الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 75، ألقاها
المحور يحذر من مخالطة أهل الأهواء والبدع ومجادلتهم، حيث يمكن أن يتأثر المرء بشبهاتهم ويبتعد عن الحق. يستشهد بأقوال السلف في التحذير من مجالستهم.
يناقش حكم السلام على المبتدع وهجرهم، حيث يجوز ترك السلام على من أحدث في دين الله إذا كان داعيًا للبدعة. يشمل التفريق بين الدعاة والعوام من أهل البدع.
الهجر لأجل الدين يجوز أكثر من ثلاثة أيام، ويشمل مقاطعة أهل البدع والأهواء، وهو من النصيحة وليس من الغيبة المحرمة، بل يحمل على أنه تحذير للناس من اتباعهم.
يناقش رأي جمهور السلف في جواز ذكر الرجل المبتدع للتحذير منه، حيث يعتبر ليس من الغيبة المحرمة، واستند إلى اعتبارات شرعية تتعلق بالتحذير من البدع.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه: «باب اجتناب الأهواء». سيذكر في هذا الباب بعض الآثار عن السلف في أمرهم باجتناب أهل الأهواء والبدع وعدم مجالستهم، وكذلك عدم مجادلتهم ومخاصمتهم، وذلك حتى يسلم المرء من الوقوع فيما وقعوا فيه، أو كذلك أيضًا من سماع الشبه التي ربما تكون عند هؤلاء القوم من أهل الأهواء، فتقع في قلبه فتكون سببًا في زيغه، والقلوب ضعيفة والشبه خطافة، فلذلك كان السلامة أن يجتنب السني مجالسة أهل الأهواء والبدع، سلامة لقلبه وسلامة لاعتقاده وسلامة لدينه ومنهجه. قال رحمه الله: «أخبرنا سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن أيوب أبي تميم السختياني قال: قال أبو قلابة -هو عبد الله بن زيد الجرمي-: لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم، فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم أو يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون». وهذا الأثر صحيح. يقول أبو قلابة رحمه الله محذرًا من مجالسة أهل الأهواء: لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم، أي لا تحضروا مجالسهم، إن كانت لهم مجالس فلا تحضر هذه المجالس، أو كذلك إن كان المراد به شخصًا معينًا من أهل الأهواء فلا تجالسوه. وهكذا أيضًا لا تجادلهم، لماذا؟ قال: فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم. ربما تجالسهم فتسمع الشبهة وتسمع الكلمة منهم فتقع في قلبك فتتأثر بها، وما تدري إلا وقد صرت منهم. وهكذا أيضًا رغم تجادلهم فيأتي لك بشبهة لا تستطيع أن تردها فتقع في قلبك فتتأثر بها، ففي الأجل ذلك السلامة أن تبتعد وتجتنب. قال: «أو يلبس عليكم ما كنتم تعرفون»، أي من الحق والهدى، فبسبب هذه الشبهة يتلبس عليك الأمر فتترك ما كنت تعرفه من الهدى والخير. وكم من ناس ممن كان على الصراط المستقيم على المنهج القويم فتساهل في هذا الأمر فجالس أهل الأهواء وجادلهم، فما مرت الأيام إلا وإذ به معهم ويدافع وينافح عنهم. ومن هؤلاء مثلًا على سبيل المثال عمران بن حطان الخارجي، عمران بن حطان كان سنيًا كما ذكر أهل العلم، فتزوج امرأة خارجية قيل أنها ابنة عمه وتأثر بها حتى صار رأسًا من رؤوس الخوارج. قال: «أخبرنا سليمان بن حرب قال: حدثنا حماد بن زيد عن أيوب قال: رآني سعيد بن جبير جلست إلى طلق بن حبيب فقال لي: ألم أرك جلست إلى طلق بن حبيب؟ لا تجالسنه». وهذا الأثر صحيح. يقول أيوب -من أبي تميم السختياني-: رآني سعيد بن جبير -الإمام في الحديث والتفسير تلميذ بن عباس رضي الله تعالى عنهما- جالسًا إلى طلق بن حبيب، وطلق بن حبيب كان عنده تأثر بمذهب المرجئة، فلما رأى سعيد بن جبير يجالسه حذره، قال: لا تجالسنه، لا تجالسنه، وذلك لأجل ألا يتأثر بما عنده من هذا المذهب الباطل. قال رحمه الله: «أخبرنا أبو عاصم قال: أخبرنا حيوة بن شريح قال: حدثني أبو صخر عن نافع عن ابن عمر أنه جاءه رجل فقال: إن فلانًا يقرأ عليك السلام، قال: بلغني أنه قد أحدث، فإن كان قد أحدث فلا تقرأ عليه السلام». وهذا الأثر صحيح. عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما جاءه رجل فقال: إن فلانًا يقرأ عليك السلام -يعني يبلغه السلام- رجل يسلم عليه، فقال ابن عمر: بلغني أنه قد أحدث -أحدث يعني وقع في بدعة- فإن كان قد أحدث -يعني كان هذا صحيحًا أنه قد وقع في بدعة- فلا تقرأ عليه السلام، أي لا تبلغه السلام. فكأنه يقول: أنا لا أسلم عليه ما دام أنه قد أحدث في دين الله جل وعلا ما ليس منه. وهذا فيه جواز ترك السلام على المبتدع إذا وقع في البدعة أو أحدث في دين الله ما ليس منه، وكان من الدعاة إلى البدعة والضلال، فمثل هذا يجوز ترك السلام عليه، ولا يأثم الإنسان بذلك؛ لأن مثل هذا لا يستحق أن يسلم