الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 81، ألقاها
ناقش المقطع كراهة الإطالة في التحديث وتعليم الناس، وأورد آثارًا حول كتابة الحديث واختلاف العلماء في تفسير النهي عنها. تم استعراض آراء مختلفة حول هذه المسألة.
استعرض المؤلف آراء السلف المختلفة حول كتابة الحديث، حيث كان بعضهم يكرهها بينما كان البعض الآخر يسمح بها. تم الاستشهاد بأقوال شخصيات مثل مالك بن أنس وإبراهيم النخعي.
أورد المؤلف آثارًا صحيحة تبين كراهية بعض الصحابة والتابعين لكتابة الحديث، واستدلالهم بتحذير القرآن من كتابة الكتب غير الكتاب الحكيم. كما أشار إلى حفاظهم للحديث دون كتابته.
المقطع الأخير يشير إلى انتهاء الدرس ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، معتبرًا ذلك دعاءً وتأكيدًا على أهمية النبي في الإسلام.
الحمد لله رب العالمين. يعني في تحديثهم، فكره أن يؤمن لهم بالإطالة عليهم. قال رحمه الله: أخبرنا عبد الصمد عن عبد الوارث، قال: حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله -يعني ابن مسعود- قال: لا تملوا الناس. والأثر صحيح. وقال رحمه الله: أخبرنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا أشعث -وهم نسوار- وفيه غعف، قال: عن كردوس، وكردوس هذا لعله الثعلبي ومجهول. والأثر صحيح بغير هذه الطريق، وذكره ابن ماجة من طريق معن بن عبد الرحمن عن ابن مسعود، ولم يسمع منه، فهو منقطع. ومع ذلك فالأثر صحيح لتعدد طرقه. قال: عن عبد الله بن مسعود قال: إن للقلوب نشاطا وإقبالا، وإن لها فتورا وإدبارا، فحدثوا الناس ما أقبلوا عليكم. وقال رحمه الله: أخبرنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا أبو هلال، قال: سمعت الحسن -وهو أبو الحسن البصري رحمه الله، إمام أهل البصرة- يقول: كان يقال: حدثوا القوم ما أقبلوا عليك بوجوههم، فإذا التفتوا فاعلم أن لهم حاجات. فهذه الآثار فيها كراهة الإطالة على الناس في تحديثهم، وفي تعليمهم، فكلما كان المجلس مختصرا وقصيرا كان ذلك أفضل وأنفع. فإن الإطالة سبب لملل الناس، وإذا ملّ الإنسان لم ينتبه بما يسمع، ولم ينتبه لما يقول المتحدث، فلذلك يحرص على التقصير وعدم الإطالة في تحديث الناس حتى لا يؤمن لهم. قال رحمه الله: باب من لم ير كتابة الحديث. سيذكر في هذا الباب بعض الآثار التي فيها كراهة كتابة الحديث وتدوينه، وسنذكر خلاف أهل العلم عند أول حديث يذكره المؤلف رحمه الله في هذا الباب. قال رحمه الله: أخبرنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا همام عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تكتبوا عني شيئا إلا القرآن، فمن كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه». وهذا الحديث صحيح، وقد أخرجه الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه، فقال: حدثنا هداب بن خالد الأزدي، قال: حدثنا همام به، ولفظه: «لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه». فهذا الحديث فيه نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن كتابة الحديث، وأن من كتب عن النبي صلى الله عليه