الدرس في مختصر فقه الأسماء الحسنى 30، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يوضح هذا المحور أن اسم الله الحكيم ورد كثيراً في القرآن مقروناً بأسماء أخرى، ويدل على كمال الحكم والحكمة لله تعالى بوضع الشيء في موضعه. وتظهر هذه الحكمة جلية في خلقه وشرعه الذي يناسب طبيعة الإنسان ولا يكلفه إلا وسعه، فلا يعترض على حكمته أحد.
يبيّن المقطع أن كمال الحكم ثابت لله وحده فيحكم بين عباده بالشرع والقدر بما يشاء ولا معقب لحكمه. ويشمل الحكم الشرعي أحكام القصاص والحجاب والميراث والطلاق، بينما يتجلى الحكم القدري في المرض والصحة والرزق، مما يقتضي الرضا والتسليم لعلم الله بما يصلح العباد.
يؤكد هذا المحور أن الإيمان بأن الحكم كله لله يورث العبد طمأنينة ورضاً بالقضاء، فيستخير الله واثقاً بوضع كل شيء في موضعه لحكمة بالغة. كما يوضح أن عدم التوفيق للسفر أو لأي أمر مرغوب يكون لحكمة إلهية، فيستحب للمسلم أن يحمد الله ويثق بحكمته البالغة.
الحمد لله محمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الشيخ عبد الرزاق عبد المحسن العباد حفظه الله تعالى في كتابه «مختصر فقه الأسماء الحسنى»: «اسم الله الحكيم». قال: وقد ورد اسم الله الحكيم في القرآن الكريم ما يقرب من مئة مرة، يعني ذكر هذا الاسم في القرآن عدداً كثيراً. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. وأكثر ما يذكر هذا الاسم مقترناً باسم آخر، مقترناً باسم آخر، ليدل مع ذلك الاسم الآخر على زيادة معنى، فهو حكيم عن خبرة، وحكيم عن عزة، وهكذا. قال: وهذا الاسم العظيم دال على ثبوت كمال الحكم لله، وكمال الحكمة، وكمال الحكمة، فهو يدل على هذين المعنيين، وسيأتي ما معنى كمال الحكم، وما معنى كمال الحكمة. قال: أما كمال الحكمة فبثبوت الحكمة له سبحانه في خلقه، وفي أمره وشرعه، حيث يضع الأشياء مواضعها وينزلها منازلها، وهذا هو أصل مادة الحاء والكاف والميم، فالحكمة هي وضع الشيء في موضعه. فالشيء الذي يحتاج إلى لين فوضع اللين في هذا الموضع من الحكمة، والشيء الذي يحتاج إلى شدة فوضع الشدة في هذا الموضع حكمة. فليست الحكمة هي اللين مطلقة، وليست هي الشدة مطلقة، بل وضع الشيء في موضعه. فكمال حكمة الله عز وجل تكون في خلقه، فخلقه غاية في الحكمة، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. وهكذا في أمره وشرعه، فكل الأحكام الشرعية شرعها ربنا عز وجل عن حكمة وإتقان، فشرع من الأحكام ما يناسب خلق هذا الإنسان، فلم يشرع له، أو فلم يشرع لهذا الإنسان حكماً لا يطيقه ولا يستطيعه، كما قال الله عز وجل: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وكما قال سبحانه وتعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ الآية، وكما قال الله عز وجل: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾. فالله عز وجل شرع لنا من الشرائع ما يناسب خلقنا وما يناسب طبيعتنا، وهذا من حكمة الله عز وجل في خلقه وفي أمره وشرعه. قال: حيث يضع الأشياء مواضعها وينزلها منازلها، ولا يتوجه إليه سؤال، ولا يقدح في حكمته مقال، لا يعني لا