عليه، بل يجب أن يهجر. والأصل في ذلك هو ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام مع كعب بن مالك وصاحبيه حين تخلفوا عن غزوة تبوك، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بهجرهم، أمر الصحابة أن يهجروهم، فهجروهم حتى تركوا السلام عليهم. كان يأتي كعب يسلم على بعضهم ولا يرد عليه السلام، لا يردون عليه السلام. وهذا استدل به أهل العلم على جواز هجر أهل البدع والأهواء، ومن ذلك ترك السلام عليهم. وهذا كما قال أهل العلم يكون لمن كان داعيًا إلى البدعة ومنافحًا عنها. أما عوام الناس الذين هم -يعني- أتباع وجهلاء وعوام، هؤلاء يسلم عليهم، إلا من عرف منه العناد والشقاق، فهذا يلحق بهؤلاء المبتدعة، أما من كان تابعًا عميا جاهلًا هذا يسلم عليه وينصح ويبين له -يعني- الصواب والحق والهدى، بخلاف دعاة البدع والضلال. وإذا كان الأمر كذلك فلا يدخل هذا في النهي عن المقاطعة والمهاجرة، ﴿النبي صلى الله عليه وسلم يقول: من هجر أخاه فوق ثلاث فهو كسفك دمه﴾، وقال: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام». هذا إذا كان في أمور دنيوية، إذا كانت المقاطعة لأمر دنيوي يجوز للمسلم أن يهجر أخاه ثلاثة أيام فقط، يقع بينك وبين أخيك شيء فيقع في نفسك منه أمر فتهجره، لا تتهجره يومًا ويومين وثلاثة أيام، بعد ثلاث الأيام لا يجوز لك أن تستمر في المهاجرة والمقاطعة، فإما أن تبدأ بالسلام وإما أن يبدأ هو، وإن بدأ رددت السلام، وإن بدأت أنت فذلك أفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فخيرهما الذي يبدأ بالسلام»، الذي يقطع هذه المهاجرة فيبدأ بالسلام. هذا في الأمور الدنيوية. أما إذا كان في أجل الدين فإنه يجوز الهجر أكثر من ثلاثة أيام. ولما أورد الإمام الدارمي رحمه الله هذه الأحاديث قال: هذا إذا كان لأجل الدنيا، أما إذا كان لأجل الدين فليس من هذا في شيء. فيدخل المهاجرة والمقاطعة لأجل الدين في هذه الأحاديث، فهي محمولة على ما إذا كان ذلك في شيء من أمور الدنيا، أما في أمور الدين فيجوز الهجر أكثر من ذلك. وعلى هذا يحمل الآثار الواردة عن السلف في الأمر بهجر ومقاطعة أهل البدع والأهواء. وغبط هذا عن جمع من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كما صح عن ابن عمر حين قال له أحد أبنائه -لما ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يمنع الرجل زوجته أو أهل زوجته أن يذهبوا إلى المسجد- فقال أحد أبنائه: «والله لنمنعهن»، فقال له ابن عمر: «أقول قال رسول الله وتقول والله لنمنعهن؟ ما أكلمك أبدًا». وجاء رضي الله عنه حدث أو رأى أحد أقاربه يخذف -يخذف أي يرمي بالحصى- حصى الخذف، فنهاه وقال: «إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن مثل هذا، وقال: إن الخذف لا يصيد صيدًا ولا ينكي عدوًا، وإنما يكسر السن ويفقأ العين»، فعاد فخذف، قال: «وحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تعود وتخذف؟ لا أكلمك أبدًا». قال رحمه الله: «وأخبرنا مخلد بن مالك قال: حدثنا عبد الرحمن بن مغراء قال: حدثنا الأعمش قال: كان إبراهيم لا يرى غيبة للمبتدع». وهذا الأثر صحيح. يقول الأعمش رحمه الله -سليمان بن مهران-: كان إبراهيم -يعني النخعي- لا يرى غيبة للمبتدع، يعني أن الكلام فيه ليس من الغيبة، ليس من الغيبة المحرمة. يرى أن المبتدع ليس له غيبة؛ كون الإنسان يذكره ويحذر منه هذا ليس من الغيبة، بل هذا من النصيحة. إذا كان الرجل مبتدعًا فمن النصيحة أن تحذر الناس منه، أن تحذر الناس منه. وفي هذا فائدتان: الأولى أنك تخفف عنه من ذنوبه، تخفف عنه من ذنوبه الذي سيتحملها في متابعة الناس له فيما هو فيه من البدع والضلال، كما قال الله عز وجل: ﴿يحملون أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون﴾، فهو يتحمل أوزار من يضلهم، فأنت لما تحذر الناس تخفف من أتباعه وحينئذ تخف عليه ذنوبه. والأمر الثاني هو تحذير الناس منه حتى لا يغتروا به ولا يتبعوه فيقعوا في الضلال والانحراف والزيغ. فلأجل هذا كان التحذير من أهل البدع والأهواء من النصيحة، وليس من الغيبة المحرمة. وكما قال القائل: «القدح ليس بغيبة في ستة: في معرف ومحذر وظالم ومجاهر فسقًا ومستفت ومن طلب الإعانة في إزالة منكر»، فهذه الأمور ذكر الشخص فيها ليس من الغيبة، ومنها التحذير، التحذير من أهل البدع والأهواء، فهذا ليس من الغيبة. وهذا قول جمهور السلف، هذا قول جمهور السلف أن ذكر الرجل المبتدع للتحذير منه أن هذا ليس من الغيبة المحرمة. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.