الدرس في مختصر فقه الأسماء الحسنى 21، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح الشيخ أسماء الله العلي والأعلى والمتعال مبيناً دلالتها على علو الله المطلق في ثلاثة أوجه: علو الذات بالاستواء على العرش ومباينة الخلق، وعلو القدر بكمال الصفات، وعلو القهر بالسلطان على المخلوقات. ويرد على أهل الحلول والاتحاد مستدلاً بآيات الاستواء الدالة على علو الله ومباينته لخلقه.
يستعرض المقطع أكثر من ألف دليل قرآني وسنّي على علو الله ذاتاً كقوله ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ﴾ وصعود الأعمال والملائكة إليه ونزول الوحي منه، وحديث الجارية والإسراء والمعراج. ثم يبين علو القدر أي عظمة صفاته التي لا تماثلها صفات المخلوقين مستدلاً بآيات التنزيه والتميز.
يبيّن المقطع معنى علو الله القهري الذي يقهر به كل شيء وتخضع له الخلائق أجمعين. ثم يوضح أن الإيمان بهذا الاسم يورث العبد تعظيماً لله وذلاً وانكساراً بين يديه، وينزّهه عن النقائص، ويخلص عبادته لله وحده دون سواه.
يؤكد المقطع أن لا أحد أعلى من الله تعالى، مما يستلزم ترك الأنداد والابتعاد عن عبادة غير الله. ويختتم بالتأكيد على الاكتفاء بهذا البيان في تقرير علو الله المطلق.
طيب، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: قال الشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد -حفظهما الله تعالى-: «أسماء الله العلي الأعلى المتعال»، وجمع هذه الأسماء لتقارب معانيها لتقارب معانيها، وسيأتي معنى ما معنى هذه الأسماء. ودليل هذه الأسماء: قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾، ﴿الْعَلِيُّ﴾، وقال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرِ الْمُتَعَالِ﴾، والآيات في هذا كثيرة، خصوصاً اسم الله العلي، ولكن المؤلف كتابه هذا مختصر، فيقتصر على ذكر دليل واحد لكل اسم لكل اسم، وإلا فهناك حتى أدل من السنة. وقال: وهذه الأسماء تدل على علوه المطلق، العلي تدل على علو الله سبحانه وتعالى المطلق الذي لا تدركه العقول ولا كذلك تتصوره الأذهان، وهو علو مطلق بجميع الوجوه والاعتبارات. قال: فهو العلي علو ذات. علو الله عز وجل ثلاثة أقسام: علو الذات، أي أنه سبحانه وتعالى بذاته على عرشه، فهو فوق جميع مخلوقاته سبحانه وتعالى، فهذا علو الذات. وهناك علو القدر، أي في صفاته، وصفاته سبحانه وتعالى غاية في الكمال والجلال. وهكذا علو القهر، فهو عالٍ على جميع خلقه بسلطانه وحكمه، فنواصي جميع العباد بيده سبحانه وتعالى، وهو الذي يدبر شؤونهم، وكذلك يحكم فيهم بحكمه سبحانه وتعالى. وهذا معنى هذه الأسماء: العلي، الأعلى، المتعال، علي، وأعلى، ومتعال في ذاته وصفاته وقهره سبحانه وتعالى. قال: فهو العلي علو ذات، قد استوى على العرش، وعلا على جميع الكائنات، وباينها، ومعنى باينها: يعني لم يختلط بها، وهذا فيه رد على الحلولية والاتحاد الذين يقولون: إن الله عز وجل معنا مختلط بنا، فالله عز وجل مباين لخلقه سبحانه وتعالى. قال تعالى: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، وقال تعالى في ست آيات من القرآن: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، أي: على وارتفع عليه، علو يليق بجلاله وكماله وعظمته سبحانه. وأدلة علو الله عز وجل في القرآن جاءت أكثر من ألف دليل، بأدلة مختلفة: فتارة يصرح الله عز وجل بأنه فوق عباده، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ﴾، وتارة يصرح بأنه سبحانه وتعالى تصعد إليه الأعمال، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾، والصعود يكون من أسفل إلى أعلى. وتارة يصرح بالعروج: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾. وتارة يصرح بنزول الوحي من عنده سبحانه وتعالى، والنزول يكون من أعلى إلى