الدرس في العقد الثمين في شرح منظومة ابن عثيمين 17، ألقاها
تناول الشارح قاعدة فقهية مهمة وهي أن من تعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه، مستدلا بآيات قرآنية وأحاديث نبوية وأمثلة من الفقه الإسلامي. هذه القاعدة تشمل أمورا شرعية ودنيوية، وتتعلق بالعقوبة بنقيض القصد.
يناقش المقطع بعض القواعد الفقهية المتعلقة بالسرقة والعقوبات، مثل تضعيف الغرم في حالة سرقة الثمر أو الكثر أو الماشية من غير حرز، وتطبيق القصاص والدية في حالات القتل والجنايات. كما يتناول حكم ما قطع من الحيوان وهو حي.
يناقش المقطع بعض صيغ العموم في اللغة العربية وتطبيقاتها في الشريعة الإسلامية، مثل المفرد المضاف والجمع المضاف، ويقدم أمثلة من القرآن الكريم على ذلك. كما يتناول أقسام "كان" في الأدلة الشرعية وما تشير إليه من دوام أو غالبية أو غير ذلك.
يتناول المقطع شرح ألفاظ العموم في اللغة العربية، مثل أسماء الشرط والموصول واستفهام، وكيفية استخدامها في الشريعة الإسلامية. يشمل الشرح أمثلة من القرآن الكريم والسنة النبوية لتوضيح دلالة هذه الألفاظ على العموم.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد. قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله في منظومته: «بقواعده فقه ووصوله». وكل من تعجل الشيء على وجه محرم، فمنعه جلاء قوله. قال الشارح: قوله «جلاء» وضح وظهر، هذه قاعدة: من تعجل شيئًا قبل أوانه، عوقب بحرمانه. ومعنى هذه القاعدة: أن من تعجل الأمور التي يترتب عليها حكم شرعي قبل وجود أسبابها الصحيحة، لم يفده ذلك شيئًا، وعوقب بنقيض قصده. ودليل هذه القاعدة: أدلة سد الذرائع، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، فالله عز وجل نهى أن يسب المؤمنون الكفار؛ لئلا يؤدي ذلك إلى سب الله عز وجل. والمقصود من سب المؤمنين للكفار: إظهار عزة الإسلام وأهل الإيمان، لكن لما كان ذلك يؤدي إلى سب الله، منع من ذلك سدًا للذريعة التجرؤ على سب الله جل وعلا. وقوله: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾، نهى الله عز وجل المرأة أن تضرب برجلها على الأرض سدًا للذريعة، أي ذريعة الفتنة بالنساء. وقوله صلى الله عليه وسلم: «من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه»، قيل: يا رسول الله، وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: «يسب الرجل أباه، فيسب أباه، ويسب أمه، فيسب أمه»، والحديث صحيح. فلما كان سبه لأبي الرجل وأمه ذريعة إلى سب أبيه وأمه، منع من ذلك. هذه الأدلة تدل على قاعدة سد الذرائع. ولأن في استعجال الشيء قبل أوانه: تقديمًا لما أخره الله تعالى، ولأن فيه إضرارًا بالآخرين. قال النقيم رحمه الله: «وقد استقرت سنة الله في خلقه شرعًا وقدرًا، على معاقبة العبد بنقيض قصده، فمن تعجل شيئًا قبل أوانه، عوقب بحرمانه»، يعني بحرمان هذا الشيء الذي تعجل للحصول عليه قبل مجيء أسبابه الشرعية. قال: «معاقبة له بنقيض قصده»، وهذه القاعدة يدخل تحتها أمثلة. منها المثال الأول: قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يرث القاتل شيئًا»، والحديث رواه أبو داود والنسائي، وقال: «والحديث فيه ضعف، وحسنه بعضهم، مجموع