وسلم غير القرآن فإنه يمحو. ففيه الأمر بمحو كتابة الحديث. واختلف السلف رحمهم الله اختلافا كثيرا في كتابة الحديث، فكرهها جماعة من أهل العلم، ومنهم ما سيأتينا في هذا الباب من الآثار عن السلف في ذلك، ومنهم من أجازها، وهم أكثر أهل العلم. ثم أجمع المسلمون على جواز كتابة الحديث، وزال ذلك الخلاف. واختلف أهل العلم في المراد بهذا الحديث الذي فيه النهي عن كتابة الحديث، فقال بعضهم: إن المراد بنهي النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث هو في حق من يوثق بحفظه ويخاف اتكاله على الكتابة، فهذا ينهى في حقه أن يكتب الحديث حتى لا يعتمد على الكتابة ويترك الحفظ. وتحمل الأحاديث الواردة بالإباحة على من لا يوثق بحفظه، كحديث: «اكتبوا لأبي شاه»، وحديث صحيفة علي رضي الله عنه، وحديث كتاب عمر بن حزم الذي فيه الفرائض والسنن والديات، وحديث كتاب الصدقة ونصب الزكاة الذي بعث به أبو بكر رضي الله عنه أنسا حين وجهه إلى البحرين، وحديث أبي هريرة أن عمرو بن العاص كان يكتب. وقيل: إن حديث النهي منسوخ، حيث إن حديث أبي سعيد هذا في النهي عن كتابة الحديث منسوخ بأحاديث الجواز، لأن أحاديث الجواز متأخرة. ومن أحاديث أبي شاه كان في حجة الوداع، لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم شيئا في خطبته في حجة الوداع، قال: «اكتبوا لي». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اكتبوا لأبي شاه». وإنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كتابة الحديث في أول الأمر خشية اختلاطه بالقرآن. فلما أمن من ذلك أذن في الكتابة. وقال بعض أهل العلم: إنما نهى عن كتابة الحديث لأن لا يختلط القرآن بالحديث فيشتبه على القارئ، فأما إذا كتب منفردا فإنه لا حرج في ذلك. ولعل الأقرب هو النسخ، فهذا النهي بأحاديث الجواز. وذكر الحافظ رحمه الله في الفتح نحو من هذه الأقوال، ورجح رحمه الله القول بالنسخ، وأنه أقرب الأقوال. على أنه زاد قولا آخر، وهو القول بإعلال حديث أبي سعيد، وأنه موقوف على أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. وذكر أن هذا قول البخاري وغيره. لكن كما سمعنا، الأرجح والأظهر هو القول بالنسخ. وعلى هذا فكتابة الحديث جائزة. وسيأتي آثار بعد هذا الباب في ذكر الآثار الواردة عن السلف في جواز كتابة الحديث. قال رحمه الله: أخبرنا أبو معمر عن سفيان بن عيينة، قال: حدثنا زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد بن الخدري أنهم استأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في أن يكتبوا عنه فلم يأذن لهم. والحديث صحيح. قال: أخبرنا بشر بن الحكم عن سفيان بن عيينة عن ابن شبرومة عن الشعبي -وهو عامر بن شراحيل رحمه الله- أنه كان يقول: «يا شباك، أرد عليك -يعني الحديث- ما أردت أن يرد علي حديث قط». قال رحمه الله: أخبرنا محمد بن أحمد بن أبي خلف، قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: سمعت مالك بن أنس يقول: حدثنا الزهري بحديث، فلقيته في بعض الطريق، فأخذت بلجامه، فقلت: يا أبا بكر، أعد علي الحديث الذي حدثتنا به. قال: وتستعيد الحديث -تطلب إعادته مرة أخرى- قلت: وما كنت تستعيد الحديث؟ قال: لا. قلت: ولا تكتب؟ قال: لا. والأثر صحيح. قال: أخبرنا محمد بن كثير عن الأوزاعي، قال: كان قتادة يكره الكتابة، فإذا سمع وقع الكتاب أنكره، والتمسه بيده. وهذا الأثر ضعيف، محمد بن كثير وهو الصنعاني ضعيف. قال: أخبرنا أبو المغيرة، قال: كان الأوزاعي يكرهه -أي يكره كتابة الحديث-. قال رحمه الله: أخبرنا محمد بن يوسف عن سفيان عن منصور أن إبراهيم كان يكره الكتاب -يعني العلم-. وهذا الأثر صحيح، وإبراهيم هو النخعي. قال رحمه الله: أخبرنا يوسف بن موسى، قال: أخبرنا أزهر عن ابن عون عن ابن سيرين، قال: لو كنت متخذا كتابا لاتخذت رسائل النبي صلى الله عليه وسلم. والأثر صحيح. قال رحمه الله: أخبرنا إسماعيل بن أبان، قال: حدثنا ابن إدريس عن ابن عون، قال: رأيت حمادا يكتب عند إبراهيم، قال له إبراهيم: ألم أنهك؟ قال: إنما هي أطراف. والأثر صحيح. قال رحمه الله: أخبرنا إسماعيل بن أبان، قال: حدثنا ابن إدريس عن شعبة عن الحكم عن إبراهيم، قال: قال لي عبيدة: لا تخلدن علي كتابا. عبيدة السلماني رحمه الله. والأثر صحيح. قال رحمه الله: أخبرنا سعيد بن عامر عن هشام، قال: ما كتبت عن محمد إلا حديث الأعماق، فلما حفظته محوته. والأثر صحيح. قال: أخبرنا مروان بن محمد، قال: سمعت سعيد بن عبد العزيز يقول: ما كتبت حديثا قط. والأثر صحيح. قال: أخبرنا عبد الله بن عمران، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا شعبة عن المغيرة عن إبراهيم، قال: ما كتبت شيئا قط. والمغيرة يدلس في رواية عن إبراهيم، فالأثر ضعيف. قال: أخبرنا عبد الله بن عمران، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا شعبة عن إسماعيل بن رجاء عن إبراهيم، قال: سألت عبيدة قطعة جلد أكتب فيه، فقال: يا إبراهيم، لا تخلدن عني كتابا. وهذا الأثر صحيح. وقال رحمه الله: أخبرنا عبد الله، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا شعبة عن الحكم عن إبراهيم عن عبيدة مثله. قال: أخبرنا يحيى بن محمد، قال: حدثنا أبو عوانة عن سليمان بن عتيك عن أبي معشر عن إبراهيم، أنه كان يكره أن يكتب الحديث في الكراريس، ويقول: يشبه بالمصاحف. وأبو معشر فيه ضعف. قال يحيى: وجدت في كتاب عن زياد الكاتب عن أبي معشر: واكتب كيف شئت. قال رحمه الله: أخبرنا محمد بن يوسف، وعبيد الله عن سفيان عن نعمان بن قيس أن عبيدة دعا بكتبه فمحاها عند الموت، وقال: إني أخاف أن يليها قوم فلا يضعونها مواضعها. وقال رحمه الله: أخبرنا الحكم -من المبارك- وزكريا بن عدي عن عبد الواحد بن زياد عن ليث وابن أبي سليم -ومختلط- وقال: ضعفه جمع من الأئمة كالإمام أحمد رحمه الله، وابن مهدي، وابن معين. بل قال الحاكم رحمه الله: مجمع على سوء حفظه. قال: علم جاهد أنه كره أن يكتب العلم في الكراريس. فالأثر ضعيف. قال: أخبرنا عبد الرحمن -وهو الأزدي ابن صالح- قال: حدثنا ابن المبارك عن الأوزاعي، قال: ما زال هذا العلم عزيزا تتلقاه الرجال حتى وقع في الصحف، فحمله أو دخل فيه غير أهله. والأثر صحيح. قال رحمه الله: أخبرنا يوسف بن موسى، قال: حدثنا أبو داود