أسفل، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾، ﴿وَأَنزَلْنَا﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، نزول القرآن منه سبحانه وتعالى، منه نزل عز وجل. وهكذا تارة يصرح بأنه في السماء: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ﴾. وهكذا في السنة: حديث الجارية في مسلم: «أين الله؟» قالت: في السماء، قال: «أعتقها فإنها مؤمنة». وهكذا في حادثة الإسراء والمعراج: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾. وهكذا مراجعة النبي عليه الصلاة والسلام لربه، ينزل إلى السماء، يلاقي نبي الله موسى، يقول: «إن أمتك لا تطيق ذلك»، فيصعد النبي عليه الصلاة والسلام إلى ربه. أدلة واضحة بينة على علو الله عز وجل، أدلة كثيرة، وقد جمع العلماء فيها مصنفات وكتب، كالإمام الذهبي في كتابه «العلو» ونحو ذلك. وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والعقل والفطرة كذلك. فهذا علو الذات. قال: وهو العلي علو قدر، وهو علو وهو علو صفاته وعظمتها، فإن صفاته فإن صفاته عظيمة لا يماثلها ولا يقاربها صفة صفة أحد، يعني لا يشبه سبحانه وتعالى بخلقه، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وهو السميع البصير. وقال عز وجل: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. فصفاته عظيمة لا يماثلها ولا يقارنها صفة مخلوق، بل لا يطيق العباد أن يحيطوا بصفة واحدة من صفاته، فكل ما تخيله المتخيلون وتصوره المتصورون في صفة واحدة فقط من صفات الله عز وجل، فإن هذه الظنون وهذه التخيلات لا تحيط بهذه الصفة ولا تدركها سبحانه وتعالى. هذا هو علو القدر. وهو العلي علو قهر، حيث قهر كل شيء، كل شيء تحت حكمه وقهره وملكه وسلطانه، يفعل في عباده ما يشاء، ولو كان هذا المخلوق من أعظم الملوك سلطاناً وقهراً للعباد، فالله عز وجل فوقه وأعلى منه، فيقهره، وهكذا يذله سبحانه وتعالى. قال: فلا، قال: ﴿وَدَانَتْ لَهُ الْخَلَائِقُ بِأَسْرِهَا﴾، فجميع الخلق نواصيهم بيده، فلا يتحرك منهم متحرك، ولا يسكن ساكن إلا بإذنه، وما شاء كان، وما لم يشاء لم يكن سبحانه وتعالى. هذا علو القهر. ثم قال: والإيمان بعلو الله على خلقه يورث العبد، يعني آثار الإيمان بهذه الأسماء: المؤمن إذا آمن حق الإيمان بعلو الله عز وجل، يورث ذلك في قلبه هذا الأمر العظيم، وهو تعظيم الله، يعلم أن الله فوقه، وأن الله قاهر، وأن الله صفاته عليا، فيعظم الله ويجل الله، فيؤثر ذلك في قلبه. ولذلك قال: الإيمان بعلو الله على خلقه يورث العبد تعظيماً لله، وذلاً بين يديه. استشعر وأنت تسجد في الصلاة وتقول: «سبحان ربي الأعلى»، انظر إلى هذا الدعاء أو الذكر في هذا الموضع: أنت على الأرض، تضع أعلى عضو من أعضاء جسدك في الأرض ذلاً لله عز وجل، وتقول: «سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى»، تنزيهاً لله عز وجل العلي سبحانه وتعالى. هذا يورثك الذل والانكسار بين يدي الله سبحانه وتعالى. ولذلك قال: وذلاً بين يديه، وانكساراً له، وتنزيهاً له عن النقائص والعيوب. فهو علو، فهو عالٍ سبحانه وتعالى في ذاته، وفي قدره، وفي قهره لخلقه سبحانه وتعالى، فهذا يورث في قلبك تنزيه الله. ولذلك جاء في دعاء السجود: «سبحانه»، أي: أنزه الله تنزيهاً، لأنه هو الأعلى. وكل ذلك من ثمار الإيمان بهذا الاسم، وانكساراً له، وتنزيهاً له عن النقائص والعيوب، وإخلاصاً في عبادته. كذلك يورثك هذا الإخلاص لأن الله عز وجل على خلقه سبحانه وتعالى، فهو مطلع عليهم، وبعداً عن اتخاذ الأنداد والشركاء. قال الله: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾. فمن ذا الذي هو أعلى من الله حتى يعبد، وحتى يذل، وحتى يخشع له؟ من ذا الذي هو أعلى من الله؟ لا أحد. فهذا يورثك كذلك ترك الأنداد، والبعد عن عبادة غير الله سبحانه وتعالى. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. ترك ترجمة ترجمة ترجمة ترجمة ترجمة