طرقه»، ومنهم شيخ الباني رحمه الله. قال: «فمن قتل مورثه عمدًا، فلا يرثه»، معاقبة له بنقيض قصده؛ لأنه تعجل الشيء قبل أوانه، فعوقب بحرمانه. فإذا مثلًا تعجل الابن قتل أباه حتى يرثه، فإنه يحرم من الميراث، أو قتل الأخ أخاه وهو الوارث له، فيحرم من الميراث؛ لأنه تعجل الميراث قبل مجيء سببه الشرعي، فيعاقب بحرمانه. قال: «هذا موضع خلاف بين الأئمة رحمهم الله، ليس هذا موضع بسطه»، بصد هذا الموضوع في كتب الفرائض. قال: «المثال الثاني: الموصى له إذا قتل الموصى عمدًا، فإنه لا يستحق شيئًا»، عقوبة له بنقيض قصده؛ تعجل الوصية قبل أوانها، فعوقب بحرمانه. مثلا أوصى زيد من الناس لعمر بوصية: أن له كذا وكذا من التركة، أو أوصى له بثلث التركة مثلًا، فهذا الموصى له تعجل، فقتل الموصى حتى يتحصل على الوصية، فهنا يحرم من هذه الوصية؛ لأنه تعجل هذه الوصية قبل مجيء سببها. قال: «المثال الثالث: المدبر»، وهو الرقيق الذي علق سيده عتقه بموته، يسمى العبد المدبر، الذي علق عتقه بموت سيده، يعني إذا مات السيد يعتق مباشرة. قال: «فإذا قتل المدبر سيده، فإنه لا يعتق»، معاقبة له بنقيض قصده، يبقى رقيقًا. المثال الرابع: من تعجل شهواته المحرمة في الدنيا، كشرب الخمر ولبس الحرير، فإنه يحرمها في الآخرة عقوبة له. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من شرب الخمر في الدنيا، لم يشربها في الآخرة»، والحديث في الصحيحين، عقوبة له، يحرم من شرب خمر الآخرة. وهذا كما قال أهل العلم: إذا مات على ذلك، يعني إذا مات وهو يشرب الخمر، فإنه يحرم من شربها في الآخرة. أما إذا تاب وقبل توبته، فإنه يرجى أن يكون ممن يشربها في الآخرة. وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «أن من لبس الحرير في الدنيا، لم يلبسه في الآخرة»، والحديث في الصحيحين. فهؤلاء تعجلوا هذه الشهوات، وهي محرمة عليهم في الدنيا، فعوقبوا بحرمانها في الآخرة. فإن قال قائل: أليس الله عز وجل يقول لهم: ﴿لَهُم مَّا يَشْتَهُونَ فِيهَا﴾، وقد تشتهي أنفسهم شرب الخمر ولبس الحرير؟ قال أهل العلم: الذين يعاقبون بحرمان هذه الأشياء، لا تشتهيها أنفسهم، حرمانًا لهم لتعجلهم لها في الدنيا، فيكون الآية مستثنى في حق من تعجل شرب الخمر ولبس الحرير في الدنيا. قال: «مثال الخامس: من خبب امرأة على زوجها»، يعني أفسد بين الزوجين لكي يتزوج هذه المرأة، فإنها لا تحل له، معاقبة له بنقيض قصده. وهكذا وتخبيب المرأة على زوجها محرم، لا يجوز، يفسد إنسان بين امرأة وزوجها حتى يطلقها فيتزوجها، فإذا فعل ذلك، فإنه يعاقب بحرمانه منها، وعدم تزويجه لها. قال: «تنبيه: القاعدة السابقة قد تدخل في الأمور الدنيوية»، كما نص على ذلك ابن تيمية رحمه الله في «مجموع الفتاوى». فإن هناك من الأمور ما لو عاجله المرء قبل وقته، لحرمه. مثل في النكاح، مثلًا نكاح التحليل، إذا طلق رجل امرأته ثلاثًا، حرمت عليه إلا أن تنكح زوجًا غيره، فلو تعجل وأتى بالرجل المستعار، رجل من أجل يتزوجها حتى يحلها له، لم تحل وتبقى محرمة عليه. وكذلك في البيع والشراء، مثلًا في بعض أنواع البيوع، كذلك إذا تعجل الإنسان في بعض المسائل، فإنه يعاقب بحرمانها. مثل بيع العين، مثلًا إذا أراد بيع العين، فإنه يعاقب