المختصر في أحكام العشر والنحر 6

المختصر في أحكام العشر والنحر 6

الدرس في المختصر في أحكام العشر والنحر 6، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أضحية الرسول وهديه في الأضاحي

تناول المقطع أضحية الرسول صلى الله عليه وسلم وهديه فيها، حيث ضحى بكبشين أقرنين أملحين. يفصل في جنس الأضحية وعددها وصفاتها المختارة.

أحكام وآداب الأضحية وذبحها

ناقش المقطع أحكام الأضحية وهدي النبي في ذبحها، مثل اختيار الأضحية ذات اللون الحسن وذبحها بيده. يشرح آداب الذبح وأحكامه مثل التسمية والتكبير وتوجيه الذبيحة إلى القبلة.

ختام الدرس والتأكيد على الصلاة والسلام

ختم المقطع بالتأكيد على أهمية الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويظهر أهمية هذه الممارسة في الإسلام.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، ومما يناسب ذكره ونحن في ذكر أحكام الأضاحي أن ننظر في أضحيته وكيف ضحى عليه الصلاة والسلام، فقد قال ربنا جل وعلا في حقه ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾، وقد جاءت أحاديث عديدة تدل على أضحيته وكيف ضحى عليه الصلاة والسلام، منها ما جاء في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: «ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أقرنين أملحين، ذبحهما بيده وسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما». هذا الحديث، أخواني في الله، احتوى واجتمع على مسائل عديدة في بيان فعله وهديه عليه الصلاة والسلام في أضحيته. قول أنس «ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم» يمر معنى أن نبينا كان دائما يضحي، وكان كثيرا ما كان ينحر. ضحى بكبشين، والكلام على هذه المسألة يتفرع إلى أمرين اثنين. أولهما ما يتعلق بجنس الأضحية، فنبينا صلى الله عليه وسلم اختار الأغنام. وقد مر معنى أن الأضحية تكون إما بالأبقار وإما بالإبل وإما بالأغنام، لكن نبينا صلى الله عليه وسلم -الظاهر من فعله- أنه في باب الأضاحي يختار الأغنام. والأغنام يختارها كما في هذا الحديث من جنس الضأن. وقد مر معنى أن الضأن هو الذي عليه صوف، والمعز هو الذي عليه شعر. فنبينا في باب الأغنام يختار الضأن، ويختار من الضأن الفحل وهو الكبش. فهذا اختياره عليه الصلاة والسلام. أما من ذبح بغيره، فالأمر -كما يقول أهل العلم- واسع ومفتوح، إن كان من بهيمة الأنعام. والأمر الآخر ما يتعلق بالعدد، ذبح عليه الصلاة والسلام كبشين. ولهذا أكثر العلماء على أن من أراد الاتباع ومن أراد السنة، إن استطاع على هذا العدد فذلك. ومن لم يستطع، ومن لم يقدر، فلا عتب ولا حرج. وإن كان من أهل العلم من يرى أن الأفضلية في الواحد وليس في الاثنين. هذا قول معتبر لأهل العلم، يرى أن الأفضل هو الواحد وليس الاثنين، لماذا؟ يقول لأن النبي لما ذبح الكبشين قال عن أحدهما «هذا عني وعن أهل بيتي»، والآخر قال «هذا عن أمتي». فليس له، ولهذا النبي اختصر على واحد. هكذا ذهب جماعة من العلماء. والأمر في ذلك واسع. وأنس -كما جاء في البخاري- قال: «ضحى رسول الله بكبشين، وأنا أضحي بكبشين». فمن أخذ بالظاهر، فيكفيه هذا لما جاء عن فعل السلف، اقتداء برسول الله عليه الصلاة والسلام. ينبغي أن نفهم من هذا كله أن أقل ما يذبح شاة، فما دون شاة لا يذبح. وهل يمكن أن شخصا ما يذبح دون شاة؟ نعم يوجد، وهم أصحاب الاشتراك. يقع هذا من بعض الناس، إما جيران وإما أقارب وأرحام يتشاركون في أضحية. كم قيمتها عندنا؟ ما يقارب ستين ألفا مثلا، فيقول أحدهم: مني ثلاثون، ومنك ثلاثون، فيشترون شاة. لمن نصفها؟ لفلان، ونصفها للآخر. هل هؤلاء ضحوا بشاة كاملة؟ الجواب لا، إنما ضحوا بدون شاة، دون الشاة. فهذا لا يجزئ، يكون هذا لحما ولا تعتبر أضحية، لأن أقل ما يكون في باب الأغنام شاة واحدة، إما من باب الضأن وإما من باب المعز. أما دون ذلك، فأصحاب الاشتراك لا يقفلون في باب الأضحية والأضاحي، وإنما هو لحم يوسع الواحد فيهم على نفسه وعلى أهله. قال أنس رضي الله تعالى عنه: «ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أقرنين». والأقرن هو الذي له قرون عظيمة. فكان اختياره عليه الصلاة والسلام أن يكون بهذا الشكل، على أن يكون له قرون أقرن. ودون ذلك، لو أراد شخص أن يختار الجماء -وهو ما يسميه الأجم، والذي يخلق من غير قرون- هل فيه شيء؟ هذا بالإجماع من العلماء، من ذكر الإجماع في هذه المسألة. وإن كان فيها نزاع خفيف، لكن أكثر العلماء على أن هذا مجزئ، لأن هذا ليس بمرض، وليس عيب. والذي لا قرون له ليس فيه شيء. إنما الإشكال في مكسور القرن، هذا الإشكال الذي وقع فيه الكلام. ومكسور القرن أكثر العلماء على جوازه، إلا أن هذا يكره. ولو أن هناك ما هو أكمل وأحسن لكان أفضل. فذبح كبشين أقرنين أملحين. والأملح هو وصف يعود إلى اللون. فنبينا في باب اختياره لأضحيته كان يختار الذي فيه اللون الحسن، فيه جمال، فيه بهاء، فهو أملح. وما هو الأملح؟ وقع الخلاف بين العلماء في ضابط الأملح. فمنهم من قال هو الأبيض، ومنهم من قال هو الأغبر، ومنهم من قال هو الخليط بين الأبيض والأسود، لكن البياض أكثر من السواد. وجاء ذلك أصرح في رواية المخارِي عن عائشة: «أن النبي ضحى بكبش يمشي في سواد، ويبرك في سواد، وينظر في سواد». أي هذه الأماكن فيها سواد: المشي، وهي الأرجل، والبطن، وهو محل البروك، وهكذا الوجه والعين. فهذه كلها أماكن فيها سواد، والباقي أبيض. قيل: هذا هو الأملح المراد في هذا الحديث، لأنه جاء موضحا في رواية البخاري عن عائشة رضي الله تعالى عنها: «ذبح بكبشين أقرنين أملحين». ذبحهما بيده، وهذا مما يشرع في مالك الأضحية أنه هو الذي يتولى الذبح بنفسه. يتولى الذبح بنفسه، هذا الأفضل، وذلك لفعله عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث، وكذا في أحاديث كثيرة. بل إنه قام على البدن، فنحر البدن الكثيرة -العشرات- بيده، صلوات ربي وسلامه عليه. كان يتولى الأمر بيده. فمن استطاع ومن قدر على ذلك فليفعل، فإن هذا من هديه. أما من لم يستطع لضعفه، لعدم قدرته، لعدم فهمه وخلفيته، فلا يتعب نفسه ولا يؤذي الذبيحة. وإنما يتعلم، يتمرن، ثم يتولى ذبح أضحيته. وأدخل العلماء مسألة، قالوا: من لم يستطع أن يذبح، فلا أقل أن يحضر الذبيحة، يحضر الذبح. هذا ليس عندنا فيه نص صريح مرفوع عن رسول الله، لكن نعم، توجد آثار عن بعض الصحابة أنهم كانوا يشهدون الذبح، ذبح الأضحية. وأيضا يستحب لمالكها أن يأكل منها، وخاصة إذا أراد أن يتصدق بها كلها. فإذا أمكن أن يأكل منها، فقد كان ذلك