الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 53، ألقاها
يتناول المقطع شرحاً لعقيدة أهل السنة والجماعة في الإيمان بالملائكة والنبيين والكتب المنزلة كجزء من الإيمان الستة. يشير إلى أهمية الإيمان بهذه الأركان.
الإيمان بالملائكة يشمل الإيمان المجمل بأن الله خلقهم من نور وأرسلهم، والإيمان المفصل بخصائصهم وأفضلهم جبريل وميكايل وإسرافيل. هؤلاء الملائكة يتفاضلون ولهم خصائص ومهام محددة.
الملائكة مخلوقات مسخرة عند الله، لهم خصائص ومهام محددة، ورأى النبي جبريل عليه السلام مرتين، وقد وصفه بأنه سد الأفق وله ستمائة جناح، مما يدل على عظمة جبريل.
بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، فأخذنا في الدرس الذي مضى في العقيدة الطحاوية قول المؤلف رحمه الله: «ونقول إن الله اتخذ إبراهيم خليلا، وكلم الله موسى تكليما، إمانا وتصديقا وتسليما»، وذكرنا صفة الخلة لله جل وعلا، وكذلك الكلام، وإن شاء الله يأتي إن شاء الله مزيدا في هذه الصفات. قال رحمه الله: «ونؤمن بالملائكة والنبيين والكتب المنزلة على المرسلين، ونشهد أنهم كانوا على الحق المبين، ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين، ما داموا بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم معترفين، وله بكل ما قاله وأخبر مصدقين». فهذه العبارات أو هذه الجمل فيها مسائل من مسائل الاعتقاد التي يجب على المسلم أن يؤمن بها وأن يعتقدها. ومن ذلك قوله: «ونؤمن بالملائكة والنبيين والكتب المنزلة على المرسلين، ونشهد أنهم كانوا على الحق المبين»، أي الملائكة والنبيين، وكذلك الكتب هي حق أنزلها الله سبحانه وتعالى على عباده المؤمنين. فلهذا، فهذه الأمور يجب على المؤمن أن يؤمن بها. «ونؤمن بالملائكة والنبيين والكتب المنزلة على المرسلين»، فالإيمان بالملائكة من أركان الإيمان الستة التي ذكرت في حديث جبريل عليه السلام، لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أركان الإيمان، فذكر له الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره. فالإيمان بالملائكة من أركان الإيمان الستة التي أمر الله عز وجل بها. والملائكة لغة، قيل أنها من الملأك، والملأك هو أيضا من الألوكة، وهي الرسالة. الألوكة معنى الرسالة، ملك أو ملأك، ملأك أو ملاك، والمراد به ألكة، معنى أرسل، أرسل، فهو من الألوكة، الألوكة معروف في لغة العرب معنى الرسالة. والملائكة معنى الرسل، كما قال الله عز وجل: ﴿الله يصطفي من الملائكة رسل ومن الناس﴾، فالملائكة هم رسل، لكنهم رسل في أشياء يخصها الله عز وجل بهم. فمعنى الملائكة في اللغة هم الرسل. والملك ليس الملك الذي يملك شيئا، وأما الملك هو المرسل، الملك هو المرسل، فهذا معنى الملك في اللغة. والإيمان بالملائكة إيمان مفصل وإيمان مجمل، إيمان مجمل أي بأن الله عز وجل خلق ملائكة، خلقهم من نور، وأرسلهم الله عز وجل، وجعلهم سبحانه وتعالى من المخلوقات، وجعلهم ممن لا يعصي الله سبحانه وتعالى. وكما قال ربنا جل وعلا: ﴿لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون﴾. وهؤلاء الملائكة جعل الله عز وجل أو جعلهم يتفاضلون، وجعل لهم مضائف. فأفضل الملائكة بإجماع العلم أنه جبريل عليه الصلاة، وكذلك