بحرمانها. وكذلك بيع تلقي الركبان، ونحوها، صورها كثيرة. قال الناظم رحمه الله: «وضاعف الغرم على من ثبتت عقوبة عليه، ثم سقطت لمانع، كسارق من غير ماء محرز، ومن لضال كتم». قال الشارح: قوله «الغرم» هو ما يلزم أداؤه، ما يلزم أداؤه. وقوله «محرز»: الحرز هو الموضع الحصين. وقوله «الضال»: هو ما ضاع من البهائم خاصة. هذه قاعدة: العقوبة إذا سقطت لتخلف شرط أو لوجود مانع، فإن الغرم يضاعف. قالوا: «مسألة مضاعفة العقوبة، هذا على مذهب الإمام أحمد رحمه الله، أما على قول الجمهور، فلا تضعيف». ويدل لهذه القاعدة: حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: «أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الثمر المعلق، فقال: من أصاب بفيه من ذي حاجة، غير متخذ خبنة، فلا شيء عليه»، يعني من غير أن يحمل شيء معه. «ومن خرج بشيء منه، فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق منه شيئًا بعد أن يؤويه الجرين، فبلغ ثمن المجن، فعليه القطع، ومن سرق دون ذلك، فعليه غرامة مثليه والعقوبة»، رواه أبو داود وابن ماجة، والحديث صحيح، وأصلحه شيخ الباني رحمه الله. وعلى هذا: يدل الحديث على مذهب الإمام أحمد رحمه الله، من القول بالتضعيف. قال: «يعني إذا أخذ الثمر من الجرين، فيه القطع؛ لأنه أخذه من حرزه»، الثمر حرزه الجرين، موضع التيبيس، الموضع الذي يبس فيه الثمر، هذا هو حرزه الذي يحفظ فيه. فإذا وضع الثمر في الجرين، ثم جاء إنسان وسرق منه ما يبلغ ثمن المجن، وما يقرب ثلاثة دراهم أو ربع دينار، فقد بلغ النصاب، فإنه يستحق القطع. أما إذا أخذ قبل أن يؤويه الجرين، قبل أن يوضع بالجرين، فإنه أخذه من غير حرزه. وإذا سرق الإنسان مالًا من غير حرزه، فلا تقطع يده، ولكن يعزر ويعاقب. قال: «لكن إذا أخذ من أكمامه، لم يأخذ منه الحرز»، يعني ما زال الثمر معلقًا، فأخذ منه. قال: «فقال صلى الله عليه وسلم: فيه قيمته ومثله»، يعني يعاقب بالتضعيف، يضمن قيمة الذي أخذ ومثله. ومثله: يضاعف عليه القيمة. وذلك على هذه القاعدة: أن الآن العقوبة، وهي القطع، سقطت لتخلف شرط، وهو الأخذ من الحرز. فلما تخلف العقوبة لتخلف شرط، فهنا عوقب بتضعيف الغرم، يعني يضمن قيمة ما أخذ ومثله. قال: «وأيضًا يدل لذلك: أن عمر رضي الله عنه أغرم حاطب بن أبي بلتعة، حين نحر غلمانه ناقة رجل من مزينة، قيمتها مرتين»، يعني عاقبه بالتضعيف. والأثر رواه الإمام مالك في الموطأ، وعبد الرزاق في المصنف، والبيهقي، وضعفه ابن عبد البر. قال: «ويدل لذلك أيضًا: أن عمر رضي الله عنه جمع قاربه، وقال: إن الناس ينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم، فأي رجل جنى، أضعفت عليه العقوبة مرتين»، وهذا رواه عبد الرزاق في مصنفه. قال: «لئلا تسول له نفسه أن يحتمي بسلطة الخليفة، ويتساهل بالجناية». وهذه القاعدة: أن العقوبة إذا سقطت، يضعف الغرم، لها صور. الصورة الأولى: قال: «لِمانِعٍ، كسارق من غير ماء محرز»، يعني السارق إذا سرق من غير حرز، سقطت عنه العقوبة لتخلف شرط القطع، وهو كون المسروق من غير حرز، لكن تضاعف عليه قيمة المسروق. فيجب عليه أن يأتي بالمسروق وقيمته، فإن استهلك المسروق، فإنه تجب عليه القيمة مرتين. قال: «الصورة