الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 53، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يبيّن المقطع أن ترك السنن من أسباب ذهاب الدين، وأن الاعتصام بالسنة نجاة ونجاح في الدنيا والآخرة. ويؤكد أن مجالس العلم ومذاكرته سبب لثبات القلب والحياة، وتعد خيراً من نوافل العبادات لكونها أساس الفقه والنجاة.
يؤكد المقطع وجوب الحرص على طلب العلم النافع في كل الأوقات ليرتبط المسلم بكتاب الله وسنة نبيه، مستشهداً بقول الإمام أحمد أن الحاجة للعلم بعدد الأنفاس. ويحذر من أن الجهل يوقع في البدع والضلال، وأن ابتداع البدع يستلزم نزع السنن المقابلة لها ولا تُعاد إلى يوم القيامة.
يؤكد المقطع أن بقاء الإسلام مضمون لكن ذهاب أهل السنة يؤدي لانتشار البدع والشرك، فهم الصالحون الذين يصلحون المجتمعات بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وغيابهم يترك الناس ضالين بلا هادٍ فيظنون الخرافات ديناً، لذا على طالب العلم معرفة أسباب ذهاب الدين كالجهل وترك السنن ليحذرها.
يؤكد المقطع على وجوب التفقه في الدين والتمسك به لأن المسلم خُلق للعبادة والتوحيد، ولا يمكنه إقامة دينه دون علمه. ويذكر أن طلب العلم فريضة على كل مسلم كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، لذا يجب على المسلم حفظ ما لا يجهل من أمور دينه.
بسم الله الرحمن الرحيم ما زلنا في الباب الذي هو أسباب ذهاب الدين، وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه النهي عن التقليد، وهكذا أيضًا ترك السنن من أسباب ذهاب الدين. قال المؤلف حفظه الله تعالى: وقال سمعت ابن عمر، قال المؤلف: وقال سمعت ابن عمر يقول: «ما ابتدعت بدعة إلا زادت مضيًا، ولا تركت سنة إلا زادت هويًا». وهذا تقدم الأثر معنا أن البدع إذا ابتدعت فإنها تذهب بالسنن، وأيضًا العكس أن السنن إذا انتشرت تذهب بالبدع، فالواجب إحياء السنن حتى تذهب البدع. وقال الزهري رحمه الله، وهو محمد بن مسلم الشهير بالإمام الزهري محمد بن مسلم بن شهاب، قال رحمه الله: «كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاح، والعلم يقبض قبضًا سريعًا، فنعش العلم ثبات الدين والدنيا، وفي ذهاب العلم ذهاب ذلك كله». وهذا الأثر صحيح، قد تقدم معنا في رقم ١٢. يقول الزهري رحمه الله: الاعتصام بالسنة نجاح، يعني من تمسك بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم نجاح من المهالك ومن الفتن في هذه الدنيا. يقول الإمام مالك رحمه الله: «السنة كسفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهوى». فمن يعتصم بالله سبحانه وتعالى بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم فإنه لا شك ناج. وقال: «والعلم يقبض قبضًا سريعًا»، وتقدم في حديث ابن عمر أن قبض العلم بقبض العلماء. «ونعش العلم ثبات الدين والدنيا»، ونعشه يعني مذاكرته، عندما يجلس في حلقات العلم ويتذاكر مع إخوانه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا عندما يستمع وعندما يكتب وعندما يقرأ، كل ذلك من نعش العلم، وعندما يخطب ويدعو إلى الله جل وعلا، ففي هذا ثبات للدين والدنيا أيضًا، يعلم كيفية معاشه في حياته الدنيا إذا كان على علم وبصيرة. وقد كان السلف رحمهم الله يشغلون أوقاتهم في مذاكرة العلم، فيجلسون الساعات الطوال قراءة وكتابة ونحو ذلك من أجل أن تحيا قلوبهم، فحياة القلوب إنما تكون بالكتاب والسنة. قال: «فنعش العلم ثبات الدين والدنيا»، إذا أردت أن الله عز وجل يثبتك في حياتك الدنيا