من هديه قبل أن يقوم بتوزيعها كلها. يأخذ منها ويطعم منها. ومن لم يستطع على الذبح -كما مر- تأتي مسألة الإنابة، ينيب غيره ليذبح عنه. كمن يفعله بعض الناس، يوكل فلانا، يوكل ذباحا، يوكل جزارا، يعطيه إلى مسلخ، يعطيه لمطعم، يتولون الذبح عنه. لكن هنا مسألة، هذا ليس فيه شيء، الإنابة ليس فيها شيء. لكن هنا شرط مهم جدا، وهو أن يحرص أن يكون هذا الذبح مسلما. وهذه مسألة تخفى على بعض الناس أحيانا في بعض المجتمعات ممن تكون فيه عدة أديان. أذكر في بعض الدول في مثل هذه المناسبات قرب الأعياد أو في أيام الأعياد، يخرج الناس على الشوارع ومعهم السكاكين ومعهم الصواطير ومعهم عدة الذبح. فيأتي بعض الناس عنده خمسة رؤوس، ثلاثة رؤوس، لا بد أن يحتاج إلى الذباح. فيأخذ من طرف الشارع، وقد يكون هذا رجل من خارج بلده، أسيوي من شرق آسيا من تلك الجهات، فيختار على أنه الذبح ويذبح. لكن ما هو دينه؟ قد يكون بوذي، قد يكون هندوسي، قد يكون كافر مرتد لا دين له. فلا يجوز، حاول أن تتولى أن تعرف دينه. أو هكذا قل يا عبد الله، تأتي بالذبح وأنت تعلم أنه مسلم ولا يصلي، ما يجوز. تارك الصلاة قد مر معنا أن العلماء يعدون تارك الصلاة كافرا، فلا يجوز أن يتولى الذبح من عرف بتركه للصلاة. أو رجل الاستقواء على الدين والرب، وعلم هذا عنه، هذا ما يصح أن توليه الذبح. فعبد الله يحرص على أن يكون رجل مسلم مصلي موحد باق على أصل الإسلام، فهذا يولى الذبح عنك. كذلك فائدة، وإذا جاءت بمن ينيب عنك في الذبح فذبح -كالجزار مثلا- تعفيه أجرته، لكن لا تكون أجرته من اللحم من الأضحية، لا. فقد جاء حديث علي رضي الله تعالى عنه فيه: «لا أعطي للجزار منها شيئا». الجزار ما يأخذ منها من أضحية شيئا، لأن هذه الأضحية لماذا ذبحت؟ لله، فهي خالصة لوجه الله، فلا يخرج منها عوض. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «ذبحهما بيده، وسمى وكبر». التسمية واجبة، ولا تأكل مما لم يذكر اسم الله عليه، فلابد أن الذابح الذي يتولى الذبح أن يكون مستحضر لهذه الكلمة «بسم الله». فما ينهر الدم إلا بسم الله، ولا يذكر سوى الله، لا يذكر سوى الله جل وعلا. عباد الأصنام كانوا يهلون برفع أصواتهم بالآلهة: باللات والعزة ومناة، هذا من الكفر المبين. وللأسف بعض الناس ربما على هذا المسلك، شعر أو لم يشعر: «بسم الله، بسم الولي الفلاني، بسم البدوي، بسم العيدروس، بسم الجيلاني». يكون هذا قد وقع، يتلفظون كما يفعل النصارى «باسم اليسوع». هذا كله لا تصح ذبيحة، جيفة، لأنها لم يذكر فيها اسم الله جل وعلا، وإنما يسمي الله جل وعلا فقط. وانتبه إلى أمر قد يكون درج على الألسن، وهي الصلاة على النبي «اللهم صل وسلم». لا تصلي عليه في هذا المقام، أترك الصلاة على النبي. نعم، من خيرة الأقوال ومن أفضل الأذكار لها مناسبات ولها أحوال تقال في حينها، لكن في الذبح لا، ما يصلي على نبي في وقت الذبح. فهذا نبي هل قال: «بسم الله الله أكبر، اللهم صل على محمد»؟ ما صلى على نفسه في هذا المقام. علمنا أن نصلي عليه في مواطن، إلا هذا الموطن، هذا الموطن موطن الذبح، من أعظم معالم التوحيد لله. وتأمل يا عبد الله ما يكتبه العلماء في كتب التوحيد عند مسألة الذبح، أعظم فريضة وشعيرة تظهر فيها معالم التوحيد العقدية والقولية والفعلية، هي مسألة الذبح. ومن هنا جعلها الله نسكا في كل المِلل ولكل أمة، جعلنا منسكا وذبيحة، لأن فيها تتجلى معالم توحيد الله جل وعلا. قال: «سمى وكبر». والتكبير هنا مستحب، التسمية واجبة، وأما التكبير مستحب. تقول: «بسم الله والله أكبر»، ثم تذبح الذبيحة. لك هذا، يشرع ويستحب التكبير. ولك أن تزيد بعض الألفاظ، مع أن ثبت هذا عن نبينا، لك أن تقول: «بسم الله الله أكبر، اللهم هذا منك ولك»، أو «اللهم تقبل مني»، أو «اللهم هذا عني وعن أهل بيتي»، «اللهم هذا عن فلان»، وتأتي باسمه. «اللهم هذا عن محمد عن سالم»، تأتي باسمه، كنت موصى به، ما في شيء. هذا قد جاء عن نبينا أنه كان يتلفظ بمثل هذه العبارات. حاول أن تأتي بها، تتقيد بها، وما كان في معناها، فرخص بها العلماء في هذا الباب. قال: «سمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما». ما الصفيحة؟ العنق، عنق الشاة. فنبي ماذا فعل عندما ذبح؟ وضع رجله على الصفيحة، على العنق، وهي رقبة الشاة، وضع رجله عليها. قال العلماء: أولا هذا في إشعار على أن أضجعت، فالشاة والأغنام لا تكون قائمة، وإنما تضجع. وهذا أسهل، وإضجاعها كما يقول العلماء: وثقاء تكون في الجهة اليسرى، وأنت تمسك السكين بالي، فهذا أيسر وأفضل وأسرع. تضجعها على الجهة اليسرى، وتمسك السكين بالجهة اليمنى. ونبينا وضع رجله على الصفيحة، وهي الرقبة. قال العلماء: وذاك حتى يثبتها، حتى لا تضطرب. تعرف أن الذبيحة إذا ذبحت فإنها تضطرب اضطرابا شديدا. فلو تركتها هكذا، فإنها ستدور، فتؤذي نفسها وتؤذي الذي عندها. لكن ثبت الرجل رأسها بماذا؟ بوضع الرجل عليها، وترك باقي الأطراف. وهذه مسألة خلافية، بعض العلماء يفصل فيها: هل يمسك الرجلين أو يمسك القدمين أو يتركها؟ منه من أحب ذلك، ومنه من كره ذلك. لكن الشاهد أنك تحرص على أنك إن وضعت رجلك أن تجعل الذبيحة تخرج الدم، تخرج الدم، ولا تتعجل ولا تستعجل. وقد سمعت وقد أخبرت على أن من أعظم ما يفسد اللحم هو الاستعجال في رفعه، لأن الدم يبقى في الجسد. ومن قرأ في المطولات عند الفقهاء يرون ماذا يستحبون؟ يستحبون أن الذبيحة ما تسلق حتى تبرد. تبرد، ما معنى تبرد؟ قالوا: هذا كناية على أن الدم قد خرج. إذبحها، أتركها بعد ما تمسكها برجلك حتى تنتهي من إخراج الدم. سكنت، أخرج الدم، علقها، ثم اسلقها. هذا أضمن إخراج الدم الذي في جوفها. ومع ذلك تجعلها إلى جهة القبلة، جاء ذلك في السنة. محفوظ عن أنس كذلك قال: «فلما وجهها». قال العلماء: وجهها، أي وجه الذبيحة إلى القبلة، هذا مما يستحب عند الذبح. وفي ذلك إشارة، أخواني في الله، إلى مسألة وهي باب منفصل تماما ومهم جدا في باب الأضحية، وهو أن تتعلم آداب الذبح. فما كآداب من هذه المسألة التي سمعتها؟ وهو وضع الرجل على العنق، وترك الدم يخرج، وتوجيهها إلى القبلة، وأن تحد السكين، لا تجعلها فاترة، لا تذبحها عند أخواتها. وكل ذلك من الأهداف التي يحرص عليها المسلم. هذا، أخواني في الله، يعني كما قلنا: ملخص سريع جدا حول أهم المسائل المتعلقة بأضحيته عليه الصلاة والسلام، وما تفرع منها من مسائل. الحق ذلك أن يكون له مجالس أطول وأكثر وتفصيل فيها أوسع. لكن هذا الذي يتيسر به المقام. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.