الثانية: قوله ومن لضال كتم»، أي إذا كتم الإنسان الضال له، كبهيمة الأنعام، إذا ضلت، ثم بعد ذلك كتمها، فإنه يضاعف عليه الغرم مرتين. مثال ذلك: إذا أخذ البعير وكتمه، فإننا نضاعف عليه الغرم مرتين. مثل البعير: لا يجوز أن يأخذه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن إمساك البعير؛ لأنه يحمي نفسه، ومعه سقاؤه وحذاؤه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. فلا يجوز للإنسان أن يلتقطه، فإذا فعل ذلك بأن أخذه وكتمه، فيضاعف عليه الغرم مرتين. قال: «وأيضًا هناك صور أخرى للسرقة، إذا كانت من غير حرز، هل يضاعف فيها الغرم؟ فالمشهور من المذهب: أنهم يخصون التي تضاعف فيها القيمة في ثلاثة أشياء: الشيء الأول الثمر، والشيء الثاني الكثر، وهو طلع النخل، ذكر النخل»، وذلك لأن الناس يحتاجون له في تلقيح النخيل. فإذا جاء موسم التلقيح، يكون مثلًا طلع النخل هذا قليل، فيأتي بعضهم فيسرق طلع النخل من غيره؛ لأجل أن يلقح نخله. قال: «الشيء الثالث: الماشية؛ لأن هذا هو الذي ورد به النص، وليس في كل سرقة يعني يكون فيها التضعيف». قال: «وظاهر كلام المؤلف رحمه الله: أنه شامل لكل سرقة، وهذا هو الرأي الثاني في هذه المسألة، فكل سرقة من غير حرز، فإنها تضاعف فيها القيمة مرتين، وهذا هو الأظهر؛ لأن الشريعة لا تفرق بين مجتمع ولا تجمع بين مفترق، ويلحق النظير بنظيره». قال: «صورة الثالث: من قتل ذميًا، فإن المسلم لا يقتل بالذمي لتخلف شرط المكافأة، فالمسلم لا يقتل بالكافر، وهو شرط من شروط وجوب القصاص، فالذمي ليس مكافئًا للمسلم، لكن إذا قتله عمدًا، تضاعف عليه الدية مرتين، وهذا هو الوارد عن عمر رضي الله عنه، رواه عبد الرزاق في مصنفه». ودية الذمي على النصف من دية المسلم، هذا في الأصل. فإذا قتله عمدًا، فحينئذ تضاعف عليه، وتجب عليه الدية كاملة. قالوا: «عند أبي حنيفة رحمه الله: أن دية الذمي كدية المسلم في العمد وفي الخطأ، لا فرق». والصواب الأول: كما جاء في الحديث، أن دية الكافر على النصف من دية المسلم. قال: «صورة الرابعة: الأعور إذا قلع عين الصحيح المماثلة لعينه الصحيحة»، يعني عندنا رجل عينه اليمنى عوراء، وعينه اليسرى صحيحة، جاء إلى شخص صحيح، ففقع عينه اليسرى. لو قلنا: يقتص منه، فقعنا عينه اليسرى؛ لأدى ذلك إلى ذهاب بصر الأعور كله، وصار أعمى. فقالوا: «لا قصاص؛ لأن هنا ما يمكن استيفاء القصاص؛ لأن استيفاء القصاص لا بد فيه من المماثلة والمساواة، فإذا فقعنا عين هذا الأعور اليسرى قصاصًا، صار أعمى، والمجني عليه لم يذهب بصره بالكلية، وإنما ذهبت إحدى عينيه، وهنا ما يمكن استيفاء القصاص». قالوا: «فلا قصاص، لكن تضاعف عليه الدية»، لورود ذلك عن عمر رضي الله عنه، يعني بدلًا أن نأخذ منه نصف دية، نأخذ منه دية كاملة، عقوبة له. لماذا؟ هنا لوجود مانع من استيفاء القصاص، وهو عدم إمكان ذلك. قال: «وقال الإمام مالك رحمه الله: إن شاء الصحيح أن يقتص، وإن شاء أخذ الدية كاملة»، يعني جعل الإمام مالك رحمه الله الخيار إلى المجني عليه هو الصحيح الأول. وقال أبو حنيفة والشافعي رحمهم الله: «إن شاء عفى، وإن شاء أخذ نصف الدية»، وهو كذلك. قال الناظم رحمه الله: «وكل ما أبين من حي جعل كميته في حكمه طهرًا وحلًا». قال الشارح: «معنى هذه القاعدة: أن ما قطع من إنسان أو حيوان أو طير، فحكمه طهارة وطهر وحل»، كميتته. ودليل هذه القاعدة: حديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما قطع من البهيمة وهي حية، فهو ميت»، رواه أحمد وأبو داود، وهو حديث صحيح. «ما قطع من البهيمة وهي حية، فهو ميت»، يعني حكمه حكم الميتة. فإذا جاء إنسان مثلًا إلى بهيمة، فقطع منها الذيل، ذيلها ما شاء الله، مليء بالشحم، فقال: «نصع لنا مرقًا»، فقطع من ذيلها وهي حية، فيكون ما قطعه هذا ميتة، حكم حكم الميتة، لا يجوز. لماذا؟ لأن ميتة البهيمة نجس ومحرم، فكذلك ما قطع منها في حال حياتها، فحكم ميتتها. قالوا: «على هذا نقول: ما أبين من حي، فهو كميتته في الحل والطهارة»، ويدخل تحت ذلك أمثلة كثيرة. وهذا معنى قوله: «وكل ما أبين من حي جعل كميته في حكمه طهرًا وحلًا»، يعني ما قطع من حي، جعل حكمه كحكم ميتته في حال في حكمه طهارة وحلًا. فلما كانت مثلًا البهيمة ميتتها محرمة ونجسة، فما قطع من حال حياتها، فهو ميتة، تعتبر محرمًا ونجسًا. أما إن كانت ميتتها طاهرة وحلالًا، فما قطع من حال حياتها، فهو طاهر وحلال، مثل السمك، الحوت، ميتته حلال وطاهرة. فإذا جاء إنسان قطع منه، وهو حي، قطع من السمك، وهو حي، فما حكم ما قطعه؟ نقول: هو حلال؛ لأن السمك والحوت ميتته حلال وطاهرة، فما أبين منه، فهو حلال طاهر واضح. والنبي صلى الله عليه وسلم: «حيث من عمرو، قالوا: حلتنا ميتتان ودمان»، أما الميتتان: فالجراد والحوت، فالجراد والحوت ميتتهما طاهرة. قال: «في مثال الرابع: ما لا نفس له سائلة»، يعني الذي إذا قتل لا يخرج منه دم يسيل، مثل الجراد والجعل والعقرب، إلى آخره. فما أبين مما لا نفس له سائلة، فإنه طاهر؛ لأن ميتته طاهرة. وعلى هذا فقس: يعني يكون ما قطع تبعًا لأصل ما قطع منه، إن كانت ميتته طاهرة، فهو طاهر، وإن كانت ميتته نجسة، فهو نجس. وهل هو حلال أو حرام؟ هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله. ويستثنى العلماء رحمهم الله من هذه القاعدة: «ما أبين من حي فهو كميتته»، مسألتين. المسألة الأولى: «المسك وفأرته»، وفأرته يعني وعاءه. والمسك: دم ينزل من الغزال، فهناك غزلان يقال لها: غزلان المسك، يحبس عنها الطعام، ثم بعد ذلك تجرى هذه الغزلان، يعني يجعلونها تجري بسرعة، فإذا جرت، نزل من عند السرة دم، يربط بخيط قوي، ثم بعد ذلك ينحل بعد فترة؛ بسبب شدة الربط مع جلدة الغزال التي هي وعاء هذا المسك، فينقلب هذا الدم إلى مسك طيب. وفي قول الشاعر: «وإن تفق الأنام وأنت منهم، فإن المسك بعض دم الغزال». قال: «والقاعدة: ما أبين من حي فهو كميتته»، الغزال ميتته نجسة وحرام، لا تؤكل، لكن استثنوا من ذلك هذا الدم الذي يخرج من الغزال، وفأرته، فهذا الدم الذي ينقلب مسكًا وبيعاءه يكون طاهرًا. لماذا؟ لأن المسك طيب، طاهر وطيب، وكان من أحب الطيب إلى النبي عليه الصلاة والسلام، المسك طيب. وإذا كان كذلك، دل هذا على طهارته، مع أن أصل ميتة الغزال نجسة، لكن هذا مستثنى لهذا الدليل، دل استعمال نفس المسك؛ لأنه طاهر. قال: «المسألة الثانية: الطريدة»، والطريدة: فعيلة بمعنى مفعولة، أي مطرودة، وذلك كأن تند بهيمة من بهائم الأنعام، يعني تتوحش، فلا يستطيعون نحرها أو ذبحها. قال: «فيلحقونها ويضربونها بالسيوف ونحو ذلك، حتى يقطعوها، فإذا قطعوها، فما أبين من هذه الطريدة التي قطعوها وقتلوها، فهو حلال طاهر؛ لورود ذلك عن الصحابة رضي الله عنهم»، بل ويجوز أيضًا أن تعامل معاملة الصيد، كما في الصحيحين. لما ند بعير، فضربه أحد الصحابة بالسهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما ند منها، فاصنعوا به هكذا»، أقره على هذا الفعل، أن تعامل معاملة الصيد. فإذا ما أمكن يعني نحره أو إمساكه إلا بضربه وتقطيعه، فهو طاهر؛ لأن هذا من باب التبع لتذكيته، فيأخذ حكم التذكية، فيكون حلالًا. قال الناظم رحمه الله: «وكان تأتي للدوام غالبًا، وليس ذا بلازم مصاحبًا». قال الشارح: «يعني ما يريد في الحديث: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل، أو كان يقرأ، إلى آخره»، يقول المؤلف رحمه الله: «تأتي للدوام غالبًا، وليس لازما»، وعلى هذا نقول: «كان» الوارد في الأدلة الشرعية تنقسم إلى ثلاثة أقسام. القسم الأول: أن تأتي للدوام دائمًا، وهذا قليل. ومن ذلك ما جاء في الحديث: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح صلاته بالتكبير»، الحديث في مسلم، وهذا يحمل على الدوام؛ لمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك. وأيضًا حديث عائشة رضي الله عنها في الصحيحين: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره، وفي شأنه كله»، يعني يستحسن النبي صلى الله عليه وسلم التيمن، فهذه للدوام دائمًا. القسم الثاني: أن تأتي للغالب، ليس للدائم، وهذا هو الكثير. أن يكون هذا هو الغالب في فعل النبي عليه الصلاة والسلام. ومن ذلك حديث عائشة رضي الله عنها: «قالت: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة»، هذا هو الغالب، وربما زاد وربما نقص، لكن هذا خلاف الغالب. يعني أنه كان أحيانًا يصلي ثلاث عشرة ركعة، وأحيانًا كان يصلي تسع، وأحيانًا سبع، وأحيانًا خمس، لكن الغالب أنه كان يصلي إحدى عشرة ركعة. فهنا الآن «كان» لم تدل على الدوام، لكن على الأغلبية. قال: «ومن ذلك حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر والعصر بالسماء ذات البروج، والسماء والطارق»، والحديث رواه أهل السنن، أبو داود والترمذي، وهذا هو الغالب: أنه كان يقرأ بأوساط المفصل، يعني في الظهر والعصر، وربما أطال النبي صلى الله عليه وسلم في الظهر، كما صح عنه: أنه كان يقرأ بنحو سورة السجدة. القسم الثالث: أن تأتي لغير الغالب، وهذا قليل. ومن ذلك ما ورد في صحيح مسلم: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الجمعة بسبح والغاشية»، قال: «فليس غالبًا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بسبح والغاشية». وأيضًا ورد في صحيح مسلم: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بالجمعة والمنافقين في صلاة الجمعة»، فتارة يقرأ بهذا، وتارة يقرأ بهذا. قال الناظم رحمه الله: «وإن يضف جمع ومفرد يعم، والشرط والموصول ذا انحتم». قال الشارح: قوله «انحتم» انحتم الأمر، وجب وجوبًا لا يمكن إسقاطه. هنا شرع المؤلف رحمه الله في بيان شيء من صيغ العموم. وهذه المسائل يبحثها الأصوليون