيمة. حتى لو كان السلطان بلغ مبلغاً عظيماً في الظلم، فلا يقابل الظلم بالمفاسد العظيمة التي تترتب على هذا الخروج، أو على هذه المخاصمة، أو على هذه المجادلة. وانظر الآن إلى حال كثير من بلاد المسلمين، لما خاصم من خاصم من الخوارج حكام المسلمين، بطش هؤلاء الظلمة بالمسلمين. انظروا إلى سوريا، انظروا كذلك إلى ليبيا، وغيرها من بلاد المسلمين، كيف بطش بأهلها وقتل ملايين المسلمين من جراء هذه الفتن. وما ذاك إلا بسبب مخاصمة وكذلك الخروج على السلطان. فأهل العلم عند هذه الفتن يلتمسون السكون والهدوء والطمأنينة، وإن ظلموا فظلمهم على أنفسهم، وهذا ما حث عليه الشرع. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «من رأى من أميره شيئاً فليصبر، فليصبر، ولا يبده علانية»، يعني: لا يقوم على المنابر وفي الصحف ووسائل التواصل ويتكلم على هذا الظالم أو ذاك الحاكم، فلربما بطش بأمة بأكملها. فالسلف كانوا يحذرون من ذلك. فإذا معنى البيت: تباعد عن السلطان، ولا تقرب منه، وكذلك احذر من قوته وشدته، ولا تنازعه إذا قال شيئاً، فإنه سيفعل، ولم يبالِ، اعتماداً على قوته وعلى مكانته. فهذا البيت فيه التحذير من منابدة ولاة الأمور. ثم قال: لا تلي الحكم وإن سألوا رغبة فيك وخالف من عزل قوله: "لا تلي"، يعني: لا تتولى الحكم، والحكم المراد به: الحكومة والقضاء. أي: لا تكن والياً عليهم، لا تكن والياً عليهم ولا قاضياً لهم، أي: الناس. وإن سألوا القضاء، وإن طلبوا منك هذا المنصب وهذه الوظيفة، إن قالوا لك: نحن نريدك قاضياً وحاكماً، لا تقبل ذلك. "وإن سألوا رغبة فيك": سألوا رغبة في توليك هذا المنصب، لا تتولى هذا القضاء أو هذا الحكم. "وخالف من عزل": أي اترك الشخص الذي لامك وأنكر عليك تركك القضاء، لا تطعه، ولا تستجب له. ولو تذكرون قد أخذنا في ترجمة الناظم ابن الوردي أنه قد تولى القضاء، تولى القضاء فترة من الزمن، ثم بعد ذلك رفض الاستمرار في القضاء، فخرج من هذه الوظيفة، مع أن الحاكم يرغب في بقائه، لكنه رفض ذلك. ولذلك الآن هذه الأبيات، هذا البيت وعدة أبيات تأتي بعده، كلها تتعلق بالتحذير من تولي القضاء. وكما يقال: اسأل مجرباً ولا تسأل طبيباً، فقد جرب هذا وقال ما قال في هذه الأبيات عن تجربة، عن تجربة عاشها رحمه الله تعالى. ولذلك كان السلف يفرون من القضاء مع ورعهم وتقواهم وعلمهم وتمكنهم في الأحكام، ومع هذا كانوا يفرون من القضاء، يهربون. ربما أحدهم سافر وهرب لأنه علم أن الولاة أو السلطان أرادوا منه ذلك، فيخشى أن يلزموه وأن يفرضوا عليه ذلك، فيهربون. بل ذُكر عن أحدهم أنه لما طلب منه القضاء، تظاهر بأنه مجنون، حتى يقال: هذا لا يصلح أن يكون قاضياً، لا يصلح أن يكون قاضياً، لأنهم يعلمون خطورة هذا الأمر، وأنه من تولى القضاء فقد ذُبح بغير سكين. وقد قال عليه الصلاة والسلام كما عند أبي داود وغيره: «القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في الجنة». فالذي في النار: الأول الذي لم يعلم الحق وقضى بخلافه، والثاني الذي علم الحق وقضى بخلافه، هذان في النار. والثالث الذي هو في الجنة: الذي علم الحق وقضى به، علم الحق وقضى به. فالقضاء باب فتنة، وهذا هو الواقع اليوم: كم من قاضٍ مشهور بالرشوة والعياذ بالله، وأخذ أموال الناس بالباطل، حتى يغضي بما يهواه ذلك المعطي. ولذلك جاء في حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن الإمارة والقضاء: «من الإمارة، بل هي سلطة مستقلة كما هو معلوم، لا تتدخل فيها أي سلطة أخرى». ما حكم القاضي؟ فكأنه هو الحاكم، ما على ولي الأمر العام إلا أن يوقع على حكم القاضي، ما يتدخل الحاكم. القاضي هو الذي يقضي ويحكم، فهو في الحقيقة إمارة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر في الإمارة: «إنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها». والحديث في صحيح مسلم من حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وهذا الحديث فيه أيضاً أن من القضاء من يوفق إلى الحكم بالعدل والحق، فهذا له أجر، لكنه موضع فتنة. ولذلك ما يأمن العلماء على أنفسهم الثبات في هذا الموضع، ما يأمنون على أنفسهم الثبات، ولذلك كانوا يهربون من القضاء، يهربون من القضاء. وابن الوردي ما قال ذلك إلا عن خبرة وعن تجربة. "لا تلي الحكم وإن سألوا رغبة فيك، وخالف من عزل": يعني من إذا امتنعت من القضاء، يعني: تركك وغضب عليك وهجرك، لا تبالِ به، فإنه لا ينفعك يوم القيامة. فهذا فيه التحذير من ذلك. ثم قال: إن نصف الناس أعداء لمن ولي الأحكام هذا إن عدل وكيف إذا لم يعدل؟ ومعنى البيت: يعني لا تلي الأحكام، يعني: لا تتولى الأحكام من القضاء وغيره، لأن نصف الناس أعداء لمن ولي الأحكام. وكما قيل: إرضاء الناس غاية لا تدرك. فإذا قلت بالحق غضب المبطل، فأصبح عدواً لك. فنصف الناس أعداء لمن يقول الحق ويعمل بالحق ويقضي بالحق. قال: "هذا إن عدل"، أي: كون نصف الناس أعداء لمن ولي الأحكام، هذا ثابت إن عدل فيما بينهم ولم يظلم أحداً. فإن لم يعدل، عاداه جميع الناس، بل وغضب عليه مولاه سبحانه وتعالى. وهذا البيت بمنزلة العلة والسبب لما قبله، كأن قائل يقول: يا ابن الوردي، لماذا تنهى عن تولية القضاء؟ فقال: لأن نصف الناس أعداء لمن ولي الأحكام، هذا إن عدل. فلا تقل: أنا سأعدل وأنا سأفعل، فستقع في عدم رضا بعض الناس ولا محالة. فإذن ليس معنى هذا أن أهل الخير وأهل الصلاح لا يتولون هذا مطلقاً، بل إن رأى العالم فشُوَّء الظلم في القضاء وظهور الفساد، فلربما يجب عليه إن دعي إلى القضاء أن يرضى ويوافق، حتى يقلل من الشر والفساد. وهذا من فقه العلماء. ولكن، إن وجد العدل، أو هناك اختيار بين جماعة من العلماء في تولي القضاء، فلا ترغب ولا ترضى لنفسك، بل اجعل غيرك يتولى ذلك. فإذن المسألة فيها تفصيل. وهذا ليس في القضاء فحسب، بل حتى في غيرها من المسؤوليات. إذا رأيت مثلاً فساداً في إدارة من الإدارات، فجاء عندك المدير وقال لك: أنت رأينا فيك الخير والصلاح، وفلان الذي هو يمسك هذا المنصب إنسان فاسد، ما نريده، نريدك أن تحل محله. إذا رأيت أنك ستقضي على هذا الفساد أو تخفف، فربما يجب عليك ذلك، لماذا؟ لأن في ذلك خيراً، وقضى على الشر وتخفيفاً له. فإذن يفهم هكذا، ليس ذمّ القضاء مطلقاً. وإلا فهناك علماء أجلاء في هذا الزمان تولوا هذا المنصب، ونفع الله بهم، فنشروا العدل والحق بين الناس. فالمسألة إذن فيها تفصيل، وليس على إطلاقها، والله تعالى أعلم. طيب، نكتفي بهذا. أعلم ترجمة نانسي قنقر