فاحرص على حضور مجالس العلم، هذه المجالس المباركة. وقال عطاء: هي مجالس الحلال والحرام، كيف تصلي، كيف تزكي، كيف تصوم، كيف تحج. ويعتبرون أن هذه المجالس، وجلوس ساعة واحدة في طلب العلم، خير لك من نوافل العبادات، يعني خير من أن تتنفل فتصلي كذا وكذا ركعة، وهكذا أيضًا نوافل العبادات الأخرى، خير منها طلب العلم، لأن طلب العلم هو عبارة عن الحياة، عبارة عن حياة الشخص، وهكذا أيضًا ثباته في هذه الحياة الدنيا على الكتاب والسنة، وأيضًا نجاته يوم القيامة، فكل هذا يحصل بطلب العلم. إذا كنت فقيهًا عرفت ما لك وما عليك، ولا يحصل لك الفقه في الدين بالجلوس على الدكك أو الأسواق، أو الجلوس في البيوت بدون فائدة، أو المشي في الطرقات، ما يحصل بهذا العلم. والفقه في الدين إنما يحصل عليه بالحرص، عندما يجلس في بيوت الله عز وجل ويستمع لآية قرآنية أو حديث نبوي أو أثر عن الصحابة والتابعين، فهنا يحصل العلم بالكتاب والسنة. لهذا الله الله في إعمار الأوقات فيما يشغلك في العلم النافع، فلو خرجت من المسجد وعندك حاجة لا بأس أن تقضيها، ولكن إذا ذهبت إلى بيتك لا تجلس بهللة، يعني اشغل وقتك بما فيه خير لك، فاقرأ كتابًا أو استمع إلى شريط أو نحو ذلك مما يفقهك في دين الله جل وعلا. حاجتنا إلى العلم كما قال الإمام أحمد كحاجتنا إلى الطعام والشراب، بل هي أشد، فإن الطعام والشراب نحتاجه في اليوم مرتين أو ثلاثة، ولكن العلم نحتاج له كما قال بعدد الأنفاس، بعدد أنفاسك تحتاج للعلم، لأنك عندما تخرج إلى المسجد ماذا تقول، عندما تدخل إلى المسجد ماذا تقول، إذا ذهبت إلى بيتك ماذا تقول، خرجت من بيتك ماذا تقول، جلست على طعامك ماذا تقول، فرغت من طعامك ماذا تقول، دخلت إلى خلائك ماذا تقول، خرجت من خلائك ماذا تقول، أتيت أهلك ماذا تقول، وهكذا في المعاملات الأخرى، فلابد من البصيرة، يعني يكون الشخص عنده بصيرة وهدى ونور وعلم نافع ينتفع به، فتكون حياته كلها مربوطة بقال الله وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكأنه يستحضر ويستذكر الأدلة عندما يمشي وعندما يتعامل مع الناس وعندما يقعد وعندما يفعل العبادات والطاعات الأخرى. قال: «فنعش العلم ثبات الدين والدنيا»، يعني تثبت ويثبتك الله عز وجل بالعلم النافع، كنت على بصيرة تعرف المحق من المبطل، والصواب من الخطأ، والحق من الباطل، تميز تمييزًا يكون بالعلم، ما يكون بالجهل أبدًا، تقوم بالعلم النافع. «وفي ذهاب العلم ذهاب ذلك كله»، يعني ذهاب الاعتصام، ذهاب الثبات، إذا كنت جاهلًا ما تعرف أهل الحق من أهل الباطل، ما تعرف أهل السنة من أهل البدعة والضلالة، فقد تنغمس مع أهل البدع والأهواء بسبب أنك غير متعلم، غير متفقه لكتاب ربك وسنة نبيك صلى الله عليه وسلم، فتهلك مع الهالكين والعياذ بالله، تدخل في بدعة، تدخل في فكر منحرف. والآن ازدادت الطوائف والأحزاب في الساحة، فكم من شباب ذهبوا مع هذه الأهواء والتقلبات، كما يقول: تقلبات جوية، ترى حرًا ترى بردًا، وهكذا هذا الإنسان. قال حسان بن عطية رحمه الله: «ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها، ثم لا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة». انظروا كلام هذا التابعي: «ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها»، يعني إذا انتشرت البدعة تنزع السنن جزاء وفاقًا والعياذ بالله، فليحذر المسلمون على إحياء سنن رسولهم صلى الله عليه وسلم. «ثم لا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة»، ثم لا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة لأنهم استمروا على هذه البدعة. قال الأوزاعي رحمه الله إمام أهل الشام: «أما إنه ما يذهب الإسلام»، يعني الإسلام لا يذهب، إسلام باقٍ إلى قيام الساعة، ولكن يذهب أهل السنة حتى ما يبقى في البلد منهم إلا رجل واحد، وربما لا يبقى، يذهب أهل السنة. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يذهب الصالحون الأول فالأول، ثم تبقى حثالة، حثالة من الناس ما فيهم صلاح، ما فيهم خير، ما يدعون إلى كتاب ولا إلى سنة ولا إلى حق ولا إلى هدى». الصالحون هم أهل السنة لأنهم يحيون سنة النبي عليه الصلاة والسلام، يصلحون أنفسهم وهم الغرباء، فهم صالحون يعملون بالكتاب والسنة، عندهم صلاح. الصالح من هو الصالح؟ الصالح من قام بحقوق الله وحقوق عباده، هذا تعريف الصالح، عرف حق الله فأداه، وعرف حقوق الناس فأداها، هذا يقال له رجل صالح. يذهب الصالحون، وليس هناك صالحون مثل أهل السنة والجماعة في البلد، فإذا ذهبوا ماذا يبقى؟ يبقى الحثالة من الناس الذين مرجت عهودهم، ويبقى والعياذ بالله الضلال والشر في هذه المجتمعات. فوجود السنة في مجتمع خير لهذا المجتمع لأنه صالح، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويقوم بحقوق عباد الله عز وجل، ويصبر عليهم، ويدعوهم إلى الله عز وجل، فهو كالشعلة والنور الذي يضيء في ذلك المكان. فلذلك وجود السنة في المجتمعات يعتبر خير، وذهاب السنة من هذه القرى أو المدن أو المجتمعات يعتبر شر للناس لأنهم ما سيرجعون إلى من يدلهم، من يدلهم على الطريق الصحيح، فتبقى تنتشر البدع والخرافات، تنتشر الشركيات. انتشرت الشركيات في بلادنا هذه بسبب ماذا؟ بسبب علماء الضلالة، علماء السوء، قلت أهل السنة، أو قل ما كان أحد من أهل السنة موجود في تلك الأزمان التي انتشرت فيها البدع والخرافات، الناس قاموا ووجدوا الآباء والأجداد على حالة هذه، يذهبون إلى القبور والزيارات والأضرحة، والمساجد مليئة بالبدع والخرافات، فظنوا هذا الدين، ينشأ الطفل ويذهب إلى المسجد وفيه هذه البدع والخرافات فيظن أن هذا هو الذي يدان الله عز وجل به، وهذا هو الدين. لكن لما وجد أهل السنة وحاربوا هذه الخرافات والبدع والشركيات، عرف الناس بعد ذلك أن هذا ليس هو الدين الصحيح الذي كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام. فوجود أهل السنة في المجتمعات يعتبر خير وبركة لهم. فإذا هذا الباب باب مهم يعتني به طالب العلم، يعلم ما هي الأسباب التي تؤدي إلى ذهاب الدين، فيحرص على إزالتها في نفسه، يحرص على إزالتها في نفسه، كالجهل، وهكذا أيضًا الخشوع، وترك السنن، هذه من أسباب ذهاب الدين. إذا كان الشخص جاهلًا ما يعرف أين دينه، كيف تصح عبادته، وهكذا أيضًا إذا كان تاركًا للسنن، ما عنده الدين، ما يؤدي السنن بالشكل المطلوب منه، وهكذا أيضًا ما عنده خشوع، فأسباب ذهاب الدين عظيمة. يحرص الطالب والمسلم على ماذا؟ على التفقه في دين الله جل وعلا، وعلى التمسك بهذا الدين الصحيح حتى لا يذهب دينه الذي يدين الله عز وجل به، لأنه خلق للعبادة، خلق للتوحيد، خلق لإقامة هذا الدين، فكيف يقيمه وهو لا يعلمه؟ لهذا ينبغي علينا التفقه والتعلم لأننا مطالبون بذلك، طلب العلم فريضة على كل مسلم، هكذا قال نبينا صلى الله عليه وسلم، جاء عن جماعة من الصحابة: فريضة. إذن هناك أمور لا يمكن أن تجهلها أنت أيها المسلم، تحافظ عليها بقدر المستطاع. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا في الدين، والحمد لله رب العالمين.