ميكايل وإسرافيل، وهم ما سماهم بعض العلماء ملائكة الحياة. والمراد من ملائكة الحياة أي الذين خصصهم الله عز وجل بحياة الأشياء. فجبريل عليه السلام ملك الوحي، ملك الوحي، وهو حياة القلوب، الوحي هو حياة القلوب. وميكايل جعله الله عز وجل ملكا للمطر والنبات، وهذا الذي يحيي الناس والعباد، فجعله الله عز وجل للمطر والنبات وغيرها. وإسرافيل عندما يحيي الناس بنفخه في الصور يميتهم، ثم يميتهم الله عز وجل بنفخة من نفخاته، ثم بعد ذلك أيضا ينفخ لأجل أن يقوم من القبور. فلهذا سمى العلماء كما ذكر ذلك الإمام ابن القيم رحمه الله، وذكره الإمام ابن أبي العز في شرح الطحاوية، أنهم يسمون بملائكة الحياة. وهؤلاء الملائكة كما قلنا لهم ضائف، وضفهم الله عز وجل بها، خصائص خصهم الله سبحانه وتعالى بها. وكما قلنا أنهم يتفاضلون، وأفضل ملائكة هؤلاء الثلاثة قد جاءوا في حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في صلاة الليل: «اللهم رب جبرايل وميكائيل وإسرافيل». وتقدم من ذكرنا هذا الحديث وما فيه. فهؤلاء الملائكة جعلهم الله عز وجل رسلا بينه سبحانه وتعالى وبين عباده وبين خلقه. وقول ربنا جل وعلا لهم ضائف، وضفهم بها سبحانه وتعالى خصائص، هذا ملك الجبال، وهذا ملك البحار، وهذا ملك القطر، وهذا ملك النبات، وهذا ملك كذا، فجعلهم الله عز وجل مسخرين عنده سبحانه وتعالى، فهم تحت خدمة الله جل وعلا. وجعل ربنا جل وعلا أيضا لكل ملك وكله على شيء، أحيانا يجعل له أيضا ملائكة، كما قال الله عز وجل: ﴿قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿توفته رسلنا وهم لا يفرطون﴾، أنا جعل هناك رسل، جعل هناك ملائكة هي التي تتوكل بموت هذا الميت، معنى بعد موته، بعدما يقبض ملك الموت روحه، تأتي ملائكة تأخذ روحه: «توفته رسلنا وهم لا يفرطون»، فتأخذ روحه وترجعها. فكل هذه الأشياء يفعلها هؤلاء الملائكة أيضا، هذه الريح، وهذه أيضا الأمطار، وهذه الصواعق، وهذه الرعود، وغيرها من هذه الأشياء كلها، هذه الأشياء يجعل الله عز وجل لهؤلاء الملائكة يفعلونها مثل هذه الأمور. وجعل ربنا سبحانه وتعالى الملائكة لهم أشياء كثيرة، لهم أشياء كثيرة اختصهم الله عز وجل بها. وقد جاءت في الأحاديث هناك من هو حملة العرش، كما ذكرنا قبل، حملة العرش وهم ملائكة عظام كبار، حتى قال: جاء في سنن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة حملة العرش، أنه ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام». مسيرة سبعمائة عام ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه، هذه المسافة القليلة، فإقطعها الراكب بسبعمائة عام. وأن هذا عمر عظيم، وهذا يدل على عظمة هؤلاء الملائكة وكبرهم. النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما رأى جبريل، رآه مرتين كما جاء ذلك في القرآن، فرأى جبريل أول ما رآه قد سد الأفق، له ستمائة جناح، كما جاء في حديث جابر وغيره، رأى جبريل عليه الصلاة والسلام قد سد الأفق، سد الأفق، له ستمائة جناح. وهذا يدل على عظمة هذا الملك الذي جعله الله عز وجل لرسالته سبحانه وتعالى. فهذه بعض المسائل، إن شاء الله وتعالى نكمل في درس قادم، والكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.