رحمهم الله في مباحث العام. والعام لغة: الشامل. العام لغة: الشامل، تقول: «عممت زيدًا وعمرًا بالعطاء»، يعني شملتهم. ومنه سميت العمامة عمامة؛ لأنها تشتمل على الرأس، تعم الرأس وتغطي الرأس كله. قال: «في الاصطلاح: اللفظ المستغرق لجميع أفراده بلا حصر»، فالاصطلاح: العام لفظ مستغرق، يعني يشمل جميع أفراد هذا العام بلا حصر، أي بلا عدد حصر عدد معين. والأصل العمل بالعام حتى يرد المخصص، كما تقدم لنا في دليل الاستصحاب. وأشار المؤلف رحمه الله إلى شيء من صيغ العموم. وقوله: «وإن يضف جمع مفرد يعم»، أي من صيغ العموم: المفرد المضاف. وبهذا قطع الموفق في «الروضة»، أي من قدامه، وجزم به القاضي في «أعلام الموقعين»: «بأن الجمع والمفرد إذا أضيف، دل على العموم»، وكذلك الجمع المضاف. مثال الجمع المضاف: قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾، أولاد جمع، والضمير مضاف إليه، فيشمل كل الأولاد: الذكر والأنثى، والصغير والكبير، إلى آخره. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، آلاء جمع، ورب مضاف إليه، فيشمل كل آلاء الله، يعني كل نعم الله، نعم وآيات الله جل وعلا. ومثال في المفرد: قوله تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾، نعمة مضاف، ولفظ الجلالة مضاف إليه، فيشمل كل نعم الله عز وجل الدينية والدنيوية. قال: «وتظهروا فائدة بيانية، هذا: أنه يحتاج إليه في ألفاظ الموقوفين والمتبرعين والموصين، وألفاظ الفسخ ونحو ذلك»، مثال ذلك: لو قال: «رقيقي حر»، هذا مفرد مضاف، يعم كل الأرقاء، فيعتق عليه جميع الأرقاء، هذا إذا أراد عتق الجميع؛ لأن مثل هذا اللفظ قد يطلق ويراد به الإفراد، ولا يقصد به جميع عبيده. قالوا: مثلًا: «زوجتي طالق»، نقول: «كل الزوجات طلقن عليك؛ لأن هذا مفرد مضاف، فيشمل كل الزوجات»، يعني إذا كان عنده أكثر من زوجة، ولم يعين واحدة منها. وإن كان الصحيح هنا: مثل ذلك لا يقع إلا إذا نواه الجمع. وكذلك لو قال: «بيتي وقف»، فيشمل جميع بيوتاته، إلى آخره. قال: «والشرط والموصول أيضًا من صيغ العموم»، الأسماء المبهمة يدخل في ذلك: أسماء الشرط، والأسماء الموصولة، وأسماء الاستفهام، فهذه كلها تدل على العموم. مثال اسم الشرط: قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾، فمن: اسم شرط، يشمل كل من عمل صالحًا، من ذكر أو أنثى، كبير أو صغير. قال العلاء رحمه الله: «اتفق الأصوليون الذين يقولون بالعموم: على أن «من» إذا أتت بمعنى الشرطية والجزاء، فإنها تفيد العموم». وأيضًا قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، فهذا عام يشمل أي جهة، يشمل أي جهة لقوله: «فأينما تولوا». وأيضًا مثل هذه الأشياء نستفيد منها كما قلنا: في ألفاظ الموقوفين والموصين، وفي ألفاظ المعاملات والتبرعات، إلى آخره. فنفى من ذلك: أن المتلفظ بهذه الألفاظ: أنه يحكم عليه بالعموم، وأنه أراد العموم إلا لقرينة أو بينة تمنع من ذلك. وقوله: «والموصول»: أي أن اسم الموصول يدل على العموم. ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أم سلمة رضي الله عنها: «الذي يشرب في إناء الفضة، إنما يجرجر في بطنه نار جهنم»، الحديث رواه البخاري ومسلم. قال: «الذي يشرب»، أي إنسان يشرب، ذكرًا كان وأنثى، إلى آخره، فهذا عام. إذا ورد ما يقتضي التخصيص، يعني قوله: «الذي يشرب»، الذي: اسم موصول، والأسماء الموصولة من الألفاظ التي تفيد العموم، فكل من شرب في إناء فضة، فإنه موعود بهذا الوعيد: «إنما يجرجر في بطن نار جهنم». وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾، والذي جاء: هذا يشمل كل من جاء بالصدق. وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِيْنَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾، هذا يشمل كل من جاهد، إلى آخره. وكذلك أسماء الاستفهام تدل على العموم، مثل: «من حضر من الطلاب؟ فأكرمه»، هذا لفظ عام، كل من حضر من الطلاب، فإنه يكرم. وأيضًا من ألفاظ العموم: لفظ «كل». قال أبو المعالي الجويني رحمه الله في كتابه «البرهان»: «وهي أقوى ألفاظ العموم في الدلالة على العموم»، وقد صنف تقي الدين السبكي رحمه الله مصنفًا في «كل» مشتقاتها، وأطال الكلام حولها، ولخصه العلاء رحمه الله في «تلقيح الفهم». وهي تفيد العموم، سواء كانت مستقلة أم مؤكدة. مستقلة: نحو قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾. ومؤكدة: نحو قولك: «اشتريت هذا البيت كله»، ففي كل الصورتين تفيد العموم. وكذلك ما يلحق بكل، فإنها تدل على العموم، مثل: «جميع»، و«معشر»، و«معاشر»، و«كافة»، و«عامة»، إلى آخره. ومن الألفاظ التي تفيد العموم: اسم الجمع المعرف بالألف واللام، مثل قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾، فالمؤمنون عامة، يعني الفاء للمؤمنون بالاستغراق، فيعم ذلك كل مؤمن، فهو موعود بالفلاح. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾، إذا بلغ الأطفال، أي كل طفل. وكذلك من ألفاظ العموم: النكرات بعد النفي والنهي والاستفهام، كما سيأتي في قول المؤلف رحمه الله. قال الناظم: «منكر إن بعد إثبات يرد، فمطلق وللعموم إن يرد من بعد نفي نهي استفهام شرط، وفي الإثبات للإنعام». قال الشارح: «النكرات قسمان»، القسم الأول: «النكرة بعد الإثبات تدل على الإطلاق»، إلا إذا كانت للإنعام، أي في مجال الإمتنان، فإنها تدل على العموم. قال: «والمطلق هو اللفظ المتناول لواحد لا بعينه، باعتبار حقيقة شاملة لجنسه»، مثال ذلك: قول تعالى في كفارة الظهار: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، هذا يشمل كل رقبة: صغيرة أو كبيرة، مؤمنة أو كافرة، ذكر أو أنثى، سليمة من العيوب أو معيبة، إلى آخره. فهذا اللفظ المطلق يشمل كل هذه الأشياء، لكن يتناول أمرًا واحدًا لا بعينه، غير محدد. يعني مثلا لو أن صاحب الظهار، صاحب الكفارة، عنده عشر رقاب، والواجب عليه تحرير رقبة، فإنه له أن يعتق هذا أو هذا أو هذا أو هذا، أي واحدة من هذه العشر يجزئه. فهنا حصل التناول أو العموم، ليس على سبيل الشمول، وإنما على سبيل البذل. هذا معنى قول: «اللفظ المتناول لواحد لا بعينه»، يعني تحرير رقبة، يتناول هذا الأمر واحدة من هذه الرقاب، لكن ليست واحدة معينة. أي واحدة منها تعم من حيث الجنس، جنس الرقبة. قالوا أيضًا: من ذلك لو قلت: «أكرم رجلا»، هذه نكرة في سياق الإثبات، فتدل على الإطلاق. واضح: النكرة في سياق الإثبات تدل على الإطلاق، أكر