التعليق على منظومة السير إلى الله للسعدي 2

الدرس في التعليق على منظومة السير إلى الله للسعدي 2، ألقاها

مقدمة في شروط قبول العمل

العمل لا يقبل إلا بشرطين أساسيين هما الإخلاص لله والمتابعة لشريعة النبي عليه الصلاة والسلام. هذه الشروط ضرورية لقبول العمل عند الله.

تفصيل شروط قبول العمل عند الله

يتكرر التأكيد على أن العمل لا يقبل عند الله إلا إذا توفر فيه شرطان: الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. أي عمل يخلو من هذين الشرطين يكون باطلا.

صفات السعداء في الأعمال الصالحة

السعداء يتميزون بجمعهم بين الإخلاص والمتابعة لشريعة النبي في أعمالهم، ويُشدد على أهمية هاتين الصفتين في الأعمال الصالحة. الخاتمة تكون بالصلاة على النبي وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعدي رحمه الله في منظومته في السير إلى الله والدار الآخرة: «فهم الذين قد أخلصوا في مشيهم متشرعين بشرعة الإيمان». قال رحمه الله: هاتان القاعدتان، وهما الإخلاص والمتابعة، شرط لكل عبادة ظاهرة وباطنة، فكل عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل، وكل عمل لا يكون على سنة رسول الله فهو مردود. فإذا اجتمع للعمل الإخلاص للمعبود، وهو أن يراد بالعمل وجه الله وحده، والمتابعة للرسول، وهو أن يكون العمل قد أمر به، فهذا هو العمل المقبول. فقوله: «فهم الذين قد أخلصوا في مشيهم»، أشار بهذا إلى الشرط الأول من شروط قبول العمل، وهو الإخلاص لله جل وعلا. وقوله: «متشرعين بشرعة الإيمان»، أشار به إلى الشرط الثاني من شروط قبول العمل، وهو المتابعة لشريعة النبي عليه الصلاة والسلام. والإخلاص والمتابعة هما شرطا قبول العمل، فالعمل الذي يعمله الإنسان يتقرب به إلى الله جل وعلا لا يقبل منه إلا بهذين الشرطين: أن يكون خالصا لله، وأن يكون موافقا لشريعة الله جل وعلا. أما الإخلاص، فأدلته كثيرة، منها قول الله جل وعلا: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾، وقوله جل وعلا: ﴿قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين﴾، وغيرها من الآيات. وهكذا أيضا ما جاء في صحيح الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله عز وجل: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه». وهكذا أيضا المتابعة، أن يكون هذا العمل مما جاءت به الشريعة، مما أمر الله عز وجل به أو رسوله عليه الصلاة والسلام. ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، متفق عليه من حديث عائشة رضي الله عنها. من أحدث في أمرنا هذا، أي في ديننا هذا، ما ليس منه، أي ليس من الدين، والدين ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، وما دل عليه كتاب الله جل وعلا وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، فمن أحدث فيه ما ليس منه فهو مردود على صاحبه، غير مقبول منه. وفي رواية للإمام مسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». وربنا جل وعلا يقول: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾. ولا يكون العمل صالحا حتى يكون خالصا صوابا، كما قال الفضيل بن عياض رحمه الله: «خالصا لله، وصوابا موافقا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم». فهذا الأمران: الإخلاص والمتابعة، شرطا لكل عبادة، كما قال رحمه الله: «شرط لكل عبادة ظاهرة وباطنة». فكل عبادة، سواء كانت الظاهرة كالصلاة والصيام والزكاة والحج وغيرها، أو كانت باطنة كالخوف والرجاء والرغبة والرهبة والإنابة والتوكل وغيرها من أعمال القلوب، كلها لا تصح إلا بالإخلاص والمتابعة. فكل عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل، ولو كان موافقا لشريعة الله جل وعلا، لكن خلا من الإخلاص. كمن صلى، لكن لم يرد بهذه الصلاة وجه الله، وإنما أراد بها الرياء، أراد أن يرائي بها الناس، وأن يثني الناس عليه بأنه عابد وأنه مصلي وأنه كذا، بطل هذا العمل ولم يقبله الله سبحانه وتعالى، كما في الحديث القدسي الذي سمعناه: «من عمل عملا أشرك معي فيه غيري، فردته وشركه». وقوله عليه الصلاة والسلام: «أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الخفي»، فسئل عنه فقال: «الرياء». فإذا رأى العامل في عمله، ولو كان العمل موافقا لشريعة الله جل وعلا، فإن عمله مردود، لماذا؟ لعدم الإخلاص. قال: «وكل عمل لا يكون على سنة رسول الله فهو مردود»، ولو كان مخلصا فيه، لكنه على غير هدي النبي عليه الصلاة والسلام، فإنه مردود. فلو صلى صلاة لم تكن على هدي النبي عليه الصلاة والسلام، وهو مخلص في هذه الصلاة، لم تقبل. كمن يصلي الصلوات الخمس في آخر جمعة من رمضان، هذه الصلاة محدثة، ولو كان أصل الصلاة مشروع، لكنها بهذه الهيئة وهذه الكيفية وهذه الصفة ما صلاها النبي عليه الصلاة والسلام، فمن صلاها وهو مخلص لله جل وعلا في هذه الصلاة، فهي صلاة مردودة، لماذا؟ لأنها ليست على هدي النبي عليه الصلاة والسلام. أو كذلك أيضا من ذكر الله جل وعلا وتعبد لله بالذكر وأخلص لله في ذلك، لكن هذا الذكر لم يكن من هدي النبي عليه الصلاة والسلام، بل أتى بذكر محدث، فإنه لا يقبل منه ويكون مردودا. قال: «فإذا اجتمع للعمل الإخلاص للمعبود، وهو أن يراد بالعمل وجه الله وحده، والمتابعة للرسول، وهو أن يكون العمل قد أمر به، فهذا هو العمل المقبول»، أي: لا بد من اجتماع كلا الأمرين: الإخلاص والمتابعة، لا بد أن يكون هذا العمل مخلصا فيه لله، ويكون كذلك موافقا لهدي رسول الله عليه الصلاة والسلام. فإذا أخلص ولم يكن موافقا لهدي النبي عليه الصلاة والسلام، كان العمل بدعة محدثة. ولو كان موافقا لهدي النبي عليه الصلاة والسلام ولم يكن فيه مخلصا لله، فهو مشرك. ولهذا كان الناس مع الإخلاص والمتابعة على أربعة مراتب: المرتبة الأولى من جمعوا بين الإخلاص والمتابعة، وهؤلاء هم أهل الإيمان والتقوى الذين أعمالهم مقبولة وصحيحة. ومنهم من ليس عنده إخلاص ولا متابعة، وهؤلاء الأشقياء المحرومون. ومنهم من ربما عنده إخلاص وليس عنده متابعة، وهؤلاء أهل البدع والمحدثات. والقسم الرابع من عندهم متابعة وليس عندهم إخلاص، وهؤلاء هم أهل الشرك والرياء. فأرفع هذه المراتب هم مراتب السعداء الذين قد جمعوا بين الإخلاص والمتابعة. ولهذا المؤلف رحمه الله لما ذكر أن هؤلاء هم الذين سعدوا، ذكر في أوائل صفاتهم أنهم جمعوا في أعمالهم بين الإخلاص والمتابعة لشريعة النبي عليه الصلاة والسلام. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على