الدرس في كتاب النكاح والطلاق 20، ألقاها
العدة هي مدة تتربصها المرأة لسبب شرعي، والحكمة منها استبراء الرحم وصيانة الأنساب. دليل مشروعيتها من الكتاب والسنة والإجماع.
العدة أنواعها مختلفة وتشمل عدة الوفاة وعدة الفراق، ولكل نوع أحكامه ومدته. العدة مهمة لصيانة الأنساب وحماية حق الحمل.
عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام إذا لم تكن حاملا، وتنتهي بوضع الحمل إذا كانت حاملا. هذه المدة تشمل الأيام والليالي.
بسم الله الرحمن الرحيم بالأشهر في الأجل، هذا العد والإحصاء سميت العد بذلك. قال: وشرعا اسم لمدة معينة تتربصها المرأة تعبدا لله عز وجل، أو تفجعا على زوج، أو تأكدا من براءة رحم. اسم لمدة معينة تتربصها المرأة، يعني تتربصها، بمعنى تنتظر فيها، فلا تتزوج خلال هذه الفترة حتى تنتهي. وأخذ هذا التربص من قول الله جل وعلا: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، وقول الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾. تعبدا لله يعني هذا التربص، وهذه العدة قد تفعلها المرأة تعبدا، أن تعبد الله بذلك، أن الله عز وجل تعبدها بذلك، كمن مثلا عقد عليها وهي صغيرة، عقد عليها وهي صغيرة، ثم مات زوجها قبل أن يدخل بها وقبل الزواج، فهذه تتربص، وإن كانت صغيرة، هذا التربص تعبدا، تعبدا لله. أو كمن عقد عليها الرجل ثم مات قبل أن يدخل بها، وهي لا تعرفه، فهنا قد ما يحصل التفجع على الزوج، لكن مع ذلك تتربص تعبدا لله. تتربص تعبدا لله، أو تفجعا على الزوج إذا كان هذا بعد الدخول والحياة والعشرة بين الزوجين، فيموت الرجل، فتفجع المرأة بموته وفراقه، فيلزمها أن تتربص مدة هذه الوفاة حتى تنتهي عدتها. أو كذلك أيضا تأكدا من براءة الرحم، كمن طلقت وهي من ذوات الحيض، فإنها تتربص ثلاثة قرء، حتى يتأكد من براءة رحمها من وجود حمل. ومن وجود حمل، وهكذا أيضا في عدة الوفاة، كذلك من حكمه، كما سيأتي، التأكد من براءة الرحم من وجود حمل. قال: والعدة من آثار الطلاق أو الوفاة، يعني تعتد إما لأجل طلاق، لكونها طلقت، أو لأجل أن زوجها توفي. قال: دليل مشروعية العدة، الأصل في وجوب العدة ومشروعيتها الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب، قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، والمطلقات يتربصن، يتربصن خبر وفعل مضارع، لكن يراد به الأمر، يراد به الأمر، كأنه قال: والمطلقات ليتربصن. يتربصن بأنفسهن ثلاثة قرء، فدلت الآية على وجوب التربص، أوجوب العدة. قال: وقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾، وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن، يعني قوله جل وعلا: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ إذا طلقت وهي ممن قد يئست من الحيض، وسيأتي تفصيل ذلك وبيان ما هو الصواب في تحديد زمن الإياس، فتعتد ثلاثة أشهر. واللائي لم يحضن، يعني كذلك عدتهن ثلاثة أشهر إذا طلقت. وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن، يعني عدتهن تنتهي بوضع الحمل. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾، وهذه في المتوفى عنها زوجها، أمر الله عز وجل أن تتربص وأن تعتد أربعة أشهر وعشرة. قالوا: أما السنة، فحديث المسور بن مخرمة رضي الله عنه «أن سبيعة الأسلمية رضي الله عنها نفست بعد وفاة زوجها بليال، فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنته أن تنكح، فأذن لها فنكحت» والحديث في الصحيحين. قالوا: وغير ذلك من الأحاديث الدال على وجوب العدة. قال: الحكمة من مشروعية العدة، الحكمة من ذلك استبراء رحم المرأة من الحمل، لألا يحصل اختلاط الأنساب. يعني إذا طلقت فقد تكون حاملا، فأمر الله عز وجل أن تتربص إما ثلاث قرء، وإما ثلاث أشهر، حتى يتأكد من براءة رحمها من الحمل. أو كذلك إذا مات زوجها فتتربص أربعة أشهر وعشر، حتى يتأكد كذلك من براءة رحمها من الحمل، لألا يحصل اختلاط. فلو أنها مثلا طلقت، قد تتزوج مباشرة، قد تكون حامل من زوجها الأول، فيأتي الثاني، ثم يظهر الحمل، ويظن أنه من الثاني، هو من الأول، فينسب إلى الثاني مع أنه للأول، فيحصل ماذا؟ اختلاط في الأنساب، وتضيع لها. قالوا أيضا: إتاحة الفرصة للزوج المطلق ليراجع نفسه إذا ندم، وكان طلاقه رجعيا، هذا أيضا من الحكم في العدة. إذا كان الطلاق رجعيا، يعني يملك فيه الرجل إرجاع زوجته، كأن يكون طلق طلقة واحدة، طلقة الأولى، أو طلق الأولى وراجع، ثم طلق الثانية، كذلك يملك إرجاعها. فكونها في أثناء العدة، في أثناء العدة، مثلا طلقها وهي طاهر، في طهر لم يجامع فيه، فحاضت الحيضة الأولى، وهو في خلال هذه الفترة يراجع نفسه، ثم ندم، أراد أن يرجع، يجد مجال، عنده مجال وعنده فرصة للرجوع، ما زالت المرأة في أثناء عدتها، بعد لم تنتهي العدة بعد، يستطيع إرجاعها. قال: وأيضا صيانة حق الحمل إذا كانت المفارقة عن حمل، صيانة حق الحمل، يعني إذا فارقها وهي حامل، مثلا طلقها وهي حامل، أو مات وهي حامل، فلا تزوج خلال هذه الفترة حتى تضع حملا، صيانة لهذا الحمل، حتى لا يختلط ماذا؟ ماء الرجل الأول بغيره، ويكون ذلك حماية له، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم «أن توطأ حامل» نهى أن توطأ حامل، يعني من غير الزوج، حتى تضع، حتى تضع. وقال عليه الصلاة والسلام: «من سقى ماءه ماء غيره، أو لا يسقي أحدكم ماءه زرع غيره» يعني حمل غيره، فهذا لا يجوز، حماية لهذا الحمل. قال: مسألة: الثانية أنواع العدة. قال: تنقسم عدة المرأة إلى قسمين، الأول عدة وفاة، والثاني عدة فراق. يعني العدة اعتداد المرأة إما أن يكون عن وفاة، وإما أن يكون عن فراق، يكون عن فراق من الزوج حي، أو يكون عن وفاة وموت الزوج. قال: أولا عدة الوفاة. قال: هي عدة تجب على من مات عنها زوجها، ولا يخلو الحال فيها من أمرين، الأول إما أن تكون حاملا، والثاني أو تكون غير حامل. يعني المتوفى عنها زوجها إما تكون حامل من زوجها، أو تكون غير حامل. قال: فإن كانت حاملا، فعدتها تنتهي بوضع الحمل، ولو بعد ساعة من وفاة زوجها، لقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، ولحديث المسور بن مخرمة رضي الله عنه «أن السبيعة الأسلمية رضي الله عنها نفست بعد وفاة زوجها بليال، فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنته أن تنكح، فأذن لها فنكحت» والحديث في الصحيحين. إذن إذا كانت حامل وتوفي عنها زوجها، فعدتها تنتهي بوضع الحمل، إذا وضعت ما في بطنها. والمراد بوضع الحمل، أي كله، بوضع الحمل كله، لقول الله جل وعلا: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، حمل ماذا؟ مفرد مضاف، فيفيد العموم. فيفيد العموم، فلو كان في بطنها اثنان، فوضعت الأول، لم تنتهي عدتها حتى تضع الثاني. قال: ولو بعد ساعة من وفاة زوجها، يعني إذا مات الزوج، وبعد ساعة وضعت، انتهت عدتها، انتهت عدتها، لقول الله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. هذه الآية خصت ذوات الحمل، أنها إذا كانت حاملا، فأجلها وانتهى عدتها بوضع حملها، سواء كانت مطلقة، طلقت، يعني كانت عدتها من طلاق، أو كانت من وفاة، أو كانت من وفاة. فهذه الآية خاصة من وجه، وعامة من وجه، فهي خاصة في ذوات الأحمال، خاصة بذوات الأحمال، وعامة من حيث سبب الفراق، سواء كان بطلاق أو وفاة. وأما آية البقرة: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾، هذه الآية خاصة بالمتوفى عنها زوجها، خاصة بالمتوفى عنها زوجها. وهنا مسألة خلاف بين أهل العلم، إذا كانت المتوفى عنها زوجها حامل، هل تعتد بالحمل، أو تعتد بأربعة أشهر وعشرة؟ هنا المؤلف يقول بأنها تعتد بوضع الحمل، تعتد بوضع الحمل. إذا توفي زوجها وهي حامل، فإنها تعتد بوضع الحمل، هذا والصحيح الذي عليه جماهير أهل العلم، أن عدتها بوضع حملها تنتهي بوضع حملها، ودليل ذلك حديث سبيعة، توفي زوجها وبعدها بليال وضعت حملا، فأجاز لها النبي عليه الصلاة والسلام أن تتزوج، فدل هذا على أن الحامل تنتهي عدتها بوضع حملها. وبعض الصحابة رضي الله عنهم ذهب إلى الجمع بين الآيتين، كابن عباس وعلي رضي الله تعالى عنهما، فقال: بأن المتوفى عنها زوجها تعتد بأبعد الأجلين، تعتد بأبعد الأجلين. ما معنى أبعد الأجلين؟ قالوا: إذا كانت حاملا، ووضعت حملها قبل أربعة أشهر وعشر، اعتدت بالأربعة أشهر وعشر، لأنها هي الأبعد. وإن وضعت بعد الأربعة أشهر وعشر، فتعتد بالحمل، تنظر ما هو الأبعد من الأجلين، فتعتد به. وهذا القول قول قوي، في الجمع بين الآيتين والعمل بهما، لولا حديث سبيعة الأسلمية، فهو نص صريح في أن الحامل تعتد بوضع حملها مطلقا، تعتد بوضع حملها مطلقا، وهذا هو الصحيح، ولو وضعت بعد موت الزوج بساعة، فإن عدتها انتهت، انتهت. قال: وإن كانت غير حامل، فعدتها أربعة أشهر وعشرة أيام. وهذه تعتد مطلقا، سواء دخل بها الزوج أم لم يدخل، لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. قال: ولم يرد ما يخصص هذه الآية. قال: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾، والمرأة إذا عقد عليها فيزوجها، وإن لم يدخل بها، لو أن رجلا عقد على امرأة، ثم مات قبل أن يدخل بها، وجب عليها أن تعتد أربعة أشهر وعشرة، لأنها زوجة. والله يقول: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾، فهذه زوجة، وإن لم يدخل بها، واجب عليها أن تعتد. ويدل على ذلك ما جاء عند أهل السنن، وفي مسند الإمام أحمد، من حديث المشعث بن قيس رضي الله عنه «أنه سئل عن امرأة عقد عليها زوجها، ثم مات قبل أن يدخل بها، فقال رضي الله عنه: عليها العدة، ولها المهر، ولها الميراث». ثم شهد أحد الصحابة رضي الله عنهم، وهو معقل بن سنان، «أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بنحو ذلك في بروع بنت واشق، توفي عنها زوجها قبل أن يدخل بها، فقضى النبي عليه الصلاة والسلام أن لها الميراث، وعليها العدة، ولها المهر». فحكم النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الحكم، فدل على أن المرأة تجب عليها العدة إذا توفي زوجها قبل أن يدخل بها. قال: وغيره بقوله جل وعلا: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾، فيه كذلك أن الزوجة تعتد أربعة أشهر وعشرا، سواء كانت كبيرة أو كانت صغيرة، فعليها العدة. فعليها العدة، حتى لو كانت طفلة، يعني مثلا لو عقد الرجل على صبية عمرها عشر سنين أو خمس، عقد عليها ثم مات. قال أهل العلم: تلزم بتجنب كل ما فيه زينة، تجنب كل ما فيه زينة، كما تتجنب الكبيرة الزينة. إذن هذا حكم المرأة إذا كانت غير حامل، ومات عنها زوجها، فإنها تعتد أربعة أشهر وعشرة. المرأة بالعشر، أي عشرة أيام بلياليها، عشرة أيام بلياليها، أربعة أشهر وعشرة، عشرة أيام بلياليها، هذه عدة المتوفى عنها زوجها إذا كانت غير حامل. نكتفي بهذا القدر إلى هنا، صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.