يعترض على حكم الله ولا على خلق الله. فقد يكون في ظاهر هذا الأمر، أو في ظاهر هذا الفعل من أفعال الله عز وجل، أنه ليس في موضعه هذا، بحسب ما ظهر لهذا الإنسان، وإلا فالله عز وجل له الحكمة البالغة، كما قال الله عز وجل: ﴿بَلْ لِلَّهِ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ﴾. فالله عز وجل يأمر ويخلق ويختار ما يشاء لحكمة، علمها من علمها وجهلها من جهلها، فلا يتوجه إليه سؤال: لماذا ولماذا، ولا يقدح في حكمته مقال، لا يعترض على حكم الله عز وجل، لأن له كمال الحكمة في خلقه وفي أمره وشرعه، أمره الكوني وفي أمره كذلك الشرع بما يشرع لعباده من الأحكام. فهذه هي كمال الحكمة، هذا هو معنى كمال الحكمة. قال: وأما كمال الحكم فبثبوت أن الحكم لله وحده، يحكم بين عباده بما يشاء ويقضي فيهم بما يريد، لا راد لحكمه ولا معقب لقضائه. هذا معنى كمال الحكم. فالله عز وجل يحكم فيك بما شاء، يحكم فيك بما شاء، سواء كان حكمه القدري أو حكمه الشرعي. فحكم الله عز وجل فيك: إن قتلت نفساً عمداً فبالقصاص أو بالدية إذا عفى أهل الميت، هذا حكم الله، فلا يأتي كافر أو علماني ويقول: لا، هذا حكم جائر، وهذا حكم عفى عليه الزمن. هذا كفر، لأن الله عز وجل يحكم بين عباده بما شاء، فهذا حكم الله. أو يأتي آتٍ ويقول: لماذا تتحجب المرأة؟ الآن عصر التطور وعصر الانفتاح، إذن المرأة تواكب العصر، فلا تغطي شعرها، ولا كذلك تلبس شيئاً على صدرها أو على عنقها أو نحو ذلك. يقال: الله عز وجل حكم بذلك، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾. حكم الله، وهكذا في الميراث، وهكذا في أحكام الطلاق، وهكذا في المعاملات، وهكذا في غيرها من أحكام هذه الشريعة. فهذا معنى قوله: أن الحكم لله وحده، وهذا هو الحكم الشرعي. كذلك الحكم القدري، فالله عز وجل حكيم فيما يقضي سبحانه وتعالى ويقدر، فيمرض هذا ويشفي هذا، ويرزق هذا ويمنع هذا، ويهب لهذا الذكور ويهب لهذا الإناث، ويزوج بعضهم بالذكران والإناث. هذا حكم الله القدري، فلا تعترض تقول: ليش يا رب عطيت فلان ما عطيتني؟ لا، الله عز وجل حكيم، لعل الفقر، لعل الفقر خير لك من الغنى، فأنت في هذه الحال لربما على خير، على دين، على استقامة، فلو أغناك الله لطغيت وبغيت وأسرفت بالمعاصي والذنوب، وكما قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾. فالله عز وجل له الحكمة فيما يعطي وفيما يمنع، وهذا هو الحكم القدري، هذا معنى قوله: «وأما كمال الحكم فبثبوت أن الحكم لله وحده، يحكم بين عباده بما يشاء ويقضي فيهم بما يريد، لا راد لحكمه». لا ترد حكم الله، تقول: الحمد لله، لعل الله عز وجل أراد لي خيراً بذلك، وكما قال الله عز وجل: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾، وكما قال الله عز وجل: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. فهذا مما يقتضيه الإيمان باسم الله الحكيم، أنك ترضى بما قدر الله عز وجل وحكم سبحانه وتعالى. قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾، الحكم الشرعي والحكم القدري. وقال تعالى: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾، لا أحد يشارك الله عز وجل في الحكم، فهو الذي يحكم بين عباده. قال: وليس لأحد أن يراجع الله في حكمه كما يراجع الناس بعضهم بعضاً، أو بعضهم بعضاً في أحكامهم. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. فحكمه في خلقه نافذ ولا راد له، فلا يقاس الخالق بالمخلوق، المخلوق بشر قد يصيب ويخطئ، وقد يعلم ويجهل، فإذا حكم في أمر ما قد يراجع ويقال له: حكمك خطأ، والصواب كذا وكذا. أما الرب سبحانه وتعالى فلا راد لحكمه ولا معقب لقضائه سبحانه وتعالى، فخلقه وحكمه في خلقه نافذ لا راد له. قال: وثبوت الحكم له سبحانه يتضمن ثبوت جميع الأسماء الحسنى، لأن الحكيم يقتضي أن يكون حياً قيوماً، سميعاً بصيراً، عليماً خبيراً، مدبراً، ونحو ذلك من الأسماء الأخرى. فهذا معنى قوله: «وثبوت الحكم له سبحانه يتضمن ثبوت جميع الأسماء الحسنى والصفات العليا»، لأنه لا يكون حاكماً إلا سميعاً بصيراً عليماً خبيراً متكلماً مدبراً، إلى غير ذلك من الأسماء الحسنى. ومما كذلك يقتضيه الإيمان بهذا الاسم: طمأنينة القلب، وانشراح الصدر، بما قد ينزل على العبد من المكاره والابتلاءات، لأنه يعلم أن الذي حكم له بذلك هو الحكيم الخبير سبحانه وتعالى، فلا ينزعج ولا يقلق إن أصيب بشيء من مصائب هذه الدنيا، وإنما يرضى بقدر الله، ويعلم أن الله سبحانه وتعالى أراد به خيراً، لأن الله عز وجل حكيم يضع الشيء في موضعه، ونزول هذا البلاء هو وضع الشيء في موضعه. فإن أصبت بمرض، لعل عليك ذنوباً كثيرة، أراد الله عز وجل أن يحطها عنك، ما عندك من العبادة أو من الدعاء أو من الاستغفار ما كان سبباً في غفران هذه الذنوب، فابتلاك الله عز وجل بهذا المرض فيكون سبباً في تطهيرك وفي تكفير ذنوبك، والله يعلم وأنتم لا تعلمون. ربما سعيت في وظيفة أو في حرفة فاعترضتك العوارض والصوارف فلم توفق إلى هذه الحرفة أو إلى تلك الوظيفة، فاعلم أن الله عز وجل أراد بصرفك عن هذه الحرفة أو تلك الوظيفة خيراً، لعل ما تصلح لك هذه الوظيفة، تكون سبباً في شقائك، تكون سبباً في ضلالك، في انحرافك، في طغيانك، فسلم الأمر لله. ولذلك شرع للمسلم إن أراد أن يقدم على أمر ما أن يستخير الله، ويدعو الله، وما هو الدعاء في هذا في الاستخارة؟ «اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر» وتسميه «خيراً لي في ديني ودنياي وآخرتي فيسره لي»، انظر: إن كنت تعلم أن هذا خيراً لي فأوكّل الأمر إلى الله. فالله عز وجل هو الحكيم العليم الخبير سبحانه وتعالى، فيسر لك ما يعلم سبحانه وتعالى أنه خير لك، لأنه هو الحكيم سبحانه وتعالى، لأنه هو الحكيم سبحانه وتعالى. فإذا كنت كذلك تعيش في راحة وفي سعادة وفي طمأنينة، لا تنزعج ولا تقلق. أردت أن تسافر فلم توفق إلى ذلك، قل: الحمد لله، الله عز وجل علم أن في سفري هذا لا خير لي فيه، علم أن سفري هذا لا خير لي فيه فصدني عنه، الحمد لله، الله عز وجل حكيم. وهكذا في غيرها من الأمور التي يرغبها الإنسان فلا يوفق إليها، فيعلم أن الله سبحانه وتعالى له في ذلك الحكمة البالغة. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى، شكراً للمشاهدة.