الطيالسي، قال: أخبرنا شعبة عن يونس، قال: كان الحسن يكتب، وكان ابن سيرين لا يكتب. والأثر صحيح. قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا العوام عن إبراهيم التيمي، قال: بلغ ابن مسعود أن عند ناس كتابا يعجبون به، فلم يزل بهم حتى أتوه به فمحاه، ثم قال: إنما هلك أهل الكتاب قبلكم أنهم أقبلوا على كتب علمائهم وتركوا كتاب ربهم. والأثر صحيح. قال: أخبرنا أبو النعمان، قال: حدثنا حماد بن زيد عن علي بن عون عن محمد، قال: قلت لعبيدة: أكتب ما أسمع منك؟ قال: لا. قلت: فإن وجدت كتابا أقرأه؟ قال: لا. والأثر صحيح. قال: أخبرنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا الجريري عن أبي نظرة، قال: قلت لأبي سعيد القدري: ألا تكتب؟ فإنا لا نحفظ. فقال: لا، إنا لن نكتب ولن نجعله قرآنا، ولكن احفظوا عنا كما حفظنا نحن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. والأثر صحيح. قال: حدثنا محمد بن كثير عن الأوزاعي، قال: سمعت أبا كثير يقول: سمعت أبا هريرة يقول: إن أبا هريرة لا يكتب. وهذا الأثر ضعيف، فمحمد بن كثير هو من عطاء الثقفي ضعيف، ضعفه الإمام أحمد رحمه الله، وقال: ليس بشيء، يحدث بأحاديث مناكير ليس لها أصل، كما في تهذيب الكمال. قال رحمه الله: أخبرنا أسد بن موسى، قال: حدثنا شعبة عن أبي موسى عن حميد بن هلال عن أبي بردة، أنه كان يكتب حديث أبيه، فرآه أبو موسى فمحاه. والأثر صحيح. قال: أخبرنا الوليد بن الشجاع، قال: حدثني قريش -من أنس- قال: قال لابن عون: والله ما كتبت حديثا قط. قال ابن عون: قال ابن السيرين: لا والله ما كتبت حديثا قط. والأثر صحيح. قال ابن عون: قال لي ابن سيرين: عن زيد بن ثابت، أرادني مروان -وهو أمير على المدينة- أن أكتب له شيئا، فلم أفعل. قال: فجعل سترا بين مجلسه وبين بقية داره، قال: فكان أصحابه يدخلون عليه ويتحدثون في ذلك الموضع، فأقبل، فقال مروان على أصحابه: ما أراني إلا قد خاناه. ثم أقبل علي، فقال: قلت: وما ذاك؟ قال: ما أراني إلا قد خاناك. قال: قلت: وما ذاك؟ قال: إن أمرنا رجلا يقعد خلف هذا الستر فيكتب ما تفتي هؤلاء وما تقول. قال رحمه الله: أخبرنا عفان، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: حدثنا سفيان عن منصور، قال: قلت لإبراهيم: إن سالما أتم منك حديثا. قال: إن سالما كان يكتب. والأثر صحيح. قال: أخبرنا الوليد -من هشام- قال: حدثنا الحارث -من يزيد الحمصي- عن عمر بن قيس، قال: وفدت مع أبي إلى يزيد بن معاوية بحوارين -موضع في الشام- قال: حين توفي معاوية، فعزي به وهنئ بالخلافة. فإذا رجل في مسجدها يقول: «ألا إن من أشراط الساعة أن ترفع الأشرار وتوضع الأخيار، ألا إن من أشراط الساعة أن يظهر القول ويخزن العمل، ألا إن من أشراط الساعة أن تتلى المثنات فلا يوجد من يغيرها». قيل له: من المثنات؟ قال: «ما يكتب من كتاب غير القرآن». فعليكم بالقرآن، فبه هديتم، وبه تجزون، وعنه تسألون. فلم أدري من الرجل، فحدثت بهذا الحديث بعد ذلك بحمص، فقال لرجل من القوم: أو ما تعرفه؟ قلت: لا. قال: ذاك عبد الله بن عمر. قال رحمه الله: أخبرنا أحمد بن عبد الله -من يونس- قال: حدثنا أبو زبيد -وهو عبثر- من القاسم، وهو ثقة، قال: حدثنا حسين بن عبد الرحمن عن مرة الهمداني -وهو مرة بن شراحيل الهمداني، وهو ثقة- قال: جاء أبو قرة الكندي بكتاب من الشام، فحمله فدفعه إلى عبد الله بن مسعود، فنظر فيه، فدعا بطست، ثم دعا بماء فمرسه فيه، وقال: «إنما هلك من كان قبلكم باتباعهم الكتب وتركهم كتابهم». قال حسين: فقال مرة: «أما إنه لو كان من القرآن أو السنة لم يمحه، ولكن كان من كتب أهل الكتاب». والأثر صحيح. قال رحمه الله: أخبرنا محمد بن أحمد -وهم الجراح، وهو ثقة- قال: حدثنا سفيان عن عمر عن يحيى بن جعدة -هو المخزومي، وهو أيضا ثقة، إلا أنه لم يدرك النبي عليه الصلاة والسلام، فيكون هذا الأثر مرسلا- قيل: أتي النبي صلى الله عليه وسلم بكتف -فيه كتاب- فقال: «كفى بقوم ظلالا أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إلى ما جاء به نبي غير نبيهم، أو كتاب غير كتابهم». فأنزل الله عز وجل: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ الآية. قال رحمه الله: أخبرنا سهل بن حمد، قال: حدثنا شعبة عن الأشعث عن أبيه -وكان من أصحاب عبد الله- قال: رأيت مع رجل صحيفة فيها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. فقلت: أنسخها؟ فكأنه بخل بها. ثم وعدني أن يعطينيها، فأتيت عبد الله، فإذا هي بين يديه، فقال: «إنما في هذا الكتاب بدعة، وفتنة، وضلالة. وإنما أهلك من كان قبلكم هذا وأشباه هذا، إنهم كتبوها، فاستلذتها ألسنتهم، وأشربتها قلوبهم». فأعزم على كل امرئ يعلم بمكان كتاب إلا دل عليه. وأقسم بالله -قال شعبة: فأقسم بالله- قال: أحسبه أقسم: لو أنها ذكرت له بدير لهند -أراه يعني مكانا بالكوفة بعيدا- إلا أتيته ولو مشيا. وهذا الأثر ظاهره الصحة. قال: أخبرنا زكريا بن عدي، قال: حدثنا عبيد الله بن عمر عن عبد الملك بن عمير عن أبي بردة عن أبي موسى أن بني إسرائيل كتبوا كتابا فتبعوه وتركوا التوراة. وهذا الأثر صحيح. وقد أخبر الله عز وجل بذلك عن بني إسرائيل، كما قال سبحانه: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ وغيرها من الآيات التي أخبر الله عز وجل فيها بتحريف بني إسرائيل للتوراة. قال رحمه الله: أخبرنا أبو نعيم، قال: حدثنا إسرائيل عن عثمان أبي المغيرة عن عاق المحاربي عن أبيه، قال: سمعت ابن مسعود يقول: «إن ناسا يسمعون كلامي، ثم ينطلقون فيكتبونه. وإني لا أحل لأحد أن يكتب إلا كتاب الله». قال رحمه الله: أخبرنا مالك بن إسرائيل، قال: حدثنا محمد بن فضيل عن ابن شبرمة، قال: سمعت الشعبي يقول: «ما كتبت سوداء في بيضاء، ولستعدت حديثا من إنسان». وهذا لشدة حفظه رحمه الله، فإنه كان يحفظ ولا يكتب. ولستعدت حديثا -يعني طلبته منه أن يعيد الحديث- فكان إذا سمع الحديث مرة واحدة حفظه. هذا آخر الآثار في هذا الباب فيمن كره كتابة الحديث. ثم سيذكر رحمه الله في الباب الذي بعده من رخص في كتابة العلم. وقد علمنا أن أكثر أهل العلم على جواز ذلك. نكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم على أبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.